﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾:
إن فرطت فيما مضى فخذ عهدا على نفسك من هذه الليلة وكأنه آخر رمضان لك، لا يرى الله في ما بقي من هذا الشهر إلا ما يحب، وإن فرطت فاستدرك على نفسك ما فات، ثم تذكر أن بلوغ رمضان وصيامه وقيامه فرصة ثمينة لجبر أعوام مضين من عمرك. فأين الذين صاموا معنا عامنا الماضي؟ يتمنون والله ما نحن فيه ليعملوا، فبادر فما هي إلا: (أياما معدودات)، فاجتهد وشد مئزرك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لتوفق لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وأكثر من ذكر الله والتبرء من حولك قوتك إلى حوله وقوته لتظفر وتغنم. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾:
من الآيات المخيفة والتي تستحق أن نتأملها بعين اليقين وبخوف شديد، فالله جل في علاه يقلب القلوب ويصرفها حيث يشاء؛ فإذا حال بين المرء وبين وقلبه فما النتيجة؟ سيبقى في ضياع وحيرة وتشتت؛ واستشعار ذلك يسوق العبد إلى سؤال الله الثبات على الدين الحق، فمن الأدعية المأثورة: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك". فاللهم الثبات حتى نلقاك.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾:
كيف يكون الناس بعضهم فتنة لبعض؟ .. قال السعدي عند تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار. والقصد من تلك الفتنة (أَتَصْبِرُونَ) فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾:
فيها سلوان للعقلاء، وتنبيه للمستيئسين. ومن جيد الشعر: إذا ما الدهر جرّ على أناسٍ كلا كله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾:
جازاكم غمّا مع غمّ؛ غمّ الهزيمة، وغمّ الخبر بمقتل النبي (ﷺ)، وقيل غمّ يوم أحد بيوم بدر. (لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا) ظاهره لا يناسب ما سبق؛ وليس كذلك؛ لأن خبر مقتله عليه السلام ظهر لهم كذبه، فذهب عنهم الغمّ الأكبر، واجتثّ معه كل غمّ أصابهم، فإن من وردت عليه مصيبتان وانكشفت كبراهما: ذهب ما دونها بذهابها، والعلماء النفسيون يجعلون مثل هذا نوعًا من المعالجة.
﴿تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾:
جعلت الأعين كأنها كلها دمع فائض؛ وهو أبلغ من: يفيض دمعها. وفي الآية دليل على أنه يجوز إظهار الحزن على فوات الطاعة، والمال الذي يتقرب به إلى الله، والبكاء على ذلك، وإن كان الفوات عن عذر.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾:
فيه دليل علـى نـعـيـم القــبر، وفي هذه الآيــة وسياقها ما يحرك هم الداعي إلى الله، ويعلمه العزم والمضاء، واطراحَ الدنيا، وحُسْنَ الخطاب، والإشفاق، والحدب على الناس، وحُبَّ الخير لهم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾:
إذا تقطعت أوصالكم وبليـت أجسادكم؛ وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه الإخبار عن مصيرهم بالتمزيق. وقد تأملت في هذا فوجدتُ فيه عجباً؛ وهو : أن كل لفظ فريد جاء في القرآن الكريم مخالفا لما جاء في نظائره فإنه يكون في الغالب لتناغم ولفظ غريب مثله جاء في السورة نفسها، ومن ذلك هذا الموضع ونظيره في السورة: (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ).
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾:
أي: جهة الأذقان . وكرر الخرور؛ لأن الأول للسجود، والثاني للبكاء .. ولم أجد في القرآن آيةً تُثني على من يتلو ويبكي، وإنما جاء الثناء على الباكين حين تتلى عليهم آيات الرحمن؛ كهذه الآية، وقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ}، وكقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} وسبب ذلك -والله أعلم- أن السامع أبعد عن الرياء وأبعد عن مدافعته المراءاة، وسماعه أجمع لقلبه وحواسه؛ لأنه لا ينشغل بحفظ، ولا خوف من نسيان، ولا ضبط للحروف، وهو - فوق ذلك - أدعى للإخلاص؛ لأنه يبكي بينه وبين الله.
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾:
لأنهن يغلبن الرجال. وقال بعض العلماء: خوفي من النساء أكثر من خوفي من الشيطان؛ لأن الله قال عن كيـد الشيطان:(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا). وقد كان يوسف عليـه السلام شابا، عزباً، في بلاد غربة، مملوكاً لامــرأة ذات منصب وجمال، في دارها، بعيداً عن الرقباء، آمنا من الفضيحة، وهي غير آبية؛ بل هي التي رغبت وطلبت، وتوعدت، وأعملت الحيلة واستعانت بغيرها، ولها زوج ضعيف الغيرة والحزم؛ ومع هذا كله: استعصم يوسف بربه، وقال: معاذ الله!! فمن يقدر على هذا؟!!