﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾:
متى تتحقق العبودية التامة والخشية الصادقة لله؟ تتحقق بطلب العلم الشرعي لقوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال ابن حزم في الأخلاق والسير عن فضل طلب العلم: لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجُهّال يهابونك ويُجلونك، وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سببًا إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة؟!
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾:
كيف تكون النصيحة لكتاب الله عزّ وجل؟، وأما النصيحة لكتاب الله، فشدة حبه وتعظيم قدره، إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه، يعنى بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه. (ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط، ٢٢١/١).
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾:
عن الخشية من الله أحدثكم! العفة خلق إيماني رفيع للمؤمن، وثمرة من ثمار إيمانه بالله تعالى، ومن نماذجها التي ينبغي أن يتحلى بها كل من حدثته نفسه بالمعصية ما قيل: لعتبة بعد موت عاشقها ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك قالت: منعني من ذلك خوف العار وشماتة الجار ومخافة الجبار وإن بقلبي أضعاف ما بقلبه غير أني أجد ستره أبقى للمودة وأحمد للعاقبة وأطوع للرب وأخف للذنب. فكم من نفس تنازعها شهوتها وتتقطع كمدا لتحصل عليها؛ لكنها تستحضر قوله تعالى: (ألم يعلم بأن الله يرى). اللهم خشيتك في الغيب والشهادة.
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾:
يضع السعدي منهجا علميا لطلاب العلم بأن يعتنوا بالحقائق وترك ما لا فائده فيه قائلا: وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها اللّه، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾:
أسند الإرادة هنا إلى الله لأنها في أمر مغيب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلا الله، وأسند الخضر إلى نفسه في قوله فأردت أن أعيبها لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لا يسندها إلى الله وذلك كقول إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأسند المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تأدباً.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
من علامات السعادة والفلاح: أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قُربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم. الفوائد (ص: ٢٢٧).
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
"أصل التدبر: النظر في أدبار الألفاظ وما تعقبه من معان. والبركة: الخير الكثير؛ ولم يزل هذا الكتاب مباركاً على أهله وحملته. وكان بعض العلماء يقول: منذ أن اعتصمنا بهذا الكتاب والبركة تحوطنا. ولقد صدق فيما قال؛ فإن العالم، وحامل القرآن لا يضيعان بين نكبات الفقر المهلكة. والواقع شاهد صدق، فلم يُعلم في غابر الأزمان التي توالت فيها المجاعات المميتة موت عالم أبداً. ولله در القائل: ما مات والله جوعاً عالمٌ أبداً • سَل التواريخ عنه في الدواوينِ".
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾:
لمن كان حزنه أكبر من فرح العيد، وألمه أوجع من بهجته أذكرك بقوله (ﷺ): "حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه". أوصيك بعبادة الصبر وهي من العبادات العظيمة التي تؤديها وأنت تنزف وجعا!!. فاصبر على ما أصابك دون تسخط وشكوى واحتسب البلاء عند الله فهو لا تخفى عليه دموعك ولا همك ولا غمك؛ لكنه يريد أن يختبرك ويجازيك؛ (إني جزيتهم اليوم بما صبروا) اللهم اجعل كل من لم يذق طعم العيد بسبب فقد أو مرض أو هم أن يكون ممن قلت فيهم: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾:
فسرها الإمام ابن جرير الطبري تفسيراً بديعا حيث قال: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نَصَبه ولم يتكدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾:
الحب الحقيقي أن تقول لمن زلت به القدم: (إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ) تفقدوا إيمان أصحابكم، من رأيتوه صالحا مستمسكا فأعينوه وادعوا له بالثبات، ومن رأيتوه قد ضل الطريق فخذوا بيده وعظوه ولا تتركوه لنفسه والشيطان.