{قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}.. فهذا كله يبين أن سنة الله وعادته مطردة لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، وإهانة مكذبيهم.()
{وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}، وقد قيل على الصحيح: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يقتل في معركة، فقد قتل أنبياء كثيرون {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين* وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} الآية، فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به في المصائب الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها.()
كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق، وهذا يدل عليه قوله عز وجل: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ}، وهذا كثير في كلام السلف، يبيّنون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدل على ذلك؛ ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"().()
قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} الآية، فمن أمر بكتم ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، فقد كتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، وهذا مما ذم الله به علماء اليهود، وهو من صفات الزائغين من المنتسبين إلى العلم من هذه الأمة.()
وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله تبارك وتعالى من التوحيد، بيّنا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله تبارك وتعالى من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله ولا يقسم على الله بهم ولا يتوسل بذواتهم، وإنما يتوسل بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم ومعاداة من عاداهم وطاعتهم فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه.
والتوسل بذلك على وجهين:
أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار؛ فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم()، وقد تقدم بيان ذلك.
والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه؛ فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ومثل هذا كقول المؤمنين: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار}، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء، ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين}، وأمثال ذلك كثير.()
{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}، قال المفسرون - كالضحاك وغيره -: تساءلون به: تتعاهدون وتتعاقدون؛ وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ذلك، وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم، المخلوقة: كالرحم، والمكسوبة: كالعقود التي يدخل فيها الصهر وولاية مال اليتيم ونحو ذلك.()
الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}، وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا}، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له، وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب، فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات؛ قياسا عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن، وكذلك قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس المتبرع بتبرع: ثبت حله بدلالة القرآن؛ إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله، كالتجارة في الخمر ونحو ذلك.()
وأما ميراث البنتين فقد قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف}، فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث، ولها وحدها النصف، ولما فوق اثنتين الثلثان، بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع، فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه قال: {وإن كانت واحدة فلها النصف}، فقيد النصف بكونها واحدة، فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف؛ بخلاف قوله: {فإن كن نساء} ذكر ضمير (كن) و(نساء)، وذلك جمع لم يمكن أن يقال: اثنتين؛ لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن الحكم لا يختص باثنتين، فلزم أن يقال: {فوق اثنتين}، لأنه قد عرف حكم الثنتين؛ وعرف حكم الواحدة، وإذا كانت واحدة فلها النصف، ولما فوق الثنتين الثلثان: امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين، فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف، فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان، فكيف الثلاثة، ولا يكفيها النصف، لأنه لها بشرط أن تكون واحدة، فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة، وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب {وإن كانت واحدة}؛ فإن هذا خبر كان تقديره: فإن كانت بنتا واحدة، أي: مفردة ليس معها غيرها {فلها النصف}، فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها، فانتفى النصف وانتفى الجميع، فلم يبق إلا الثلثان، وهذه دلالة من الآية، وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين، وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ما بقي()، وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن ابن عباس، ودلت آية (الولد) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؛ فكذلك قال في الأخوات: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك}، ولم يذكر ما فوقهما؛ فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين، فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى؛ بخلاف آية البنات؛ فإنه لم يدل قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} إلا على أن لها الثلث مع أخيها، وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث، فصار بيانه في كل من الآيتين من أحسن البيان؛ لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين، وفي آية الصيف لما دل الكلام على ميراث الأختين، وكان ذلك دالاًّ بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة وما زاد: لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين، فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين، وفي الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما يقتضيه حسن البيان في كل موضوع، ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا: بقي بيان الابنتين فصاعدا من الصنفين، ليكون البيان مستوعبا للأقسام، ولفظ "الإخوة" وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعني به الجنس من غير قصد القدر منه، فيتناول الاثنين فصاعدا، وقد يعني به الثلاثة فصاعدا، وفي هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقا؛ لأنه بين الواحدة قبل ذلك؛ ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة، وقد صرح بذلك في قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} إلى قوله: {فهم شركاء في الثلث}، فقوله: (كانوا) ضمير جمع، وقوله: {أكثر من ذلك} أي: من أخ وأخت، ثم قال: {فهم شركاء في الثلث}، فذكرهم بصيغة الجمع المضمر، وهو قوله: {فهم}، والمظهر وهو قوله: {شركاء}، فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا: الاثنين فصاعدا؛ لقوله: {يوصيكم الله في أولادكم}، وقوله؛ {فإن كان له إخوة فلأمه السدس}، وقوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء}.()
{تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}، فقد بين الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيدا في الآخرة، ومن عصى الله ورسوله، وتعدى حدوده كان معذبا، فهذا هو الفرق بين السعداء، والأشقياء.