وقد قال تعالى لنبيه: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، فأمره أن يأخذ بالعفو في أخلاق الناس، وهو ما يقر من ذلك، قال ابن الزبير: أمر الله نبيه أن يأخذ بالعفو من أخلاق الناس، وهذا كقوله: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} من أموالهم. هذا من العفو، ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين، وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة؛ فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ما يحب، أو ما يكره، فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ولا يطالبهم بزيادة، وإذا فعلوا معه ما يكره أعرض عنهم، وأما هو فيأمرهم بالمعروف، وهذا باب واسع.()
قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}، وقال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون}، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}، والدواب: جمع دابة، وهو كل ما دب في سماء وأرض، من إنس وجن وملك وبهيمة، ففي القرآن ما يدل على تفضيل البهائم على كثير من الناس في خمس آيات.()
{ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}، وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: "إن عبدي - كل عبدي - الذي يذكرني وهو ملاق قرنه"()، قال ابن القيم –رحمه الله-: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يستشهد به وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال، كما قال عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها... أشطان بئر في لبان الأدهم
وقال الآخر:
ذكرتك والخطي يخطر بيننا... وقد نهلت منا المثقفة السمر
قال آخر:
ولقد ذكرتك والرماح شواجر... تحوي وبيض الهند تقطر من دمي
وهذا كثير في أشعارهم، وهو مما يدل على قوة المحبة؛ فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها، وهذا دليل على صدق المحبة، والله أعلم.()
قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} إلى قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}، فأمر بقتالهم، ثم علق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح، وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب الكف عنهم، ثم إن صلوا وزكوا وإلا عوقبوا بعد ذلك على ترك الفعل؛ لأن الشارع في التوبة شرع الكف عن أذاه ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام، وكذلك التائب من الفاحشة يشرع الكف عن أذاه إلى أن يصلح، فإن أصلح وجب الإعراض عن أذاه، وإن لم يصلح لم يجب الكف عن أذاه، بل يجوز أو يجب أذاه، وهذه الآية مما يستدل بها على التعزير بالأذى.()
قال تعالى: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة} فجعل همهم بإخراج الرسول من المحضضات على قتالهم، وما ذاك إلا لما فيه من الأذى، وسبه أغلظ من الهم بإخراجه؛ بدليل أنه صلى الله عليه وسلم عفا عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن سبه، فالذمي إذا أظهر سبه فقد نكث عهده وفعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول، وبدأ بالأذى فيجب قتاله.()
قد يستدل بقوله: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان} على أن الولد يكون مؤمنا بإيمان والده؛ لأنه لم يذكر الولد في استحبابه الكفر على الإيمان مع أنه أولى بالذكر، وما ذاك إلا أن حكمه مخالف لحكم الأب والأخ، وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه وبين المستقل، كما استدل سفيان بن عيينة وغيره بقوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} أن بيت الولد مندرج في بيوتكم؛ لأنه وماله لأبيه، ويستدل بقوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} على أن إسلام الوليد صحيح؛ لأنه جعله من جملة القائلين قول من يطلب الهجرة، وطلب الهجرة لا يصح إلا بعد الإيمان، وإذا كان له قول في ذلك معتبر كان أصلا في ذلك ولم يكن تابعا؛ بخلاف الطفل الذي لا تمييز له؛ فإنه تابع لا قول له.()
[{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} الآية]، ففي الإيتاء قال: {ما آتاهم الله ورسوله}، كما قال: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؛ لأن الحلال ما حلّله الله ورسوله، والحرام ما حرّمه الله ورسوله، فما أعطاه الرسول للناس فهو حقّهم بالقول والعمل؛ كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه، وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو المباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه، فلهذا قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ}، ولم يقل هنا: ورسوله؛ لأن الله تعالى وحده حسب عبده، أي: كافيه، لا يحتاج الرب فيه كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجيء هذه الكلمة إلا لله وحده
{ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم}، فالإنفاق وقطع الوادي عمل مباشر، فقال فيه: {إلا كتب لهم}، ولم يقل: به عمل صالح، وأما الجوع والعطش والنصب وغيظ الكفار ما ينال منهم فهو من المتولدات، فقال فيه: {إلا كتب لهم به عمل صالح}، فدل ذلك على أن عملهم سبب في حصول ذلك، وإلا فلا يكتب للإنسان بدون سبب من عمله، بل تكتب الآثار لأنها من أثر عمله، قال تعالى: {نكتب ما قدموا وآثارهم}.()
قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا}، وقال: {وجعلنا سراجا وهاجا}، وسمى سبحانه الشمس سراجا وضياء; لأن فيها مع الإنارة والإشراق تسخينا وإحراقا، فهي بالنار أشبه بخلاف القمر، فإنه ليس فيه مع الإنارة تسخينا، فلهذا قال: {جعل الشمس ضياء والقمر نورا}.()
{ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون}، فالأصم لا يعلم ما في الكلام من العلم والضرير لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة، وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئا؛ فمدار الأمر على القلب