قوله تعالى: (الَأعْرَابُ أَشَدُّ كفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّاَ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْرلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ. .)
فإن قلتَ: وصفَ العربِ بأنهم جاهلون بذلك، يُنافي صحَّة الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم، على كتاب اللَّهِ وسنَّة نبيه؟!
قلتُ: لا منافاة، إذْ وصفُهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن، لا في ألفاظه، ونحن لا نحتجّ بلغتهم في بيان الأحكام، بل في بيان معاني الألفاظ، لأن القرآن والسُّنَّة جاءا بلغتهم.
قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ. .) الآية، الخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قلتَ: كيف نفى عنه علمه بحال المنافقين هنا، وأثبته له في قوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ)) ؟
قلتُ: آيةُ النَّفي نزلت قبل آية الِإثبات فلا تنافي.
قوله تعالى: (وَالنَّاهُون عَنِ المنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ) .
إن قلتَ: لمَ عَطفَه دون ما قبله من الصِّفاتِ؟
قلتُ: لأنه وقع بعد سبع صفاتٍ، وعادةُ العربِ أن تُدخلَ الواو بعد السَّبعة.
قوله تعالى: (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إلَّا كتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَل صَالِحٌ. .) الآية. قال ذلك هنا، وقال بعد: (إلَّا كتِبَ لَهُمْ) بدون " عمل صالح "!! لأنَّ ما هنا مشتمل على ما هو من عملهم وهو قوله: (ولا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغيظُ الكُفَّارَ) إلى آخره، وعلى ما ليس من عملهم وهو قوله (ذَلِكَ بأنَّهُمْ لا يُصيبهُمْ ظمَأٌ) إلى آخره، فتفضَّل اللهُ بإجرائه مجرى عملهم في الثواب، فناسبَ
ذلك زيادةُ قوله " به عملٌ صالحٌ " ولهذا عمَّ عقِبَه في قوله (إنَّ اللهَ لا يضيع أجرَ المحسنينَ) .
وما ذُكرَ في الآية الثانية، مختصٌّ بما هو من عملهم وهو قوله (ولا يُنْفِقُونَ نفقةً صغيرةً) إلى آخره، ليُكتب لهم ذلك بعينه، ولهذا خصَّهم عقِبه في قوله: (ليَجْزِيَهُمُ الله أحسنَ ما كانوا يعملونَ) .
وقولُه " أحسن " أي بأحسن، والمراد بحَسَن عملهم، إذ لا يختصُّ جزاؤهم بأحسن عملهم. . أو المراد ليجزيهم أحسن من الذي كانوا يعملون.
قوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقّاً. .)
قال ذلك هنا، وقال في هود: " إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ "
لأن ما هنا خطابٌ للمؤمنين والكفار، بقرينة ذكرهما بعدُ، وما في " هود " خطابٌ للكفار فقط، بقرينةِ قوله قبله: " وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ".
قوله تعالى: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أدْرَاكم بِه. .) الآية.
إن قلت: كيف قال النبيُّ ذلك، مع أن الله تعالى أنكر على الكفّار احتجاجهم بمشيئته في قولهم: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا "، ولهذا لا ينبغي لمن فعل معصيةً، أن يحتجَّ بقوله: لو شاء الله ما فعلتُها؟!
قلتُ: إنَما قال النبيُّ ذلك، بأمر الله تعالى له فيه، بقوله: " قلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ. . " وللعاصي أن يَحتحَّ بذلك إذا أمرَ اللَّهُ به.