لم يُكتَف في إكرام أهل الجنة وثوابهم بالإكرام بالفعل، والثواب المحسوس، بل إنهم يكرمون بالقول؛ ولذلك لما قال سبحانه: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (الإنسان:٢١)، قال لهم على سبيل الحفاوة والإكرام: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا)، وهذا له نظائر في القرآن كقوله تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:٤٣).
تأمل التلازم الوثيق بين الأمن والرزق، وبين الخوف والجوع تجده مطردًا في القرآن كله، مما يؤكد أهمية ووجوب المحافظة على الأمن؛ لما يترتب على ذلك من آثار كبرى في حياة الناس وعباداتهم واستقرارهم البدني والنفسي، وأي طعم للحياة والعبادة إذا حل الخوف؟ بل تتعثر مشاريع الدين والدنيا، وتدبر سورة قريش تجد ذلك جليًا.
إنما بيَّن الله ذلك في كتابه من أجل ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى مشيئته، بل يعلم أنها مرتبطة بمشيئة الله؛ حتى يلجأ إلى الله في سؤال الهداية لما يحب ويرضى، فلا يقول الإنسان: أنا حر، أريد ما شئت، وأتصرف كما شئت. نقول: الأمر كذلك، لكنك مربوط بإرادة الله عزوجل.
لقد كان نبي الله إبراهيم n يحمل هم هداية الأجيال القادمة، ولم يقصر نظره على جيله، أو على بيته، أو على أهله؛ فقال: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ))، فيا له من هم ما أكمله، ويا لها من نفس ما أزكاها!
فلا أحسنَ من هذا التكرار في هذا الموضع، ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرَّر عشرَ مرات، ولم يُذكَر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيبَ ما يوجب التصديق به، فتأمَّل!
تجارة رابحة، وسباق إلى الجنة تفتح أبوابه ليلة القدر، ونداء القرآن يعلو: (فاستبقوا الخيرات) ومن الحرمان البين أن تكون أوقات التجارة مع الله، ومواسم الآخرة كغيرها من الأوقات عند أكثر الناس!
إن القرآن أحسن حديث؛ في بيانه، وحججه، ومواعظه، ووعده، ووعيده، وشرائعه، وأخباره، فمن لم يهتد بالقرآن، لم ينفعه أيُّ حديث بعده، فلا هدى بعد هدى القرآن، ولا بيان بعد بيانه!