﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾:
"فَتِّش عن تلك المعصية التي صرفتك عن طاعة كنت تألفها، أو هوّنت عليك معصية كنت تسْتصعبها، أو حسّنت لك فاحشة كنت تستقبحها؛ فوالله ما كَرِه اللهُ انبعاثَ عبدٍ إلا لخسيسةٍ يعملها، أو لسوءِ نيّةٍ يُضْمِرها".
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾:
استدل ببيت من الشعر بديع عند تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)؛ "لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر: وأبرح ما يكون الشوق يوماً - إذا دنت الديار من الديار".
﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:
وإنما قدمت الوصية على الدين، والديَّن مقدم عليها في الشريعة: اهتماماً بها، وتأكيداً للأمر بها، ولئلا يُتهاون بها وأخَّر الدين؛ لأن صاحبه يتقاضاه، فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه.
﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾:
فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة، وأخبر أنه أنساهم أنفسهم، فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، فأنساهم طلب ذلك ومحبته ومعرفته والحرص عليه عقوبة لنسيانهم له.
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾:
العجب ممن تعرض له حاجة، فيصرِف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه داء الشهوات والشبهات! ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته!
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾:
أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل. فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتّباع لهدى والاستعداد للقاء والله المستعان.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾:
"إن التعبير هنا بالدابة من معجزات البلاغة القرآنية؛ فإن الناس إذا زاغوا عن طريق العدل، وخرجوا على منطق العقل، لا يصدُق عليهم غير هذا اللفظ".
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾:
لا تضمر في هذا القلب شيئا يكرهه الله فإن فعلت فالله عليم به لا يخفى عليه فطهر قلبك حتى يكون نقياً سليماً لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم كما قال الله عز وجل (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:
".. فقد أوجب الله على نفسه الرحمة إيجاب تَفَضُّل، فمن ارتكب منكم معصية في حال جهلٍ وسفهٍ، ثم تاب من بعد ارتكابه لها، وأصلح عمله، فإن الله يغفر له ما ارتكبه، فالله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم". اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا.