قوله تعالى: (وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وقالتِ النّصارى المسيحُ ابن اللهِ. .) قائل ذلك في كلٍّ منهما بعضُهم، لا كلّهم، فـ " أل " فيهما للعهد، لا للاستغراق، كما في قوله تعالى: (إذْ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ) الآية. إذِ القائل لها ذلك إنما هو جبرائيل عليه السلام.
قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ. .) . فائدة قوله " بأفواههم " مع أن القول لا يكون إلَّا بالفم، الِإعلام بأن ذلك مجرَّد قول، لا أصل له، مبالغة في الرَّدِّ عليهم.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. .) . أفردَ الضميرَ، مع تقدُّم اثنين " الذهب والفضة " نظراً إلى عوده إلى الفضة لقربها، ولأنها أكثرُ من الذَّهب.
أو إلى عوده إلى المعنى، لأن المكنوز دراهمُ ودنانير، ونظيرُه قوله " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ".
قوله تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حرمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسَكمْ. .) .
إن قلتَ: لم خصَّ الأربعة الحُرُم بذلك، مع أن ظلم النفس منهيٌّ عنه في كل زمانٍ؟
قلتُ: لم يَخُصَّها به، إذِ الضمير عائدٌ إلى " اثنا عشر شهراً " كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لا إلى الأربعة الحُرُم فقط.
أو خصَّها به لقربها، أو لمزيد فضلها وحرمتها عندهم في الجاهلي
قوله تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْم الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا. .) . أي لا يستأذنوك في التخلُّفَ عن الجهاد.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، معِ أن كثيراً من المؤمنين، استأذنوه فِى ذلك لعذرٍ، أخذاً من قوله تعالى (إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذينَ آمَنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه) .
قلتُ: لا منافاة، لأن ذلك نفيٌ بمعنى النهي كقوله تعالى: (فلا رَفَثَ وَلَا فسوقَ ولا جدال في الحجِّ) أو هو
منسوخٌ كما قال ابن عباس بقوله " لم يذهبوا حتّى يستأذنوه ".
أو المراد أنهم لا يستأذنوه في ذلك لغير عذر.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهمْ فَثَبطهُمْ وَقِيلَ اقْعدوا مَعً القَاعِدِينَ) .
إن قلتَ: كيف أمرهم بالقعود عن الجهاد، مع أنه ذمهم عليه؟
قلت: إنما أمرهم بذلك أمر توبيخ، كقوله تعالى " اعملوا ما شِئْتمْ " بقرينة قوله " مع القاعدينَ " أي من النّساء، والصِّبيان، والزمنَى، الذين شأنُهم القعودُ في البيوت.
أو الآمِر لهم إنما هو الشيطان بالوسوسة، أو بعضهم بعضاً.
قوله تعالى: (لَوْ خَرَجوا فِيكمْ مَا زَادوكمْ إلَّا خَبَالَاَ وَلَأَوْضعوا خِلَالَكمْ. .) .
فإن قلتَ: " إذا علم اللهُ أن المنافقين، لوخرجوا مع
المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلَّا خبالاً أي فساداً، ولأوضعوا خلالهم أي لأسرعوا في السَّعي بينهم بالنميمة، فكيف أمرهم بالخروج مع المؤمنين؟
قلتُ: أمرهم بالخروج لِإلزامهم الحجَّة، ولإِظهار نفاقهم.
قوله تعالى: (إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ)
قاله هنا بالباء في المتعاطفين، وقاله ثانياً، وثالثاً بحذفها من المعطوف، لأن ما في الأول غاية التوكيد بقوله (وما مَنَعَهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلّاَ أنهم كفروا) فأكَّد المتعاطفين بالباء، ليكون الكلام على نسق واحد، بخلاف الثاني
والثالث، لم يتقدمهما ذلك.