قال تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير}، فقص هذه القصة التي فيها موت البشر مائة عام، وموت حماره، ومعه طعامه وشرابه، ثم إحياء هذا الميت وإحياء حماره وبقاء طعامه وشرابه لم يتغير ولم يفسد، وهو في دار الكون والفساد التي لا يبقى فيها في العادة طعام وشراب بدون التغير بعض هذه المدة، وهذا يبين قدرته على إحياء الآدميين والبهائم، وإبقاء الأطعمة والأشربة لأهل الجنة في دار الحيوان بأعظم الدلالات.()
{والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}، فإنه في معرض الذم، فذكر غايته، وذكر ما يقابله، وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم.. وقد ذكر الله سبحانه في البقرة والنساء الأقسام الأربعة في العطاء: إما أن لا يعطي، فهو البخيل المذموم في النساء، أو يعطي مع الكراهة والمن والأذى، فلا يكون بتثبيت وهو المذموم في البقرة، أو مع الرياء، فهو المذموم في السورتين، فبقي القسم الرابع: ابتغاء رضوان الله وتثبيتا من أنفسهم، ونظيره: الصلاة: إما أن لا يصلي، أو يصلي رياء، أو كسلان، أو يصلي مخلصاً، والأقسام الثلاثة الأول مذمومة، وكذلك: الزكاة، ونظير ذلك: الهجرة والجهاد،
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}، وهذه الآية نزلت في أهل الطائف، وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا، لكن كانوا يتعاملون بالربا، فأنزل الله هذه الآية، وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقي من الربا، وقال: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}، وقد قرئ (فأذنوا) و(آذنوا)، وكلا المعنيين صحيح، والربا آخر المحرمات في القرآن، وهو مال يؤخذ بتراضي المتعاملين، فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله، فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التي هي أسبق تحريما وأعظم تحريما؟()
قال الإمام ابن القيم –رحمه الله-: قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}، فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل"()، فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيها شهادتهن منفردات، إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة).()
وفي قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ذكروا منه العشق، والعشق يفضي بأهله إلى الأمراض والإهلاك، وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضا، وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة، كقوله في سورة هود: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم}، وقوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}..()
{لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير}، فأخبر تعالى أن ما في السموات وما في الأرض ملكه وحده لا يشاركه فيه مشارك، وهذا يتضمن انفراده بالملك الحق والملك العام لكل موجود، وذلك يتضمن توحيد ربوبيته وتوحيد إلهيته، فتضمن نفي الولد والصاحبة والشريك؛ لأن ما في السموات وما في الأرض إذا كان ملكه وخلقه لم يكن له فيهم ولد ولا صاحبة ولا شريك، وقد استدل سبحانه بعين هذا الدليل في سورة الأنعام وسورة مريم؛
{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}، فهذا متضمن لكمال علمه سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السموات والأرض عن ملكه، فعلمه عام وملكه عام، ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك، وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم وتعريفهم إياه، ثم قال: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}، فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل والفضل، فيغفر لمن يشاء فضلا، ويعذب من يشاء عدلا، وذلك يتضمن الثواب والعقاب المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة والنبوة، ثم قال تعالى: {والله على كل شيء قدير}، فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته البتة، وأن كل مقدور واقع بقدره، ففي ذلك رد على المجوس الثنوية، والفلاسفة، والقدرية المجوسية، وعلى كل من أخرج شيئاً من المقدورات عن خلقه وقدرته -وهم طوائف كثيرون- فتضمنت الآية إثبات التوحيد وإثبات العلم بالجزئيات والكليات، وإثبات الشرائع والنبوات، وإثبات المعاد والثواب والعقاب، وقيام الرب على خلقه بالعدل والفضل، وإثبات كمال القدرة وعمومها، وذلك يتضمن حدوث العالم بأسره؛ لأن القديم لا يكون مقدورا ولا مفعولا، ثم إن إثبات كمال علمه وقدرته يستلزم إثبات سائر صفاته العلى، وله من كل صفة اسم حسن، فيتضمن إثبات أسمائه الحسنى، وكمال القدرة يستلزم أن يكون فعالا لما يريد، وذلك يتضمن تنزيهه عن كل ما يضاد كماله، فيتضمن تنزيهه عن الظلم المنافي لكمال غناه وكمال علمه؛ إذ الظلم إنما يصدر عن محتاج أو جاهل، وأما الغني عن كل شيء العالم بكل شيء سبحانه، فإنه يستحيل منه الظلم كما يستحيل عليه العجز المنافي لكمال قدرته والجهل المنافي لكمال علمه، فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة وأفصح لفظ وأوضح معنى، وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضي محاسبة الرب عبده بها، وهي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده بيان معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء
: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}، فهذه شهادة الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بإيمانه بما أنزل إليه من ربه، وذلك يتضمن إعطاءه ثواب أكمل أهل الإيمان -زيادة على ثواب الرسالة والنبوة- لأنه شارك المؤمنين في الإيمان، ونال منه أعلى مراتبه، وامتاز عنهم بالرسالة والنبوة، وقوله: {أنزل إليه من ربه} يتضمن أنه كلامه الذي تكلم به ومنه نزل لا من غيره، كما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك}، وقال: {تنزيل من رب العالمين}، وهذا أحد ما احتج به أهل السنة على المعتزلة القائلين بأن الله لم يتكلم بالقرآن، قالوا: فلو كان كلاما لغير الله لكان منزلا من ذلك المحل لا من الله؛ فإن القرآن صفة لا تقوم بنفسها
{والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}، فالإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من قبله يتضمن الإيمان بالكتب والرسل والملائكة، ثم قال: {وبالآخرة هم يوقنون}، والإيمان بالله يدخل في الإيمان بالغيب وفي الإيمان بالكتب والرسل، فتضمنت الإيمان بالقواعد الخمس،
{ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، فتخصيص الملائكة والنبيين بالذكر تنبيه على من دونهم، فإنه لا يأمر باتخاذ الصالحين أربابا بطريق الأولى