(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُواْ الْأَلْبَابِ ) ضع هاتين الجملتين: (فَاتَّبِعُوهُ) و(لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ) بين قوسين؛ لعل قارئها يستشعر أن هاتين الآيتين هما جواز الداخل إلى أقطار القرآن، ويعرف حق القرآن عليه! ووظيفته التي يجب أن يقوم بها نحوه، وهي: التدبر لمعانيه واتباعه.
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الجوارح كالسواقي توصل إلى القلب الصافي والكدِر، فمن كفها عن الشر، جلت معدة القلب بما فيها من الأخلاط، فأذابتها وكفى بذلك حمية، فإذا جاء الدواء، صادف محلا قابلا، ومن أطلقها في الذنوب، أوصلت إلى القلب وسخ الخطايا وظلم المعاصي.
(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) ولم يقل: يقولوا الحسن ففيها إرشاد إلى انتقاء أحسن الكلمات في التخاطب بينهم؛ فإن الشيطان ربما نزغ في الكلمة الحسنة إذا كان يمكن التخاطب بأحسن منها.
هل أنت كما أنت؟! أما هو - صلى الله عليه وسلم - فقد جر رداءه فزعًا حين رأى آية الشمس؛ إنه القلب المدرك لحقيقة هذه الآيات(وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)، فهل تضطرب قلوبكم يا أهل القرآن عند حدوث هذه الآيات، ورؤية آية الشمس؟
(وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) فواحسرتاه عليك أيها الطين الخامل في نتونة العلق! كيف تبالغ في قتل حياتك وخنق أنفاسك عن شهود طلائع الفجر؟! كيف تنفي نفسك عن رياض الحياة الريَّانة؟! فعلى أي جنب تنام بعد ذلك أيها الإنسان؟!
نتيجة القراءة: قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآن، فقام عنه سالـمًا، بل إمَّا أن يربح وإمَّا أن يخسر، ثم تلا قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا).
قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) روي أنه - عليه السلام - سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال، وفى هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم( ويعني - رحمه الله - بالعلم: العلم الشرعي.).
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) هل تدبرنا لمن وجه هذا الخطاب؟ وكيف أن الذين طولب بصحبتهم أقل منه منزلة! بل وحذره من تركهم طلبًا لزينة الحياة الدنيا! إنه لدرس بليغ في بيان ضرورة مصاحبة الصالحين، والصبر على ذلك، وأن الدعوة إنما تقوم على يد من قويت صلتهم بربهم، ولو كان حظهم من الدنيا قليلًا!