قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ..) الآية. وحَّد الباب هنا، وجمعه قبلُ في قوله " وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ " لأن إغلاقَ الباب للاحتياط لا يتمُّ إلَّا بإغلاق الجميِع، وأمَّا هروبه منها فلا يكون إلَّا إلى باب واحد، حتى لو تعدَّدت أمامه لم يقصد منها أوَّلًا إلّا لأول، فلهذا وحَّد البابَ هنا وجَمَعه ثَمَّ.
قوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) .
إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن الأنبياء عليهم السَّلام أعظمُ النَّاسِ زُهْداً في الدُّنيا، ورغبةً في الآخرة؟!
قلتُ: إنما طلبَ ذلكَ ليتوصَّل به، إلى إمضاءِ أحكام الله تعالى، وإقامة الحقِّ، وبسط العدل ونحوِه، ولعلْمِه أنَّ أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
قوله تعالى: (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِيكُمْ. .) .
قاله هنا بالواو، وقاله بعدُ بالفاء، لأنه ذكر هنا أول مجيئهم إلى يوسف، فناسبته الواو، الدَّالةُ على الاستئناف.
وذُكر بعدُ عند انصرافهم عنه، عطفاً على " لمَّا دخلوا " فناسبته الفاء الدَّالةُ على الترتيب والتعقيب.
قوله تعالى: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)) .
إن قلتَ: كيف جاز ليوسف أن يأمر المؤذن بأن يقول ذلك، مع أنَّ فيه بهتاناً، واتِّهامَ من لم يسرقْ بأنه سَرَق؟!
قلتُ: إنما قاله " توريةً " عما جرى منهم مجرى السرقة، من فعلهم بيوسف ما فعلوا أولًا.
أو كان ذلك القولُ من المؤذِّن، بغير أمر يوسف عليه السلام.
أو أنَّ حكم ذلك حكم " الحِيَل الشَّرعيةِ " التي يُتوصل بها إلى مصالح دينيَّة، كقوله تعالى لأيوب: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ) ، وقول إبراهيم في حقِّ زوجته: " هي أختي " لِتَسْلَم من يد الكافر.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) . " مِنْ رَوْحِ اللَّهِ " أي من رحمته " إِلَّا القَومُ الكَافِرُونَ ".
إن قلتَ: منَ المؤمنينَ منْ ييأسُ من روْحِ اللَّهِ، لشدَّةِ مصيبته، أو كثرةِ ذنوبه، كما في قصة الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه. (1) الحديث ثم إنَّ اللَّهَ تعالى غفرَ له؟!
قلتُ: إنما ييأس من رَوْحِ اللَّه الكافرُ، لا المؤمنُ عملاً بظاهر الآية، فكلُّ من أيِسَ من روْح اللهِ فهو كافرٌ، حتَّى يعود إلى الِإيمان، ولا نُسلَم أن صاحبَ القصَّةِ مات آيساً، ولم يسمح له الرجوع عن وصيَّته.
قوله تعالى: (فَلَمَّا أنْ جَاءَ البَشِيرُ ألْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. .) الآية. قال هنا وفي العنكبوت
آخراً في قوله تعالى " ولمَّا أن جاءت رسلنا لوطاً " بذكر " أن ".
وقال في هود: " ولمَّا جاءت رسلُنا لُوطاً " وفي العنكبوت أولًا " ولمَّا جاءت رسلُنَا إبراهيمَ بِالبُشْرَى " بحذفها بنيَّتها على جواز الأمرين.
والقولُ بأنَّ ذكرَ " أنْ " يدلُّ على وقوع جواب " لمَّا " حالَاَ، بخلاف ما إذا حُذفت، يُرَدُّ بأنَّ آية هود، وآية العنكبوت، التي ذُكرَ فيها " أنْ " متَّحدتان شرطاً وجواباً، مع أنَّ " أنْ " ذُكرت في إحداهما، وحُذفت من الأخرى. إلَا أن يُقال إنها إذا لم تُذكر، لم يلزم وقوعُ جواب " لما " حالَ
قوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف جاز لهم أن يسجدوا ليوسف، والسجودُ لغير الله حرامٌ؟!
قلتُ: المرادُ أنهم جعلوه كالقِبْلَةِ، ثم سجدوا للهِ تعالى، شكراً لنعمة وُجْدَان يوسف، كما تقول: سجدتُ وصلَّيتُ للقِبْلة.
واللَّامُ للتعليل (1) أي لأجله سجدوا للَّهِ، ومنه قوله تعالى " رأيتُهم لي سَاجِدينَ " أي إنما سجدتْ للَّهِ، لأجل مصلحتي، والسعي في إعلاء منصبي.
قوله تعالى: (وَقَدْ أحْسَنَ بِي إِذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ) .
إن قلتَ: لمَ ذكر " يوسف " عليه السلام، نعمةَ الله عليه في إخراجه من السجن، دون إخراجه من الجبِّ، معِ أنه أعظم نعمةً، لأن وقوعَه في الجبِّ كان أعظمَ خَطَراَ؟!
قلتُ: لأن مصيبة السجن كانت عنده أعظم، لطول مدَّتها، ولمصاحبته الأوباش وأعداءَ الدينِ فيه، بخلاف مصيبة الجبِّ، لقِصَر مدَّتها، ولكون المؤنس له فيه جبريل عليه السلام، وغيره من الملائكة. أو لأن في ذكر الجُبِّ " توبيخاً وتقريعاً " لِإخوته، بعد قوله: " لا تَثْرِيبَ عليكُمُ اليَوْمَ ".
قوله تعالى: (أنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ) .
إن قلتَ: كيف قال يوسف ذلك، مع علمه بأنَّ كل نبيٍّ لا يموت إلّاَ مسلماً؟
قلتُ: قاله إظهاراً للعبودية والافتقار، وشدَّة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليماً للأمة، وطلباً للثواب.