{وَإِن يقاتلوكم يولوكم الأدبار (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ)} ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء، وليس بمعطوف على يولوكم؛ إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل: ثم لا ينصروا، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أو لم يقاتلوا، وتقدير الكلام: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون، و(ثم) للتراخي في المرتبة؛ لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.
{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} هذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى، وقال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
{واتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين} كان أبو حنيفة رضى الله عنه يقول: هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ..} افتتح بذكر الإنفاق؛ لأنه أشق شيء على النفس، وأدلِّه على الإخلاص؛ ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
{ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)} هذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته، وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} فيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك.
{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا} قدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، لما فيه من الخضوع والاستكانة.