﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ • ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾:
مع كثرة من عاشرت وجالست لم أجد أعذب ولا ألذ ولا أطيب من وقع الكلمة الطيبة على القلب، ولو تأمل فيها من أعرض عنها لرأى عجبا، ومهما كان لسانك وطبعك وصراحتك، فعودك لسانك على أطيب الكلام وأعذبه، فقيمتك بخلقك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
الصدق مع الله من العبادات العظيمة التي من وفق لها فقد وُفق لخير عظيم، هذه عائشة رضي الله عنها لا يهنأ لها بال ولا تقر عينها بنوم، وتتهم في عرضها وهي زوجة أحب خلق الله (ﷺ) ومع ذلك لم يخطر على بالها أن يذكر في شأنها قرآن يتلى إلى يوم الدين، بل كل ما ترجوه أن يبرئها الله، فانظر كيف غمرها الله بلطفه وجبر قلبها وعوض كسرها حتى قالت: "والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها".
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾:
(خَتَمَ) - الآية، تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم، فهو مجاز وقيل: حقيقة، وأن القلب كالكف ينقبض مع زيادة الضلال أصبعاً أصبعاً حتى يختم عليه.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
الابتلاء من الدروس العظيمة التي يظهر فيها المؤمن الصادق الواثق بوعد ربه. هذا رسول الله (ﷺ) وهو في بطن المحنة وعلى شفير الغار فيقول لأبي بكر: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما). هنا تكمن العبودية والإخلاص وتفويض الأمر لله وحده.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾:
"إذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سبباً لعلو الدرجة، وعظيم الأجر" الاستقامة (٢/٢٦٠).
كلما سكنت النفس واشرأبت الصبر وعلمت أن هذا من عند الله أتى الغيث الإلهي سريعا.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ... وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾:
من آتاه الله نعمة حفظ القرآن عن ظهر قلب دونك هذا التنبيه الذي يرجى منه أن يوقظ قلبك وأن تراجع حساباتك مع هذا الكتاب الكريم، فإذا عرفت أن هذا الكتاب عزيز، فمن لازم ذلك كما قال السدي: "ينبغي أن يُعز".
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ... وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾:
من أعظم عقوبات الله: أن يؤتيك القرآن ثم ينزعه منك .. لم تحفظ هذه النعمة العظيمة .. فلم يحفظها الله لك.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾:
"علق سبحانه الهداية بالجهاد؛ فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا؛ فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاة الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد".
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
ماذا قيل عن الحكمة؟ .. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله. وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. ومما يبين ذلك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها. وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه، عالما بأمر دينه، بصيرا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾:
إذا كان هذا الخطاب وجه لمن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده فهل بلغت الرسالة التي كلفت بأن تبلغها على وجهها الصحيح؟ (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به).