﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
هذا الرباط هو الثبات الذي قذفه الله في قلوب هؤلاء الشباب (فتية الكهف)، رباط أسعدهم بإيمانهم وطريقهم المختار. ربط على قلوبهم؛ رغم المكر والمؤامرات، ومحاولات التعرض لهم بكل صنوف الأذى، وتجمع من حولهم ضدهم. ربط على قلوبهم؛ برغم القلة والضعف والوحشة، فذهب ما في نفوسهم من الوجل والتوجس، وبذلوا بكل بأس وشجاعة واعتزاز. ولجمال هذا الرباط جعلهم يُقدّمون مرضاة الله تعالى على كل شيء، ويؤثرونه على كل الملاذ، غير مبالين بزينة فاخرة، أو نفائس فاتنة، ويتولد مع هذا الرضا القناعة بصحة الطريق وحب العمل والتضحية.
﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
"في غزوة الأحزاب" ظن كل من على الجزيرة العربية أنها نهاية الثلة المؤمنة .. الأحزاب من فوقهم، واليهود من أسفل منهم، والمنافقون والمرجفون من خلالهم .. حتى (زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) بعد عشر سنوات فقط؛ انتصرت تلك الثلة المؤمنة على أكبر أمبراطوريتن على وجه الأرض. لا تخاف على دين الحق فهو منصور بإذن الله، ولكن اسأل نفسك عن موقعك منه!
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
تحذير شديد للمؤمنين خلاصته: إذا لم تجتمعوا يداً واحدة على الكفار؛ فسيضعف شأنكم، وتذهب ريحكم، وتُسفك دماؤكم، ويتطاول أعداؤكم عليكم، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم ومقدساتكم .. وتحصل فتنة كبيرة في الأرض، ومفسدة شديدة.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
مهما استقوى الطغاة، فإن الأرض للصالح لا للطالح، وللأتقى لا للأقوى.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
تأمل في الآية الكريمة المنافقون يقولون لإخوانهم اليهود: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ)! .. فساد قلب المرء أو نفاقه جدير بأن يحوله من قلب (عربي) إلى قلب (عبري)!!! .. وهذا واقع مكرر ومشاهد في أحداث اليوم لبعض الأبواق المراوغة ومواقفها المتلونة.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾
أولى مراحل انتصار المسلمين على عدوهم تبدأ بانتصارهم في كسر حاجز الخوف الذي توهموه حقيقة!
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
دعوة الإسلام تسمو بالمسلم إلى آفاق الأخوّة الحقّة التي تشدّه بأخيه المسلم، وترسّخ صدق الولاء والانتماء، وتعمّق مشاعر التضحية والعطاء، وتنمّي معاني الإخاء والدعاء .. فيتألم لمأساة كل مسلم يتوجع في أي بلد يتردد في أرجائها (لا إله إلا الله).
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾
لفت نظري ارتباط مصطلح الجمال في القرآن بمواقف الألم والحزن .. مع الصبر على فراق الأحبة (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، عند الأذية وخيبة الأمل (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، بعد الطلاق (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)، وعند الهجران (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) عظيم كيف يستخرج القرآن الجمالَ من أشد المواقف إيلامًا.
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾
عصا كانت سببًا في ثلاثة: إسلام سحرة فرعون، وتفجير الماء من الصخرة، وشق البحر لموسي، سبحانه!! إذا قضى نصْرَك، نَصَرَك بأهون الأسباب، فتعلق به لا بالأسباب.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي • فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾
لا تجتمع في المرء عبودية الخالق وعبودية عبد الخالق، فإما أن يكون عبداً لله أو عبداً لعبد الله.