عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦٠﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦٠]
قوله تعالى: (إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا. .) الآية. أضاف فيها الصَّدقات، إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام المُلْك، وإلى الأربعة الأخيرة بـ " في " الظرفية، للإِشعار بإطلاق المُلْك في الأربعة الأولى، وتقييده في الأخيرة، حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع، بخلافه في الأولى، كما هو مقرَّرٌ في الفقه، وكُرِّر في الأخيرة في قوله " وفي سبيل الله " حثًّا على الإِعانة في الجهاد لشرفه.
  • ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦١﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦١]
قوله تعالى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. .) الآية. عدَّى الِإيمان إلى الله بالباء، لتضمُّنه معنى التصديق، ولموافقته ضدَّه وهو الكفر، في قوله تعالى (مَنْ كفَرَ بِاللهِ) . وعدَّاه إلى المؤمنين باللام، لتضمُّنه معنى الِإنقياد، وموافقةً لكَثير من الآيات، كقوله تعالى (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمنٍ لنا) وقوله (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) وقوله (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) ؟ وأما قوله تعالى في موضع (قال آمنتم لَهُ قبلَ أن آذن لَكُمْ) وفي آخر (آمنتم به) فمشتركٌ الدلالة، بين الِإيمان بموسى والِإيمان بالله، لأن من آمنَ بموسى حقيقةً آمن بالله كعكسه.
  • ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴿٦٣﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦٣]
قوله تعالى: (أَلمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فيها..) خبرٌ عن المنافقين الذين سبق ذكرُهم مخلَّدون في النَّار، فلا يُشكل بأنَّ المؤمن العاصي لا يُخَلَّدُ في النَّار،
  • ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦٤]
قوله تعالى: (يَحْذَرُ المُنَافِقُون أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهمْ. .) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن إنزال السورة إنما هو على النبي لا عليهم؟ قلتُ: " على " بمعنى " في " كما في قوله تعالى (واتَّبعوا ما تتلُوا الشَّياطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمان) أو أن الإِنزال هنا بمعنى القراءة عليهم. فإن قلتَ: الحذر واقع منهم على إنزال السورة، فكيف قال (إن الله مخرج ما تَحْذَرونَ) ؟ قلتُ: معناه إن الله مظهرٌ ما تحذرون ظهوره من نفاقكم، بإنزال هذه السورة، وهو المناسب لقوله (تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) أو مظهرٌ ما تحذرون من إنزال هذه السورة. فإن قلتَ: " تُنَبئهم بما في قلوبهم " تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به؟ قلتُ: تنبِّئُهم بأسرارهم، وما كتموه، شائعةً ذائعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم.
  • ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦٧]
قوله تعالى: (المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهم مِنْ بَعْض. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك هنا بـ " مِنْ " وقال في قوله (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ) بلفظ " أولياء " مع أنَّ " مِنْ " أدلُّ على المجانسة، لاقتضائها البعضية، فكانت بالمؤمنين أولى، لأنهم أشدُّ تجانساً في الصفات؟! قلتُ: المراد بقوله " بعضهم من بعضٍ " على دين بعض، لأن " مِنْ " تأتي بمعنى " على " كما في قوله تعالى (وَنصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ) وقوله (للِّذينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي يحلفون على عدم وطئهنَّ، والمرادُ بقوله (بعضهُم أولياءُ بعضٍ) أنصارهم وأعوانهم في الدِّينِ، وعلى ذلك فكلٌّ من اللفظيْن يصلح مكان الآخر، لكن للولاية شرفٌ، فكانت أولى بالمؤمنين والمؤمنات.
  • ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٩﴾ ﴾    [التوبة   آية:٦٩]
قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) أي المنافقون والمنافقاتُ حبطت أعمالهم في الدنياوالآخرة، أما حبطها في الدنيا، فمن حيثُ كيدهم ومكرُهم وخداعُهم، التي كانوا يقصدون بها إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يُتم نوره. وأما حبطُها في الآخرة، فمن حيثُ إن عباداتِهم وطاعاتِهم، أتوا بها رياءً وسمعةً ونفاقاً، فحبطت أعمالهم من الخبيثات المذكورات، حيث لم يحصُل بها غرضهم في الدنيا ولا في الآخرة وأمَّا عباداتُهم التي تجري بها أحكامُ المسلمين عليهم، كحقن دمائهم وأموالهم، فينفقون بها في الدنيا خالصةً ولا عبرة به.
  • ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٧٤﴾ ﴾    [التوبة   آية:٧٤]
قوله تعالى: (وَمَا لهمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَليٍّ وَلَا نَصيرٍ) . إن قلتَ: لمَ خصَّص الأرض بالذكر، مع أنهم لا وليَّ لهم في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا ولا في الآخرة؟! قلتُ: لمَّا كانوا لا يعتقدون الوحدانية، ولا يصدِّقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الوليّ والنَّصير، مقصوراً على الدنيا، فعبَّر عنها في الأرض. أو أراد بالأرض أرض الدنيا والآخرة.
  • ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾ ﴾    [التوبة   آية:٨٠]
وله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية. إن قلتَ: لم خصَّ السَّبعين، مع أنهم لا يُغفر لهم أصلاً، لقوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ولأنهم مشركون، واللِّه لا يَغفر أن يُشرك به؟ قلتُ: لأن عادة العرب جرتْ بضرب المثل في الآحاد بالسبعة، وفي العشرات بالسبعين، استكثاراً ولا يريدون الحصر. فإن قلتَ: لو كان المراد ذلك، لما خفيَ على أفصح العرب، وأعلمهم بأساليب الكلام، حتى قال لما أُنزلت هذه الآية: لأزيدنَّ على السبعين، لعلَّ اللهَ أن يغفرلهم. قلتُ: لم يَخْفَ عليه ذلك، وإنما أراد بما قال إظهار كمال رأفته، ورحمته بمن بُعث إليهم، وفيه لطفٌ بأمته وحثٌّ لهم على المراحم، وشفقة بعضهم على بعض، وهذا دأبُ الأنبياء عليهم السلام، كما قال إبراهيم عليه السلام (وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ عْفورٌ رحيم) .
  • ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٨٧﴾ ﴾    [التوبة   آية:٨٧]
قوله تعالى: (وَطُبعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُون) . قاله هنا بالبناء للمفعول، َ وقال بعده (وَطَبَعَ اللَّهُ على قلوبهم فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بالبناء للفاعل، لأن الأول تقدَّمه مبنيٌّ للمفعول وهو قوله " وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ " والثاني تقدَّمه ذكر الله مرَّاتٍ، فناسب بناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، ليناسب الفاعل ما قبله، ثم ختم كلًا منهما بما يناسُبه، فقال في الأول " لا يفقهون " وفي الثاني " لا يعلمون " لأنَّ العلم فوق الفقه أي الفهم.
  • ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٤﴾ ﴾    [التوبة   آية:٩٤]
قوله تعالى: (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمٌ ترَدُّونَ إلى عَالِم الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) قاله هنا بـ " ثُمَّ " بحذف " والمؤمنون ". وقاله بعدها بالواو، وبذكر " والمؤمنون ". لأنَّ الأول في المنافقين، ولا يطَّلع على ضمائرهم إلَّا الله، ثم رسولُه بإطلاع اللهِ إياه عليها. والثاني في المؤمنين، وطاعاتهم وعباداتْهم ظاهرةٌ لله ولرسوله وللمؤمنين، وختم الأول بقوله " ثُمَّ تُرَدُّونَ " ليفيد قطعه عمَّا قبله، لأنه وعيد. . وختم الثاني بقوله " وستردُّون " ليفيد وصله بما قبله لأنه وعدٌ، فناسب في الأول " ثُمَّ " وحذفَ " والمؤمنون " وفي الثاني " الواو " وذكر " والمؤمنون ". فإن قلتَ: السِّينُ في " سَيَرَى اللهُ " للاستقبال، والرؤيةُ بمعنى العلم، والله تعالى عالمٌ بعملهم حالًا ومآلًا، فكيف جمع بينهما؟! قلتُ: معناه في حقِّ الله، أنه سيعلمه واقعاً مآلًا، كما علمه غيرَ واقع حالًا، لأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الواقع واقعاً، وغير الواقع غيرَ واقع، أمَّا في حقّ الرسولِ فهو على ظاهره.
إظهار النتائج من 9201 إلى 9210 من إجمالي 16588 نتيجة.