﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾:
تفسير قوله تعالى: (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ) هذا من كلام الله تعالى تقريراً للخلق يوم القيامة؛ فيجيبونه ويقولون: (لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ) وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه؛ لأنه الخلق يسكتون هيبة له، وقيل: إن القائل (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ) ملك.
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾:
هذه من الآيات العظيمة التي تستوقفني كثيرا، وكيف كان وقعها على قلب سيدنا موسى عليه السلام، قال السعدي: أخبره أنه ربه، وأمره أن يستعد ويتهيأ لمناجاته، ويهتم لذلك، ويلقي نعليه، لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم، ولو لم يكن من تقديسه، إلا أن الله اختاره لمناجاته كليمه موسى لكفى.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾:
قال ابن كثير: فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها. تفسير القرآن العظيم [٤/١٦٠]. قال ابن عاشور: وإنما خص زمان بلوغه الأشد لأنه زمن يكثر فيه الكلف بالسعي للرزق؛ إذ يكون له فيه زوجة وأبناء، وتكثر تكاليف المرأة؛ فيكون لها فيه زوج وبيت وأبناء، فيكونان مظنة أن تشغلهما التكاليف عن تعهد والديهما والإحسان إليهما، فنبها بأن لا يفتُرا عن الإحسان إلى الوالدين. التحرير والتنوير [٢٦/٣٢].
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان؟ فالجواب: أن السؤال المثبت هو على: وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو: على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾:
واعلم أن محبة الله إذ تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجدّ في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل من يحبه الله وإيثاره على كل من سواه، قال الحارث المحاسبي: المحبة تسليمك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سراً وجهراً.
﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾:
في العلاقات لا تقدم على أخوتك أحدا؛ لأن أوثق العلاقات وأصدقها وأخلصها علاقة الأخوة والأخوات، وهم قطعة من والديك وامتداد لحبهم.
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾:
"ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جُهل أمره وإذا كان في ذلك فائدة".
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾:
قال ابن عاشور: "استعارة لاختلال الحال اختلالا شديدا بحيث تخيل مضطربة اضطرابا شديدا كاضطراب الأرض وهو أشد اضطرابا للحاقه أعظم جسم في هذا العالم".
وأقول: عند المصائب وشدة الكرب يُختبر اليقين وقوة التحمل والصبر.
﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾:
(مَزِيدٌ) أي: ثواب يمدهم به الرحمن الرحيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم ذلك، وأجله، وأفضله، النظر إلى وجه الله الكريم، والتمتع بسماع كلامه، والتنعم بقربه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم.