﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾:
التفاضل والتكامل: سواء كان مقررا أو موضوعا في الرياضيات فإن هذا المصطلح يفيد أن التكامل يتحقق بالتفاضل فمن يتأمل منظومة الحياة يجد أنها مبنية على هذا الأساس إذ يتحقق تكاملهم بتفاضلهم فيما يحسنونه ويجيدونه فيتبادلون الحاجات وإذا تم الفهم بهذا المنظور ارتقى التعامل الاجتماعي. حكمة التفاضل: (وهو الذي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْض وَرَفَعَ بَعْضَكُم فَوْق بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُم فِي مَا آتَاكُمْ) فخالف سبحانه وتعالى بين أحوال العباد فجعل بعضهم فوق بعض بأن رفع هذا على هذا، ببسط الرزق والعطاء المتنوع الذي يتفاضل الناس به ويتباينون ليتكاملوا؛ التكامل لا ينفي التفاضل. بل التكامل في التفاضل والمفاهيم قد تختلف فلماذا يدرس الطالب في تخصصه مقررات من علوم مجاورة لها؟ .. لأنها تبني التكامل المعرفي لديه وبقدر إجادته لها سيتفاضل بها عن غيره. وفي إدراكنا لذلك يتحقق التكامل الادراكي. والتكامل في التعاون والتآخي وعدم التعالي.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾:
أفرد الله تعالى الإحسان في جملة مستقلة معطوفة على جملة الأمر بالتقوى (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) لإظهار أهمية الإحسان كما هي أهمية التقوى فإن بهما تتحقق معية الله تعالى للعبد فبالإحسان إلى الغير يصبح المؤمن من فئة المحسنين. وبالتقوى يصبح العبد من المتقين.
﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
هل كل ما نحبه خير لنا؟ .. هل كل ما لا نحبه شر لنا؟ .. قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فإدراكنا لهذه الحقيقة يعطينا قدرا كبيرا من الاستقرار النفسي ويحقق لنا قدرة على التعايش مع الحياة ويبني فينا روح التوكل على الله.
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ • وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾:
الشفاء إزالة ما أصاب القلوب من الحرقة والألم والتوجع من صنيع المشركين بالمسلمين، فلا يبق له أثر. وليحل مكانه الانشراح. (ويذهب غيظ قلوبهم) وذهاب غيظ القلوب، هو زوال ما يستدعي الانتقام. فتصبح القلوب صافية ومن بلاغة الكلام وقوة بيانه أن لكل كلمة مقصدها الدقيق. فالغيظ متعلق بالقلب وحرقته، والذي يستدعي الاقتصاص والانتقام، فلا يجدون في قلوبهم دواعي الانتقام التي سببها غيظ القلب. وأما الصدور فهي أعم من القلب، لتشمل ما كان عاما كضيق الصدر. وكذلك ما حصل من الأسى والحزن فلا يجدون في صدورهم تلك المؤذيات والمكدرات القلبية. مما يبين أهمية الالتجاء إلى الله تعالى. وسؤاله. فهو الذي يزيل ما في القلوب. ويشف الصدور من أمراضها ومكدراتها.
﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾:
اعلموا أن ربكم يعلم ما يختلج في صدوركم، ونواياكم وما تضمرون وتسرون وتتخفون به عن غيركم (رَّبُّكُم أعلم بما فِي نُفُوسِكُمْ) إن استحضار هذا التوجيه الكريم في حياة المسلم يربي فيه الاستقامة ومناجاة ربه تبارك وتعالى وحصر الشكوى إليه لفظا وصمتا وصبرا ويعزز لديه التوكل على الله تعالى.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾:
الإنسان والأرض (إِنَّا جَعَلْنَا ما على الْأَرْضِ زِينَةً لها) نسب الله تعالى الزينة للأرض ولم ينسبها للإنسان وعلاقة الإنسان بتلك الموجودات هي علاقة اختبار وامتحان (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحسَنُ عملا) ماذا يصنع بهذه الموجودات. هل وفق منهج الله تعالى؟ أو لا .. ليفيد العلم والتحذير.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
من آيات الله تعالى العظيمة أنك ترى الأرض الجرداء القاحلة. لا نبت ولا شيء فيها ثم يخرج الزرع فيها. من غير بذور نُثرت فيها ولو رويتها ماء مجلوبا لها لما أخرجت بمثل ما أخرجت من ماء المطر لأن فيه حياة لها (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) فالذي أحياها بعد موتها. كذلك يحي الموتى (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا (مَا آتَاهَا)﴾:
عندما تتأمل اختيار الكلمات ومواقعها في القرآن الكريم تشعر بقوة إعجازه فسبحان الله العظيم وتدرك أن المخلوقين لو اجتمعوا على أن يأتوا بسورة من مثله لعجزوا تمام العجز فكيف إذا تأملنا الإعجاز في الأحكام (لينفق ذو سعة من سعته) جاء الحكم متسقا مع قدرات الناس المتباينة تجد اتساق الأحكام مع تفاوت قدرات المكلفين، بل مع تفاوت قدرات الشخص الواحد في حياته، فاليوم سعته بمقدار، وبالأمس كانت بمقدار، وغداً قد تكون بمقدار غير مقدار اليوم. (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) • (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فالوسع يتباين، ووسع المخلوق يتغير، صعودا وهبوطا.
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾:
قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها) تختصر الحياة بعد الرحيل عنها كأنهم لم يعيشوا فيها ولم يغنوا فيها ولم يغتنوا بها عن الآخرة (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها) وذلك لِمَا كان منهم من الكفر والإصرار على الشرك جملة تثير الذهن لمنهج التعامل في الحياة.