" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم "
" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله "
جاء الغض للبصر وللصوت وهو القصر ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى :
فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور ، واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور ، هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه ، وهذا ترجمانه .
ما في القلب من الإيمان والتقوى له أثر حتى على حبال الصوت قال تعالى : " إن الذين يغضون ( أصواتهم ) عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ( قلوبهم ) للتقوى "
" ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم "
عبادات سنين بصيامها وقيامها وصدقاتها تتلاشى لرفع صوت .. فكيف بترفّع قلب ؟
ومن عرف الله أدرك أن كلمة واحدة خرجت مخرج الكبر قد تفسد جميع الحسنات ، قل صل الله عليه وسلم في مسند أحمد : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا ، يهوي بها سبعين خريفا في النار "
وأيضاً من أحب الله وصدق في ذلك قد تخرج منه كلمة صدق يكتب به الفلاح السرمدي كما هو في حديث البطاقة عند الترمذي وغيره ..
فلنتفطن لذلك ..
" ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض "
بعد هذه الآية لا أشك في حنينك الجارف إذا طافت بمسمعك همسات الصحابة المؤدبة : يا رسول الله ! بصوتهم المنخفض ، وحبهم الصادق له ..
مجتمع تربيته الوحي .. ما أحلاه .
" ينادونك من وراء الحجرات "
هذه حجرات النبي .. وليست قصوراً .. وليست بنايات .. وظاهر اللفظ مع نقل السنة يدل على صغرها .. فأين المتهالكون في توسعة البيوت في غير حاجة .. وأين من يفني ماله بين الفينة والفينة في تجديد الأثاث ؟!!
* فائدة :
الحجرات بخلاف الغرف :
الحجرة : مكان محجور في سفل وليس في علو ، والغرفة ما كانت في عُليّة البناء ، ولذلك فمنازل الجنة غرف " لهم غرف من فوقها غرف مبنية "
جعلك الله وإياي ومن له حق علينا من أهلها من دون حساب ولا سابقة عذاب ..
درس في الإنصاف في آية واحدة " إنَّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون "
تأمل كلهم " نادى " ، لكن ليس كلهم " لا يعقلون "
والله لا يوجد أجمل من كلام الله فيه حلاوة ولذة وتربية وتوجيه تعجز الكلمات عن وصفه لمن تدبره ..
أعاننا الله وإياكم على تلاوته وحفظه وفهمه والعمل بمقتضاه على الوجه الذي يرضيه عنا ..