{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله ورسوله} لم يقل: بحرب الله ورسوله؛ لأن هذا أبلغ؛ لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله.
{ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} إنما أسند إلى القلب وحده، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما تقول: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان منه؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح.
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} الواو المتوسطة بين الصفات، للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح.
{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} فيه دليل على أن الـمُرادات تطلب بالصلوات، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات، وقال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبد حالة سَنِيّة إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب.
{ولكن كُونُواْ ربانيين بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كنتم تدرسون} بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم .. وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس من شجرة حسناء تؤنقه بمظهرها ولا تنفعه بثمرها.
{فيه آيات بينات مَّقَامُ إبراهيم} عطف بيان لقوله: آيات بينات، وصح بيان الجماعة بالواحد؛ لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة، لظهور شأنه، وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام، من تأثير قدمه في حجر صلد، أو لاشتماله على آيات؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، على أن {ومن دخله كان آمنا} عطف بيان لآيات، وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية من حيث المعنى؛ لأنه يدل على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله، والاثنان في معنى الجمع، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما للدلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} لم يقل: (عنه)، وفيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظيم السخط الذى وقع عبارة عنه.