﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ﴾
* * *
قيل: إن معنى (ما قدم وأخر) ((ما أسلف من عمل خير أو شر، وأخر من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده)).
وقيل: ((أي: يعلم كل أحد في هذا اليوم ما قدم فلم يقصر فيه، وما أخر مقصرًا فيه، لأن (ما قدمت) يقتضي فعلًا، و(ما أخر) يقتضي تركًا وتقصيرًا وتوفيرًا.
فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار، وإن كان قدم العمل الصالح فمأواه الجنة)).
لقد قال في هذه السورة: ﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ﴾.
وقال في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ١٣ عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ﴾.
((فقال في سورة الانفطار: ﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ﴾.
وقال في سورة التكوير: ﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ﴾ ذلك أنه قال في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ﴾ أي: أحضرت وقرّبت، فناسب ذلك إحضار الأعمال، فإن الذي يطلب شيئًا عليه أن يحضر ثمنه، ثم إن إحضار الجنة مناسب لإحضار الأعمال.
ولم يقل مثل ذلك في سورة الانفطار وإنما قال: ﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ﴾ فليس ثمة تقريب لشيء، وإنما ذلك يحصل قبل الحساب، فناسب أن يذكر الإنسان ما قدم وأخر، فإنه سيسأل عن ذلك كله)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 230، 231)
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾
* * *
أي: ما الذي خدعك وجرأك على ربك الكريم الذي خلقك وأفاض عليك بالنعم، القادر على كل شيء، فتعصيه وتخالف أوامره؟
أهذا جزاء كرمه وإحسانه وتفضله عليك؟
أتحسب أن الكريم لا يعاقب من عصاه وأعلن محاربته؟
أيعصي الإنسان ربه الذي أوجده وأحسن إليه وغذاه بالنعم وقام على أمره؟
أهكذا يكون جزاء المربوب للرب؟
وقد قال هاهنا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيم﴾ بذكر (الرب)، ولم يقل: (ما غرك بالله) وذلك لأن لفظ (الرب) معنى التربية والرعاية والإحسان والسيد ومتولي أمره، فتكون الإساءة إليه بهذا المعنى أقبح وأعظم.
فإن من أساء إلى من رباه وأحسن إليه وقام على أمره كانت إساءته أبلغ وأقبح ممن أساء إلى غيره.
ثم وصفه بالكرم فقال: ﴿بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيم﴾ ولم يقل ﴿بِرَبِّكَ﴾ من دون وصف؛ لتكون الإساءة أشد، والعصيان أعظم، أفيكون الكرم مدعاة إلى الإساءة والعصيان أم إلى الطاعة؟
ثم ذكر من الصفات ما يبين حمقه وجهله وقبح معصيته.
فإنه غره –والله- حمقه وجهله وشيطانه، فقد ((زين له المعاصي، وقال له: افعل ما شئت، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولًا، وهو متفضل عليك آخرًا حتى ورطه)).
جاء في (روح المعاني): ((أي: أيّ شيء خدعك وجرأك على عصيانه تعالى وارتكاب مالا يليق بشأنه عز شأنه؟ وقد علمت ما بين يديك وما سيظهر من أعمالك عليك والتعرض لعنوان كرمه تعالى دون قهره سبحانه من صفات الجلال المانعة ملاحظتها عن الاغترار للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدارًا لاغتراره حسبما يغويه الشيطان ويقول له: افعل ما شئت، فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله في الآخرة... بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، دون العكس)).
وجاء في (الكشاف): ((معناه أن حق الإنسان ألا يغتر بتكرم الله عليه، حيث خلقه حيًا لينفعه، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب اغترارًا بالتفضل الأول)).
قد تقول: لقد قال هاهنا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيم﴾ فذكر الرب.
وذكر الاغترار بالله في أكثر من موضع فقال: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ وقال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ [لقمان: 33[.
فما سبب ذاك؟
فنقول: إن السياق مختلف، فإنه في هذه السورة إنما هو في سياق ذكر تعداد النعم عليه، فناسب ذكر الرب.
أما في آية الحديد فهي في الآخرة، والكلام موجه من المؤمنين إلى المنافقين، وذكر معاصيهم واستحقاقهم النار، قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ١٣ يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ١٤ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِير﴾.
فالمقام مختلف.
وكذلك في لقمان، فإن المقام مقام تحذير لا مقام تعداد للنعم، فقد قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيًۡٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ٣٣﴾ [لقمان: 33].
وقد تقول: لقد قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ﴾ فذكر الرب.
فنقول: إن السياق في ذكر الآباء والأبناء، وأنه لا يجزي أحدهما عن الآخر، والأب هو مرّب لابنه وموجه له ومعلم ومرشد وقيم عليه، فناسب ذكر الرب.
وكذلك سياق آية فاطر، فإنها ليست في تعداد النعم، وإنما في تذكيرهم الآخرة، فقد قال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾.
فناسب كل تعبير موضعه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 231: 234).
﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾
* * *
ذكر جملة من الصفات الدالة على كرمه سبحانه والإحسان إلى الإنسان، والتي تدعو إلى طاعته وعدم معصيته، وذكر بعد ذلك ما يدعو إلى عدم الاغترار بكرمه سبحانه من قدرته، وعدم تركه عباده يفعلون ما يشاؤون من دون حساب أو جزاء.
جاء في (روح المعاني): ((صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم موحية إلى صحة ما كذب من البعث والجزاء موطئة لم بعد، حيث نبهت على أن من قدر على ذلك بدءًا أقدر عليه إعادة)).
ومعنى (سواك): جعلك سالم الأعضاء.
و(عدلك): صيرك معتدلًا متناسب الخلق، أو خلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، أو صرفك عن خلقة غير ملائمة.
وبدأ بالخلق فالتسوية فالعدل؛ لأن هذا هو الترتيب الطبيعي.
ولذا حيث ذكر الخلق والتسوية بدأ بالخلق، وذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ٣٨﴾ [القيامة: 38].
وقال: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى١ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ٢﴾ [الأعلى: 1-2].
وقال: ﴿أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا﴾ [الكهف: 37].
وقال: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفِۡٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ [السجدة: 7-9].
وقال: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ٧١ فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ٧٢﴾ [ص: 71-72].
جاء في (التحريروالتنوير): ((وفرع فعل (سواك) على (خلقك) وفعل (عدلك) على (سواك) تفريعًا في الذكر؛ نظرًا إلى كون معانيها مرتبة في اعتبار المعتبر وإن كان جميعًا حاصلًا في وقت واحد، إذ هي أطوار التكوين من حين كونه مضغة إلى تمام خلقة، فكان للفاء في عطفها أحسن وقت، كما في قوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ٢ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 234: 236).
﴿فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾
* * *
(ما) تحتمل أن تكون مزيدة للإبهام نحو: (أعطيته شيئًا ما) و (الأمر ما جدع قصير أنفه).
والمعنى: في أي صورة شاءها ركبك، من: حسن وقبح، وطول وقصر، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ﴾ متعلق ب ﴿رَكَّبَكَ﴾ أي: ركبك في أي صورة شاءها ربنا.
وجملة ﴿شَآءَ﴾ صفة، والعائد محذوف.
جاء في (الكشاف): ((﴿مَّا﴾ في ﴿مَّا شَآءَ﴾ مزيدة، أي: ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح، والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه)).
ويجوز أن تجعل (أي) شرطية نحو قولك: (في أي كتاب تقرأ أقرأ) و(إلى أي بلد تذهب أذهب).
كما يجوز أن تجعل (ما) في معنى الشرط والجزاء، كقولنا: (ما قال فعل في كل أمر) و(ما يسمع يحفظ من كل شعر).
كما يحتمل أن تكون موصولة.
والتقدير في الآية على هذا: (ما شاء ركبك في أي صورة).
و(ما) شرطية أو موصولة. و ﴿فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ﴾ على معنى الحال، أي: ركبك كائنًا في أي صورة، أو حاصلًا في أي صورة. جاء في (البحر المحيط): ((وقيل: يتعلق بمحذوف، أي ركبك حاصلًا في بعض الصور)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 236: 238).
﴿كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّين﴾
* * *
أي: ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله ((وجعله ذريعة إلى الكفر والمعاصي، مع كونه موجبًا للشكر والطاعة)).
والدين يحتمل معنى الجزاء، أي: تكذبون بالجزاء، ويحتمل أن يكون المعنى التكذيب بدين الإسلام. جاء في (الكشاف): ((وهو الجزاء أو دين الإسلام، فلا تصدقون ثوابًا ولا عقابًا، وهو شر من الطمع المنكر)).
وهم يكذبون بهما جميعًا.
وقد يذكر التكذيب بيوم الدين، فيذكر اليوم إذا كان السياق في ذلك، وذلك نحو قوله تعالى في سورة المطففين: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ١٠ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيم﴾.
فذكر التكذيب بيوم الدين؛ ذلك لأن السياق في ذكر اليوم، فقد قال سبحانه في سياق هذه الآيات: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ٤ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ٥ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٦﴾.
فذكر اليوم العظيم الذي يقوم فيه لرب العالمين، فناسب ذكر التذكيب بيوم الدين.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 238، 239).
﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ١٢﴾
* * *
يعني: أنكم تكذبون بالجزاء والحال أن عليكم حافظين مراقبين يكتبون ما تفعلونه استعدادًا ليوم الجزاء؛ ليحاسبكم ربكم على أعمالكم ويجزيكم بها.
ووصفهم بالكرام تعظيم لهم وللمهمة التي أسندت إليهم، فإذا كانت المهمة عظيمة اسندت
إلى عظيم كبير، وذلك تعظيم ليوم الدين الذي سيكون الجزاء على ما يقدمه هؤلاء الحفظة الكتبة الكرام.
ومن جهة أخرى أن وصف الحافظين بالكرام مناسب لوصفه سبحانه ذاته العلية بقوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾ فربنا الكريم جعل علينا حفظة كرامًا، وهو تناسب لطيف. جاء في (الكشاف) في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِين﴾ ((تحقيق لما يكذبون به من الجزاء، يعني: أنكم تكذبون بالجزاء، والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم ليجازوا بها.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكّل بظبط ما يحاسب عليه ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة وفيه إنذار وتهويل وتشوير للعصاة ولطف المؤمنين)).
وجاء في (البحر المحيط): ((قال: ﴿يَعۡلَمُونَ﴾ ولم يقل: (يكتبون) دل على أنه لا يكتب الجميع، فيخرج عنه السهو والخطأ وما لا تبعة فيه)).
وجاء في (التحرير والتنوير): ((وابتدئ منها بوصف الحفظ؛ لأنه الغرض الذي سيق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإحصاء، وفيها تنويه بشأن الملائكة الحافظين)).
وجاء هنا بجمع المذكر السالم فقال: ﴿لَحَٰفِظِينَ﴾ وقال في موطن آخر: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: 61] بجمع الكثرة، ذلك أنه زاد على وصف الحفظة في آية الانفطار، فذكر أنهم كرام كاتبون يعلمون ما تفعلون.
ولا شك أن هذا أقل من الإطلاق، فكلما ذكر وصف قيد الموصوف فقلّ العدد، فناسب جمع القلة هنا، بخلاف قوله: ﴿وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَة﴾ فإنه لم يقيدهم بشيء فناسب جمع الكثرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الملائكة الكاتبين إنما هم ملكان لكل شخص.
أما الحفظة فغير محدودين بعدد؛ إذ ربما كانوا أكثر من ذلك، يدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۢ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ١٠ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ [الرعد: 10-11] فذكر أن له معقبات يحفظونه، وهذا جمع، فناسب الكثرة من جهة أخرى، والله أعلم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 239: 241).
﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ١٣ وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ﴾
* * *
ذكر عاقبة ما يكتبه الكرام الكاتبون وما يترتب عليه من الجزاء، فليس الغرض مما يكتبه الكرام الكاتبون مجرد العلم الذي لا يفضي إلى غرض أو نتيجة، وإنما هو لغرض الجزاء.
فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بربه الكريم ويقول: هو أكرمني في الدنيا وسيكرمني في الآخرة ويتجاوز عني ويغفر لي ما أعمل.
فما ذكره من النعيم والجحيم؛ إنما هما عاقبة ما تكتبه الملائكة الكرام الحفظة.
ثم إن ذكر ذلك مناسب لمبتدأ السورة وخاتمتها، فإن ذلك إنما يكون في اليوم الآخر الذي ذكر طرفًا من أحداثه في أول السورة بقوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ...﴾.
ومناسب لما ورد بعد ذلك، وهو قوله: ﴿يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ...﴾ إلى آخر السورة.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 241).
﴿يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾
* * *
وهو اليوم الذي كانوا يكذبون به، والذي ذكره بقوله: ﴿كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ٩﴾.
* * *
﴿وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَآئِبِينَ﴾
* * *
أي: لا يخرجون منها، وقدم الجار والمجرور للقصر إضافة إلى الفاصلة، فإنهم غائبون عن غيرها من النعيم، أما هي فلا يغيبون عنها.
وقيل: إن التعبير يحتمل الإشارة إلى عذاب القبر، فإنهم يدخلونها يوم الدين، وما هم بغائبين عنها قبل ذلك في البرزخ.
جاء في (الكشاف) في قوله: ﴿وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَآئِبِينَ﴾: ((كقوله:﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 167] . ويجوز أن يراد: يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك، يعني: في قبورهم)).
وفي (البحر المحيط): ((قيل: إنهم مشاهدوها في البرزخ)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 242).
﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ١٧ ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّين﴾
* * *
لما ذكر يوم الدين قبل هذه الآية فقال: ﴿يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّين﴾ قال ههنا:﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّين﴾ تعظيمًا وتهولًا لهذا اليوم الذي لا يدري كنهه ((يعني: أن أمر يوم الدين، بحيث لا تدرك له دراية دارٍ كنهه في الهول والشدة، وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه)).
ثم كرر السؤال زيادة في التهويل والتعظيم والتوكيد ((والتكرار لزيادة التهويل)).
جاء في (التحرير والتنوير) في قوله: ﴿ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّين﴾: ((تكرير للتهويل تكريرًا يؤذن بزيادته، أي: تجاوز حد الوصف والتعبير، فهو من التوكيد الفظي. وقرن هذا بحرف (ثم) الذي شأنه إذا عطف جملة على أخرى أن يفيد التراخي الرتبي...
وهي في هذا المقام رتبة العظمة والتهويل، فالتراخي فيها هو الزيادة)).
وقيل: إن ((كل ما في القرآن من قوله: ﴿مَآ أَدۡرَىٰكَ﴾ فقد أدراه، وكل ما فيه من قوله عز وجل: ﴿وَمَا يُدۡرِيكَ﴾ فقد طوى عنه)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 242، 243)
﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾
* * *
((أي: لا يستطيع دفعًا عنها ولا نفعًا لها بوجه، ولا أمر إلا الله وحده)).
جاء في (روح المعاني): ((وفي تحقيق قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡٔٗاۖ﴾ لدلالته على أن لكل مسوسون مطيعون مشتغلون بحال أنفسهم مقهورون بعبوديتهم لسطوات الربوبية)).
و(الأمر) يحتمل واحد الأوامر، أي: لا يأمر فيه إلا الله، فهو الملك المطاع، ويحتمل واحد الأمور، أي: الشأن كله لله.
والتحقيق أنهما كليهما لله سبحانه: والأوامر والشأن.
قد تقول: لقد ههنا: ﴿وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾ فأخر الجار والمجرور (لله).
وفي أكثر من موطن قدم الجار والمجرور على الأمر، وذلك نحو قوله: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
وقوله: ﴿بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ﴾ [الرعد: 31].
وقوله: ﴿لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُ﴾ [الروم: 4].
فنقول: إن كل ما قدم الجار والمجرور ﴿لِّلَّهِ﴾ إنما هو مطلق غير مقيد بزمن، فالأمر لله وحده على الإطلاق.
أما في آية الانفطار فقد قال: ﴿وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّه﴾ فقيده بذلك اليوم فقال ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ فلو قدم ﴿لِّلَّه﴾ وقال: (لله الأمر يومئذ) لكان المعنى أن له الأمر حصرًا في ذلك اليوم، ومقتضى هذا أنه في غير ذلك اليوم قد يكون الأمر لذات أخرى؛ ولذا قال: ﴿وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّه﴾ فلم يخصصه بذلك اليوم، وإنما جعل الأمر له في ذلك اليوم.
أما الأمر على الإطلاق فهو له حصرًا في ذلك اليوم وغيره، وعلى كل حال، كما ذكره في مواضع أخرى من القرآن الكريم.
فاتضح الفرق.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 243: 245)
﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ﴾
* * *
هذا التعبير يراد به التفخيم والتعظيم، وذلك نحو قوله: ﴿ٱلۡقَارِعَةُ١ مَا ٱلۡقَارِعَةُ٢ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ٣﴾ أي: أيّ شيء هو من العظم ((يعني: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها.
ثم بين ذلك بأنها خير من ألف شهر)).
جاء في (روح المعاني): وذلك ((لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج من دائرة دراية الخلق، لا يعلم ذلك ولا يعلم به إلا علام الغيوب)).
وقال: ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ﴾ بإظهار اسمها، ولم يقل: (وما أدراك ما هي) وذلك للزيادة في تعظيمها، وذلك أن الإظهار آكد من الإضمار كما هو معلوم.
قال تعالى: ﴿فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ٩ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ١٠﴾ [القارعة: 9-10].
وقال: ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ٤ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحُطَمَةُ٥﴾ [الهمزة: 4-5].
فأضمر في آية القارعة فقال: ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَه﴾ ولم يقل: (وما أدراك ما الهاوية).
وأظهر في آية الهمزة فقال: ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحُطَمَةُ﴾ للدلالة على ما ذكر من تعظيم النار وشدة وصفها في الهمزة فقال: ﴿نَارُ ٱللَّهِ ٱلۡمُوقَدَةُ٦ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلۡأَفِۡٔدَةِ٧ إِنَّهَا عَلَيۡهِم مُّؤۡصَدَةٞ٨ فِي عَمَدٖ مُّمَدَّدَةِ﴾.
ولم يزد في القارعة على قوله ﴿نَارٌ حَامِيَةُۢ﴾.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 251، 252)