قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} الآية، ففضل الله ورحمته: القرآن والإيمان، من فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه.()
{مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون}، قال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا وأرادوها جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان دليلا عليه، وقال ابن الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى وهذا كثير في القرآن.
ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق: أن الله تعالى قال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟ والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، ولا خلاف بين الناس أن قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام، وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب، ومما يدل على ذلك: أن قصة الذبيح كانت بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة كان قرنا الكبش في الكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسادن: "إني آمرك أن تخمر قرني الكبش فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة ما يلهي المصلي"()؛ ولهذا جعلت منى محلا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن.()
: {نحن نقص عليك أحسن القصص} يتناول كل ما قصه في كتابه فهو أحسن مما لم يقصه، ليس المراد أن قصة يوسف أحسن ما قص في القرآن، وأين ما جرى ليوسف مما جرى لموسى ونوح وإبراهيم وغيرهم من الرسل؟ وأين ما عودي أولئك مما عودي فيه يوسف؟ وأين فضل أولئك عند الله وعلو درجتهم من يوسف - صلوات الله عليهم أجمعين؟ وأين نصر أولئك من نصر يوسف؟
{وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين}، وأذل الله الذين ظلموه ثم تابوا، فكان فيها من العبرة أن المظلوم المحسود إذا صبر واتقى الله كانت له العاقبة، وأن الظالم الحاسد قد يتوب الله عليه ويعفو عنه، وأن المظلوم ينبغي له العفو عن ظالمه إذا قدر عليه... ففي قصة يوسف أنواع من العبرة للمظلوم والمحسود والمبتلى بدواعي الفواحش والذنوب وغير ذلك، لكن أين قصة نوح وإبراهيم وموسى والمسيح ونحوهم ممن كانت قصته أنه دعا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكذبوه وآذوه وآذوا من آمن به؟ فإن هؤلاء أوذوا اختيارا منهم لعبادة الله فعودوا وأوذوا في محبة الله وعبادته باختيارهم، فإنهم لولا إيمانهم ودعوتهم الخلق إلى عبادة الله لما أوذوا، وهذا بخلاف من أوذي بغير اختياره، كما أخذ يوسف من أبيه بغير اختياره، ولهذا كانت محنة يوسف بالنسوة وامرأة العزيز واختياره السجن على معصية الله أعظم من إيمانه ودرجته عند الله وأجره من صبره على ظلم إخوته له؛ ولهذا يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك،
قوله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} المراد الكلام الذي هو أحسن القصص، وهو عام في كل ما قصه الله لم يخص به سورة يوسف؛ ولهذا قال: {بما أوحينا إليك هذا القرآن}، ولم يقل: بما أوحينا إليك هذه السورة، والآثار المأثورة في ذلك عن السلف تدل كلها على ذلك، وعلى أنهم كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل من سائر الكتب، وهو المراد، والمراد من هذا حاصل على كل تقدير، فسواء كان أحسن القصص مصدرا أو مفعولا أو جامعا للأمرين، فهو يدل على أن القرآن وما في القرآن من القصص أحسن من غيره، فإنا قد ذكرنا أنهما متلازمان، فأيهما كان أحسن كان الآخر أحسن، فتبين أن قوله تعالى: {أحسن القصص}، كقوله: {الله نزل أحسن الحديث}، والآثار السلفية تدل على ذلك.()
في قول يوسف: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} عبرتان: إحداهما: اختيار السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي.
والثانية: طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت القلب على دينه ويصرفه إلى طاعته، وإلا فإذا لم يثبت القلب صبا إلى الآمرين بالذنوب، وصار من الجاهلين، ففي هذا توكل على الله واستعانة به أن يثبت القلب على الإيمان والطاعة، وفيه صبر على المحنة والبلاء والأذى الحاصل إذا ثبت على الإيمان والطاعة.()
{أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال}، فشبه العلم بالماء المنزل من السماء؛ لأن به حياة القلوب، كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية؛ لأنها محل العلم، كما أن الأودية محل الماء، فقلب يسع علما كثيرا، وواد يسع ماء كثيرا، وقلب يسع علما قليلا، وواد يسع ماء قليلا، وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء، وأنه يذهب جفاء، أي: يرمى به ويخفى، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات، فإذا ترابى فيها الحق ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ثم تذهب جفاء ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس، وقال: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل} فهذا المثل الآخر وهو الناري، فالأول للحياة والثاني للضياء.()
ولهذا كانت القلوب تطمئن بذكره؛ كما قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}؛ فتقديم المفعول يدل على أنها لا تطمئن إلا بذكره، وهو تعالى إذا ذُكر وجلت، فحصل لها اضطراب ووجل، لما تخافه من دونه، وتخشاه من فوات نصيبها منه، فالوجل إذا ذكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة؛ لأنه هو المعبود لذاته، والخير كله منه.. ولم يقل: بذكر الله توجل القلوب، كما قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، بل قال: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، ثم قال: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}، وإنما يتوكلون عليه لطمأنينتهم إلى كفايته، وأنه سبحانه حسب من توكل عليه؛ يهديه، وينصره، ويرزقه بفضله، ورحمته، وجوده.. فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، وإنما الاقشعرار والوجل عارض بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقه، والتعدي لحده؛ فهو كالزبد مع ما ينفع الناس: الزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض فالخوف مطلوب لغيره، ليدعو النفس إلى فعل الواجب، وترك المحرم. وأما الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبته، فمطلوب لذاته، ولهذا يبقى معهم هذا في الجنة، فيلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس.()