{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} روى أصحاب التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب، وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية()، فهذا وإن لم يكن مما يحتج به منفردا، فإنه يشد تلك الروايات ويقويها، وقد استدل أحمد بهذه الآية، وتأولها على ذلك، قال: إذا تحرى القبلة ثم صلى فعلم بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة مضت.()
{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات، نسخ ذلك في حق العالم القادر في صلاة الفرد، فيبقى في حق الجاهل بالقبلة والعاجز عن استقبالها لخوف ونحوه، في حق المتنفل في السفر لم ينسخ، وهذا لأن الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات، لكن إذا لم يكن بد من الصلاة إلى واحدة منها، عين الله سبحانه لنا استقبال أحب الوجوه إليه، وأوجب ذلك، فإذا تعذر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ؛ لأن الايجاب حينئذ محال.()
قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}، فانظر كيف قال في الخبر: {ملتهم}، وقال في النهي: {أهواءهم}؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم.()
{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} فهذا نص في أنه إمام الناس كلهم.()
{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماما، وأعظم الظلم الشرك.()
{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} (.. أما الدلالة: فالحجة في قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي"()، أخبر أنهما من بعده، وأمر بالاقتداء بهما، فلو كانا ظالمين أو كافرين في كونهما بعده لم يأمر بالاقتداء بهما؛ فإنه لا يأمر بالاقتداء بالظالم؛ فإن الظالم لا يكون قدوة يؤتم به؛ بدليل قوله: {لا ينال عهدي الظالمين}؛ فدل على أن الظالم لا يؤتم به، والائتمام هو الاقتداء؛ فلما أمر بالاقتداء بمن بعده، والاقتداء هو الائتمام، مع إخباره أنهما يكونان بعده، دل على أنهما إمامان [قد أمر بالائتمام بهما] بعده، وهذا هو المطلوب).()
فقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}، ومن جعلهم الرب شهداء على الناس، فلا بد أن يكونوا عالمين بما يشهدون به، ذوي عدل في شهادتهم، فلو كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما عفا الله عنه، ويسقطون ما أوجبه الله، لم يكونوا كذلك، وكذلك إذا كانوا يجرحون الممدوح ويمدحون المجروح.()
قوله: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات}، فأخبر أن لكل أمة وجهة، ولم يقل: جعلنا لكل أمة وجهة، بل قد يكون هم ابتدعوها، كما ابتدعت النصارى وجهة المشرق.()
ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها، وجدها مبنية على قوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}، {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}، فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب، أو فعل محرم لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد، وإن كان سببه معصية، كالمسافر سفر معصية، اضطر فيه إلى الميتة، والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة، ويباح له ما يزيل ضرورته فيباح له الميتة، ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو ظالم لنفسه محتال، كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون}، وقوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم} الآية، وهذه قاعدة عظيمة، ربما ننبه إن شاء الله عليها.()
{ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}، وهذه الآية عظيمة، جليلة القدر، من أعظم آي القرآن، وأجمعه لأمر الدين، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت()، وفي الترمذي عن فاطمة بنت قيس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن في المال حقا سوى الزكاة وقرأ هذه الآية()"، وقد دلت على أمور:
أحدها: أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون، وعامة هذه الأمور فعل مأمور به.
والثاني: أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر، وأهلها هم الصادقون، يعني في قوله: (آمنا)، وعامتها أمور وجودية، هي أفعال مأمور بها، فعلم أن المأمور به أدخل في البر والتقوى والإيمان من عدم المنهي عنه، وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة، كما قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم} وقال: {أم نجعل المتقين كالفجار} {إن المتقين في جنات ونهر}، وقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}، وهذه الخصال المذكورة في الآية قد دلت على وجوبها؛ لأنه أخبر أن أهلها هم الذين صدقوا في قولهم، وهم المتقون، والصدق واجب والإيمان واجب إيجاب حقوق سوى الزكاة.()
قول من قال: إن قوله: {ولكم في القصاص حياة} معناه أن القاتل إذا عرف أنه يقتل كف فكان في ذلك حياة له وللمقتول، يقال له: هذا معنى صحيح؛ ولكن هذا مما يعرفه جميع الناس، وهو مغروز في جبلتهم، وليس في الآدميين من يبيح قتل أحد من غير أن يقتل قاتله؛ بل كلهم مع التساوي يجوزون قتل القاتل، ولا يتصور أن الناس... (1)()، إذا كان كل من قدر على غيره قتله، وهو لا يقتل، يرضى بمال، وإذا كان هذا المعنى من أوائل ما يعرفه الآدميون، ويعلمون أنهم لا يعيشون بدونه، صار هذا مثل حاجتهم إلى الطعام والشراب والسكنى، فالقرآن أجلّ من أن يكون مقصوده التعريف بهذه الأمور البديهية، بل هذا مما يدخل في معناه، وهو أنه إذا كتب عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر وعبد بعبد وأنثى بأنثى، فجعل دية هذا كدية هذا ودم هذا كدم هذا متضمن لمساواتهم في الدماء والديات، وكان بهذه المقاصة لهم حياة من الفتن التي توجب هلاكهم كما هو معروف، وهذا المعنى مما يستفاد من هذه الآية، فعلم أن دم الحر وديته كدم الحر وديته، فيقتل به، وإذا علم أن التقاص يقع للتساوي في الديات علم أن للمقتول دية، ولفظ القصاص يدل على المعادلة والمساواة فيدل على أن الله أوجب العدل والإنصاف في أمر القتلى فمن قتل غير قاتله فهو ظالم، والمقتول() وأولياؤه إذا امتنعوا من إنصاف أولياء المقتول فهم ظالمون، هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل، وهؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل، وقد ذكر سبحانه هذا المعنى في قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا}، وإذا دلت على العدل في القود بطريق اللزوم والتنبيه ذهب الإشكال، ولم يقل: فلم لا قال: والعبد بالعبد والحر؟ فإنه لم يكن المقصود أنه يقاص به في القتلى، ومعلوم أنه إنما يقاص الحر بالحر لا بالمرأة، والمرأة بالمرأة لا بالحر، والعبد بالعبد، فظهرت فائدة التخصيص به والمقابلة في الآية، ودلت الآية حينئذ على أن الحر يقتل بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى؛ إذا كانا متساويين في الدم، وبدله هو الدية، ولم ينتف أن يقتل عبد بحر وأنثى بذكر، ولا لها مفهوم ينفي ذلك؛ بل كما دلت على ذلك بطريق التنبيه والفحوى والأولى، كذلك تدل على هذا أيضا؛ فإنه إذا قتل العبد بالعبد فقتله بالحر أولى، وإذا قتلت المرأة بالمرأة، فقتلها بالرجل أولى، وأما قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى فالآية لم تتعرض له لا بنفي ولا إثبات، ولا لها مفهوم يدل عليه لا مفهوم موافقة ولا مخالفة؛ فإنه إذا كان في المقاصة يقاس الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لتساوي الديات دل ذلك على قتل النظير بالنظير والأدنى بالأعلى، يبقى قتل الأعلى الكثير الدية بالأدنى القليل الدية، ليس في الآية تعرض له؛ فإنه لم يقصد بها ابتداء القود، وإنما قصد المقاصة في القتلى لتساوي دياتهم، فإن قيل: دية الحر كدية الحر، ودية الأنثى كدية الأنثى ويبقى العبيد قيمتهم متفاضلة؟ قيل: عبيدهم كانوا متقاربين القيمة، وقوله: {والعبد بالعبد} قد يراد به: بالعبد المماثل به، كما يقال: ثوب بثوب، وإن كان أحدهما أغلى قيمة فذاك مما عفي له، وقد يعفى إذا لم تعرف قيمتهم، وهو الغالب، فإن المقتولين في الفتن عبيدهم الذين يقاتلون معهم وهم يكونون تربيتهم عندهم لم يشتروهم، فهذا يكون مع العلم بتساوي القيمة ومع الجهل بتفاضلها؛ فإن المجهول كالمعدوم ولو أتلف كل من الرجلين ثوب الآخر ولا يعلم واحد منهما قيمة واحد من الثوبين قيل ثوب بثوب وهذا لأن الزيادة محتملة من الطرفين: يحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى ويحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى وليس ترجيح أحدهما أولى من الآخر والأصل براءة ذمة كل واحد من الزيادة فلا تشتغل الذمة بأمر مشكوك فيه لو كان الشك في أحدهما فكيف إذا كان من الطرفين؟ فظهر حكمة قوله: {والعبد بالعبد}، وظهر بهذا أن القرآن دل على ما يحتاج الخلق إلى معرفته والعمل به ويحقن به دماؤهم ويحيون به، ودخل في ذلك ما ذكره الآخرون من العدل في القود، ودلت الآية على أن القتلى يؤخذ لهم ديات، فدل على ثبوت الدية على القاتل، وأنها مختلفة باختلاف المقتولين، وهذا مما منَّ الله به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أثبت القصاص والدية، وأما كون العفو هو قبول الدية في العمد، وأنه يستحقها العافي بمجرد عفوه، فالآية لم تتعرض لهذا، ودلت هذه الآية على أن الطوائف الممتنعة تضمن كل منهما ما أتلفته الأخرى من دم ومال بطريق الظلم؛ لقوله: {من أخيه}، بخلاف ما أتلفه المسلمون للكفار والكفار للمسلمين، وأما القتال بتأويل "-كقتال أهل الجمل وصفين- فلا ضمان فيه أيضا بطريق الأولى عند الجمهور؛ فإنه إذا كان الكفار المتأولون لا يضمنون، فالمسلمون المتأولون أولى أن لا يضمنوا، ودلت الآية على أن هذا الضمان على مجموع الطائفة يستوي فيه الردء والمباشر، لا يقال: انظروا من قتل صاحبكم هذا فطالبوه بديته، بل يقال: ديته عليكم كلكم فإنكم جميعا قتلتموه؛ لأن المباشر إنما تمكن بمعاونة الردء له، وعلى هذا دل قوله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا}، فإن أولئك الكفار كان عليهم مثل صداق هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فإذا لم يؤدوه أخذ من أموالهم التي يقدر المسلمون عليها مثل امرأة جاءت منهم يستحقون صداقها فيعطي المسلم زوج تلك المرتدة صداقها من صداق هذه المسلمة المهاجرة التي يستحقه الكفار؛ لكونها أسلمت وهاجرت وفوتت زوجها بضعها، كما فوتت المرتدة بضعها لزوجها، وإن كان زوج المهاجرة ليس هو الذي تزوج بالمرتدة، لأن الطائفة لما كانت ممتنعة يمنع بعضها بعضا صارت كالشخص الواحد، ولهذا لما قتل خالد من قتل من بني جذيمة وداهم النبي صلى الله عليه وسلم من عنده()؛ لأن خالداً نائبه، وهو لا يمكنهم من مطالبته وحبسه؛ لأنه متأول.. وقد تنازع الفقهاء في خطأ ولي الأمر هل هو في بيت المال أو على ذمته؟ على قولين، ولهذا كان ما غنمته السرية يشاركها فيه الجيش، وما غنمه الجيش شاركته فيه السرية؛ لأنه إنما يغنم بعضهم بظهر بعض، فإذا اشتركوا في المغرم اشتركوا في المغنم، وكذلك في العقوبة يقتل الردء والمباشر من المحاربين عند جماهير الفقهاء، كما قتل عمر رضي الله عنه ربيئة المحاربين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهو مذهب مالك في القتل قودا وفي السراق أيضا، وبيان دلالة الآية على ذلك أن المقتولين إذا حبس حر بحر وعبد بعبد وأنثى بأنثى فالحر من هؤلاء ليس قاتله هو ولي الحر من هؤلاء؛ بل قد يكون غيره، وكذلك العبد من هؤلاء ليس قاتله هو سيد العبد من هؤلاء؛ بل قد يكون غيره؛ لكن لما كانوا مجتمعين متناصرين على قتال أولئك ومحاربتهم كان من قتله بعضهم فكلهم قتله وكلهم يضمنونه؛ ولهذا ما فضل لأحد الطائفتين يؤخذ من مال الأخرى، فإن قيل: إذا كان مستقرا في فطر بني آدم أن القاتل الظالم لنظيره يستحق أن يقتل، وليس في الآدميين من يقول إنه لا يقتل، فما الفائدة في قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها} - أي في التوراة - {أن النفس بالنفس والعين بالعين} الآية، إذا كان مثل هذا الشرع يعرفه العقلاء كلهم؟ قيل لهم: فائدته بيان تساوي دماء بني إسرائيل، وأن دماءهم متكافئة، ليس لشريفهم مزية على ضعيفهم، وهذه الفائدة الجليلة التي جاءت بها شرائع الأنبياء، فأما الطوائف الخارجون عن شرائع الأنبياء فلا يحكمون بذلك مطلقا؛ بل قد لا يقتلون الشريف وإذا كان الملك عادلا فقد يفعل بعض ذلك، فهذا الذي كتبه الله في التوراة من تكافؤ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، فحكم أيضا في المؤمنين به من جميع الأجناس بتكافؤ دمائهم، فالمسلم الحر يقتل بالمسلم الحر من جميع الأجناس باتفاق العلماء، وبهذا ظهر الجواب عن احتجاج من احتج بآية التوراة على أن المسلم يقتل بالذمي، لقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} و" شرع من قبلنا شرع لنا "، فإنه يقال: الذي كتب عليهم أن النفس منهم بالنفس منهم، وهم كلهم كانوا مؤمنين، لم يكن فيهم كافر، ولم يكن في شريعتهم إبقاء كافر بينهم، لا بجزية ولا غيرها، وهذا مثل شرع محمد صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، وليس في الشريعتين أن دم الكافر يكافئ دم المسلم؛ بل جعل الإيمان هو الواجب للمكافآت دليل على انتفاء ذلك في الكافر - سواء كان ذميا أو مستأمنا - لانتفاء الإيمان الواجب للمكافأة فيه؛ نعم يحتج بعمومه على العبد، وليس في العبد نصوص صريحة صحيحة كما في الذمي؛ بل ما روي: (من قتل عبده قتلناه به)()، وهذا لأنه إذا قتله ظالما كان الإمام ولي دمه؛ لأن القاتل كما لا يرث المقتول إذا كان حرا فكذلك لا يكون ولي دمه إذا كان عبدا؛ بل هذا أولى، كيف يكون ولي دمه وهو القاتل؟ بل لا يكون ولي دمه؛ بل ورثة القاتل السيد؛ لأنهم ورثته وهو بالحياة ولم يثبت له ولاية حتى تنتقل إليهم فيكون وليه الإمام، وحينئذ فللإمام قتله، فكل من قتل عبده كان للإمام أن يقتله، وأيضا فقد ثبت بالسنة والآثار أنه إذا مثّل بعبده عتق عليه، وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما، وقتله أشد أنواع المثل، فلا يموت إلا حراً؛ لكن حريته لم تثبت في حال الحياة حتى يرثه عصبته؛ بل حريته ثبتت حكما وهو إذا كان عتق كان ولاؤه للمسلمين فيكون الإمام هو وليه فله قتل قاتل عبده، وقد يحتج بهذا من يقول: إن قاتل عبد غيره لسيده قتله، وإذا دل الحديث على هذا، كان هذا القول هو الراجح، والقول الآخر ليس معه نص صريح ولا قياس صحيح، وقد قال الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: من قتل ولا ولي له كان الإمام ولي دمه، فله أن يقتل وله أن يعفو على الدية؛ لا مجانا، يؤيد هذا أن من قال: لا يقتل حر بعبد يقول: إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد المسلم، قال الله تعالى في كتابه: {ولعبد مؤمن خير من مشرك}، فالعبد المؤمن خير من الذمي المشرك، فكيف لا يقتل به، والعبد المؤمن مثل الحرائر المؤمنات، كما دلت عليه هذه الآية، وهو قول جماهير السلف والخلف وهذا قوي على قول أحمد؛ فإنه يجوز شهادة العبد كالحر؛ بخلاف الذمي فلماذا لا يقتل الحر بالعبد وكلهم مؤمنون؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم() ".()
روي عن غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}، ولكن أهل الكتابين بدلوا.()
والصوم إنما شرع لتحصيل التقوى، كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات}.
التكبير في الفطر أوكد؛ لكونه أمر الله به بقوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}، وفي النحر أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات، ومتفق عليه، ويجتمع فيه الزمان والمكان.()
قال الله تعالى فيما أمر به من الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا، فكيف يريد ما يكون ضررا وفسادا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه؟.()