{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}، فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول، فمتى كان لا يعلم ما يقول، فهو في السكر، وإذا علم ما يقول خرج عن حكمه، فهذا أصل يجب اعتماده وهذا هو حد السكران عند جمهور العلماء.()
قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا}، وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة.()
{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}، أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منا، وأمر إن تنازعنا في شيء أن نرده إلى الله والرسول، فدل هذا على أن كل ما تنازع المؤمنون فيه من شيء فعليهم أن يردوه إلى الله والرسول، والمعلق بالشرط يعدم عند عدم الشرط، فدل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتا، وكذلك إنما يكون لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدى وطاعة لله ورسوله، فلا يحتاجوا حينئذ أن يأمروا بما هم فاعلون من طاعة الله والرسول، ودل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا فإنهم لا يجتمعون على ضلالة، ولو كانوا قد يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولى بوجوب الرد إلى الله والرسول منهم إذا تنازعوا، فقد يكون أحد الفريقين مطيعا لله والرسول.()
وقال تعالى في نعت المنافقين: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا* فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا* أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}، وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو "عقليات" من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب، وغير ذلك من أنواع الاعتبار.()
والعبد إذا عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم؛ كما قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وَأَشد تثيبتا* وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما* ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا}.()
قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}، فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة، وهذا من كمال رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة، وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين: بأمره لهم بالطاعة أولا برحمته، وأمرهم بالاستغفار من رحمته، فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولاً، والذين استغفروه ثانياً، فإذا كان رحيماً بمن يطيعه، والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم إليهم، ودفع ما يضرهم عنهم، فكيف يكون المأمور به مشتملا على ضررهم دون منفعتهم؟.()
فقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} الآية، وفيها دليلان: أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر؛ كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام، كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم، قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة، فعلم أنها واجبة.()
عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تلك صلاة المنافق، يمهل حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا"()، فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ويضيع فعلها وينقرها فدل ذلك على ذم هذا وهذا وإن كان كلاهما تاركا للواجب. وذلك حجة واضحة في أن نقر الصلاة غير جائز وأنه من فعل من فيه نفاق.. وقال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}، وهذا وعيد شديد لمن ينقر في صلاته، فلا يتم ركوعه وسجوده بالاعتدال والطمأنينة.()