قوله تعالى (وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أجَلٍ مُسَمَّىً. .) .
" ثُمَّ " للترتيب " الإِخباري لا الوجودي " إذِ التوبةُ سابقة على الاستغفار.
أو المعنى: استغفروا ربكم من الشِّرك، " ثُمَّ تُوبُوا " أي ارجعوا إليه بالطاعة.
إن قلتَ: نجدُ من لم يستغفرِ اللَّهَ ولم يَتُبْ، يمتِّعُه اللَّهُ متاعاً حسناً إلى أجلِهِ، أي يرزُقُه ويوسِّعُ عليهِ كما قال ابنُ عباس، أو يُعمِّره كما قال ابن قتيبة، فما فائدةُ التقييدِ بالاستغفار والتوبة؟!
قلتُ: قال غيرهما: المتاعُ الحسنُ - المقيَّدُ بالاستغفارِ والتوبةِ - هو الحياةُ في الطَّاعةِ والقناعة، ولا
يكونانِ إلّاَ للمستغفِر التَّائب.
قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. .) الآية.
لم يقل " على الأرض " مع أنه أنسبُ بتفسير الدابة لغةً، لأنها ما يدبُّ على الأرض، لأنَّ " في " أعمُّ مِنْ " عَلَى " لأنها تتناول من الدوابِّ ما على ظهرِ الأرض، وما في بطنها.
وقيل: " في " بمعنى " على " كما في قوله تعالى (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوع النَّخْلِ) وقولِهِ (أمْ لهمْ سُلَّمٌ يَسْتمعُونَ فِيهِ) وظاهرٌ أنَّ تفسير الدابة بما يَدبُّ على الأرض، يتناول الطير، فلا يَرِدُ أنَّ الآية، لا تتناول الطير في ضمان رزقه.
فإن قلتَ: " عَلَى " للوجوب، واللَّهُ تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ؟
قلتُ: المرادُ بالوجوب هنا " وجوبُ اختيار لا وجوبُ إلزامِ " كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجبٌ علَى كلِّ محتَلم " وكقولِ الِإنسان لصاحبه: حقُّك واجبٌ عليَّ.
أو " عَلى " بمعنى " مِنْ " كما في قوله تعالى:
" الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ "
قوله تعالى: (فَلَعَلكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ. .) الآية.
إنما قال " ضَائِقٌ " ولم يقل: ضيِّقٌ، لموافقة قوله قبلَه: " تاركٌ "، وليدلَّ على أنه ضِيقٌ عارضٌ لا ثابت، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان أوسعَ النَّاسِ صدراً.
ونظيرُه قولُك: زيد سائدٌ وجائد، تريد حَدَثَ فيه السيادةُ والجودُ، فإنْ أردتَ وصفه بثبوتهما، قلتَ: زيد سيِّدٌ وجواد.
قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ. .) .
أي مثله في الفصاحة والبلاغة، وإلَّا فما يأتون به مُفْترى، والقرآنُ ليس بمفترى.
أو معناه: مفترياتٍ كما أنَّ القرآنَ - في زعمكم - مُفْتَرى!!
فإِن قلتَ: كيف أفردَ في قوله " قُلْ " ثمَّ جَمَعَ في
قوله " فإن لم يستجيبوا لكم "؟
قلتُ: الخطابُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما، لكنَّه جَمَعَ في " لكم " تعظيماً، وتفخيماً له، ويعضُده قولُه في سورة القصص: (فإنْ لمْ يَسْتَجيبُوا لكَ) .
أو الخطابُ في الثاني للمشركين، وفي " يَسْتَجِيبُوا "
لِـ " مَنِ اسْتَطَعْتُمْ " والمعنى: فأتُوا أيها المشركون بعشر سورٍ مثلِهِ، إلى آخره، فإن لم يستجبْ لكم من تدعونه، إلى المظَاهرةِ على معارضتِهِ لعجزهم " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " وبالنظر إلى هذا الجواب، جُمِعَ الضميرُ في " لم يستجيبوا لكم " هنا، وأفردَ في القَصَص.
فإن قلتَ: قال في سورة يونس " فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "
وقد عجزوا عنه، فكيفَ قال هنا: " فَأتُوا بعشر سُوَرٍ مِثْلِهِ "؟!
قلت: قيل: نزلتْ سورةُ هودٍ أولَاَ، لكنْ أنكره المبرّد وقال: بل سورةُ يونس أولاً، قال: ومعنى قوله في سورة يونس " فأتوا بسورةٍ مثلِهِ " أي في الِإخبار عن الغيب، والأحكامِ، والوعدِ والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في
سورة هود: إنْ عجزتم عن ذلك، فأتوا بعشر سور مثلهِ في البلاغة، لا في غيره مما ذُكرَ، وما قاله هو المتَّجِه. هذا وتحريرُ الأول، مع زيادة أن يُقال: إنَّ الِإعجاز وقع أولاً بالتحدِّي بكل القرآن في آية " قُل لَئِن اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ " فلمَّا عجزوا تحدَّاهم - بعشر سورٍ، فلما عجزوا تحدَّاهم بسورة، فلما عجزوا تحدّاهم (1! - بدونها بقوله: " فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مثلِهِ ".
قوله تعالى: (لَا جَرَمَ أنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ) . قال ذلكَ هنا، وقال في النَّحل: " هُمُ الخاسرون " لأنَّ ما هنا نزل في قومٍ صدُّوا عن سبيل الله، وصدُّوا غيرهم، فضلُّوا وأضلُّوا..
وما هناكَ نزل في قومِ صدُّوا عن سبيل الله، فناسب في الأول " الأخسرون " وفَي الثاني " الخاسرون ".
قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ. .) .
قال هنا بتقديم " رحمةً " على الجارّ والمجرور،وعكس بعدُ في قوله " وآتاني منه رحمةً " وفي قوله " ورزقني منه رزقاً حسناً " ليوافق كلٌّ منهما ما قبله، إذِ الأفعال المتقدمة هنا وهي: " ترى، ونرى، ونظنُّ " لم يفصل بينها وبين مفاعيلها جار ومجرور، والفعلُ المتقدِّم بعدُ، وهو " كان " في الثاني و " نَفْعَلَ " في الثالث، فَصَل بينه وبين مفعوله جار ومجرور، إذ خبرُ " كان " كالمفعول.
فإن قلتَ: لمَ قال في الأوَّلَيْن " وآتاني " وفي الثالث
" ورزقني "؟!
قلتُ: لأنَّ الثالث تقدَّمه ذكرُ الأموال، وتأخَّر عنه قولُه " رزقاً حسناً " وهما خاصَّان، فناسبهما قولُه " ورزقني " بخلاف الأوَّليْن فإنه تقدَّمهما أمور عامة، فناسبها قوله، " وآتاني "
قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أجْرِيَ إِلّاَ عَلَى اللَّهِ. .) .
إن قلتَ: لمَ قال هنا حكايةً عن نوحٍ بلفظ " مالاً "
وقاله بعدُ حكايةً عن هودٍ بلفظِ " أجراً "؟!
قلتُ: توسعةً في التعبير عن المراد بمتساوييْن، ولأن قصَّةَ نوحٍ وقع بعدها " خزائنُ " والمالُ بها أنسَبُ.
فإن قلتَ: لم قال في الأولى " ويا قوم " بالواو،
وفي الثانية " يا قوم " بدونها؟
قلتُ: لطول الكلام، الواقع بين الندائين في قصة نوح، وقصر ما بينهما في قصة هود، فناسب ذكرُ الواو في الأول لتوصيل ما بعدها بما قَبْلَها.
قوله تعالى: (قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ. .) الآية. الاستثناءُ فيه منقطعٌ، لأن من رحمه اللَّهُ معصومٌ لا عاصم.
أو متَّصلٌ لأن معنى من رحمَ الراحمُ - وهو اللَّهُ - فكأنه قيل: لا عاصم إلا اللَّه.
أو لأنَّ عاصماً بمعنى معصوم، كـ " مَاءٍ دَافِقٍ "،
و (عيشةٍ راضية)