{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} وإنما قال: اشتروا الضلالة بالهدى، ولم يكونوا على هدى؛ لأنها في قوم آمنوا ثم كفروا أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم كفروا به.. وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً لأنهم لم يتلفظوا بلفظ الشراء.
{ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} والمعنى أخذ الله بنورهم وأمسكه، وما يمسك فلا مرسل له، فكان أبلغ من الإذهاب، ولم يقل: ذهب الله بضوئهم، لقوله: (فلما أضاءت)؛ لأن ذكر النور أبلغ؛ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، والمراد إزالة النور عنهم رأساً، ولو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً.
{يجعلون أصابعهم في آذانهم} إنما ذكر الأصابع ولم يذكر الأنامل، ورؤوس الأصابع هي التي تجعل في الأذان، اتساعاً، كقوله: (فاقطعوا أيديهما) والمراد: إلى الرسغ، ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل.
كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} ذكر مع أضاء (كلما)، ومع أظلم (إذا)؛ لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} قال علقمة: ما في القرآن يا أيها الناس فهو خطاب لأهل مكة وما فيه يا أيها الذين آمنوا فهو خطاب لأهل المدينة.. و (يا) حرف وضع لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ثم استعمل في مناداة من غفل وسها، وإن قرب ودنا، تنزيلاً له منزلة من بعد ونأى، فإذا نودي به القريب المقاطن فذاك للتوكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى به جداً، وقول الداعي: يا رب، وهو أقرب إليه من حبل الوريد: استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها عن مظان الزلفى، هضما لنفسه.
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} فيه دليلان على إثبات النبوة: صحة كون المتحدى به معجزاً، والإخبار بأنهم لن يفعلوا، وهو غيب لا يعلمه إلا الله، ولما كان العجز عن المعارضة قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم، لاتكالهم على فصاحتهم واعتمادهم على بلاغتهم، سيق الكلام معهم على حسب حسبانهم، فجيء بـ(إن) الذي للشك، دون (إذا) الذي للوجوب، وعبَّر عن الإتيان بالفعل؛ لأنه فعل من الأفعال، والفائدة فيه: أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً، إذ لو لم يعدل من لفظ (الإتيان) إلى لفظ (الفعل) لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله..
{ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } إنما جاءت النار منكرة ثمّ [أي في قوله: نارا وقودها الناس والحجارة]، ومعرفة هنا؛ لأن تلك الآية نزلت بمكة، ثم نزلت هذه الآية بالمدينة، مشارا بها إلى ما عرفوه أولاً.
{ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } إنما قرن الناس بالحجارة لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث عبدوها وجعلوها لله أنداداً.
وشرط في اتقاء النار: انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؛ لأنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق الرسول، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد، استوجبوا النار، فقيل لهم: إن استبنتم العجز، فاتركوا العناد، فوضع (فاتقوا النار) موضعه؛ لأن اتقاء النار سبب ترك العناد.
وبشر الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} والمأمور بقوله: (وبشر): الرسول عليه السلام، أو كل أحد، وهذا أحسن؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به.
{وَأُتُواْ بِهِ متشابها} إنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا، ولم تكن أجناساً أخر؛ لأن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسه؛ ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة، وتفاوتاً بيّناً، كان استعجابه به أكثر، واستغرابه أوفر، وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر، وتمادي الحال في ظهور المزية، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان.