{فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} وإنما أمرت أن تنذر السكوت، لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها، ولئلا تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب وما قُدعَ سفيه بمثل الإعراض، ولا أطلق عنانه بمثل العِراض.
{والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} فيه تعريض باللعنة على أعداء مريم وابنها؛ لأنه إذا قال: وجنس السلام عليّ، فقد عرّض بأن ضده عليكم؛ إذ المقام مقام مناكرة وعناد، فكان مئنة لمثل هذا التعريض.
{يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} قال: (أخاف أن يمسك عذاب) بالتنكير المشعر بالتقليل، كأنه قال: إني أخاف أن يصيبك نَفَيان من عذاب الرحمن، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه، وصدر كل نصيحة بقوله: يا أبتِ؛ توسلاً إليه واستعطافاً، وإشعاراً بوجوب احترام الأب وإن كان كافرا.
{يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً* وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً} ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلاً لهم، والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كأنهم نعم عطش يساقون إلى الماء استخفافاً بهم.
{وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} في اختصاص الرحمن وتكريره مرات: بيان أنه الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره؛ لأن أصول النعم وفروعها منه، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن.