{واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأيدي والأبصار} أي: أولي الأعمال، والفكر؛ كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يتفكرون أفكار ذوي الديات في حكم الزّمنى، الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم، والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما.
{ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} أي: إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم .. واقتصر على (ذكر الله) من غير ذكر الرحمة؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رؤوفا رحيما، وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً؛ لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب.
{وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً} المراد سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك {حتى إذا جاؤوها} هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي الشرطية إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.
{وَفُتِحَتْ أبوابها} قيل: أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها.. فلذلك جيء بالواو، وكأنه قال: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.
{الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)} وفائدته مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون: إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمنوا) فأبان بذلك فضل الإيمان.
روعي التناسب في قوله: {ويؤمنون به} {ويستغفرون للذين آمنوا} كأنه قيل: ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة وإن تباعدت الأجناس والأماكن.
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها.