(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
معنى (حق القول) في القرآن الكريم ثبت لهم العذاب ووجب، والقول هو قوله تعالى (ولَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة (13). جاء في (الكشاف): "(القول) قوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر (1).
وجاء في (فتح القدير): "ومعنى (حق) ثبت ووجب القول. أي العذاب على أكثرهم .... وقيل المراد بالقول المذكور هنا هو قوله سبحانه (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ" ) (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "في قوله تعالى (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) وجوه: (الأول) وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ)"
(الثاني) هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن أن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض إنه لا يؤمن وقال في حق غيره إنه يؤمن (فحق القول) أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره.
(الثالث) هو أن يقال: المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك .... (على أكثرهم) فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا" (3).
ولا شك أن سبق قوله لسبق علمه فلا اختلاف بين القولين الأول والثاني مما ذكره الرازي.
وكذلك أن المعنى الذي ذكره في القول الثالث صحيح لكن الذي يظهر أن المراد من معنى (حق القول) في القرآن هو ثبوت العذاب ووجوبه كما ذكرت، والذي يرجح ذلك إنه لم يرد في القرآن الكريم (حق القول) إلا لهذا المعنى وكذلك (حقت كلمة ربك) فإسناد الفعل (حق) إلى القول أو إلى الكلمة لا يعنى إلا ثبوت العذاب ووجوبه وذلك في ثلاثة عشر موضعاً، قال تعالى:
(قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)– القصص 63
وقال:(وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25.
وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – الأحقاف 18.
وقال: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة 13.
وقال: ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– يس 7.
وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)– الإسراء 16.
وقال: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70.
وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ)– الصافات 31.
وقال:(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) – الزمر19.
وقال: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)– الزمر 71
وقال: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– ىونس33
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) – يونس 96، 97.
وقال: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)– غافر6. وبذا يترجح ما ذكرناه.
وذكر في آية يس أنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وهذا ما حصل فإن أكثر الكفار لم يؤمنوا وماتوا على الكفر (4) وبذا تحقق ما أخبر به القرآن، وهو من الإعجاز لأنه أخبر بالشيء قبل حصوله فحصل.
وقد تقول: وما أدرانا أن هذا الأمر قد تحقق وأن أكثرهم ماتوا على الكفر؟
والجواب: يكفي وروده في القرآن الكريم فإن القرآن أصدق وثيقة تاريخية عما أخبر في وقته، ولو لم يتم هذا الأمر لكان ذلك دليلا على كذب ما أخبر به ولأعترض عليه الكفار بأن ما أخبر به لم يحصل، فإن القرآن يتلى عليهم ليل نهار وهذه الآية يسمعونها دوماً فلو لم يحصل ذلك لكذبوه ولارتدوا عنه.
ثم لنلاحظ أن الآية مصدرة بــ(لقد) وهذه الــلام واقعة في جواب قسم عند النحاة سواء كان القسم مذكوراً أم مقدراً، و(قد) حرف تحقيق وقد دخلت على الفعل الماضي ومعنى ذلك أن ما أخبر به قد حصل وتحقق فعلاً.
وقال (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ولم يقل (فهم لم يؤمنوا) ليدل على أنهم سيموتون على الكفر وأنهم لا يؤمنون في مستقبل حياتهم ولو قال (فهم لم يؤمنوا) لكان إخباراً عن أمر قد مضى.
وكذلك لو قال (فهم غير مؤمنين) لاحتمل أنه يخبر عن حالتهم التي هم عليها وقت نزول الآية وقد يتغير ذلك في المستقبل فقد يكون أشخاص غير مؤمنين وقت نزول هذه الآية وسيؤمنون بعد ذلك، فلا يكون عند ذاك إخباراً عن أمر غيب، فكان قوله الذي قاله أمثل شيء وأنسبه.
وقد تقول: ولم قدم (القول) على الجار والمجرور فقال (لقد حق القول على أكثرهم) مع أنه في مواطن أخرى يقدم الجار والمجرور على القول وذلك نحو قوله تعالى( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25.
وقوله (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (96)، والجواب أن التقديم والتأخير إنما هو لغرض معنوي كما هو مقرر في علم البلاغة فما كانت العناية به أكثر قدم في الكلام.
فإذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر قدموا، وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت (25). فقدم (عليهم) على (القول) ذلك أن السياق فيمن حق عليهم القول أي على الأقوام الذين حق عليهم العذاب ذلك أن الكلام على أعداء الله ابتداء من الآية التاسعة عشرة إلى الآية التاسعة والعشرين، قال تعالى:(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ
إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) – فصلت (19 – 29).
فناسب تقديم ضمير هؤلاء على (القول) لأن الكلام يدور عليهم.
في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (33)، فقدم الكلمة على (اللذين فسقوا) لأن الاهتمام ليس منصرفاً إل هؤلاء وإنما الكلام على الله ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم كلمته سبحانه، قال تعالى:
( فَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) – يونس (29-35(.
فأنت ترى أن الكلام على الله واستحقاقه للعبادة.
والأمر كذلك في آية يس فإن العناية بقول الله عليهم أكثر من الكلام على القوم وأفعالهم، فإنه لم يذكر عن القوم إلا أنهم غافلون لأن آباءهم لم ينذروا، ولم يذكر شيئا عن أفعالهم وإنما ذكر تفسير استحقاق القول عليهم فذكر أنه سبحانه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ...الخ فذكر ما فعله ربنا ولم يذكر ما فعلوه هم فقال:
( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) فجاعل الأغلال هو الله.
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) وجاعل السد هو الله (فأغشيناهم) والذي أغشاهم هو الله.
فناسب تقديم قوله عليهم وهو المناسب للسياق.
فالجعل جعله والإغشاء إغشاؤه والقول قوله.
هذا من حيث السياق والمقام.
وهناك أمر آخر لفظي في هذه الآيات وهو إنه إذا كان حرف الجر داخلاً على الضمير نحو (عليهم) و(علينا) تقدم الجار والمجرور على القول وإلا تأخر وهذا لم يتخلف في جميع هذه الآيات.
قال تعالى (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) في ثلاث آيات: القصص 63، فصلت 25، الأحقاف 18.
وقال (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) – الإسراء 16.
قال (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا) – الصافات 31.
وقال (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) – الزمر 19.
وقال (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) – يونس 96.
بتقديم الجار والمجرور على الفاعل في كل ذلك.
في حين قال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) – يس 7.
وقال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) – ىونس33.
وقال (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) – الزمر 71.
وقال (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70.
بتقديم الفاعل على الجار والمجرور.
فناسب تقديم القول في سورة يس من ناحية اللفظ إضافة إلى المعنى وأود أن أشير إلى أمر آخر وهو أن كل تعبير قدم فيه ما قدم إنما كان لغرض تقتضيه البلاغة ويقتضيه السياق والمقام إضافة إلى اللفظ، فليس اللفظ وحده الداعي إلى التقديم، فازداد ذلك حسناً على حسن.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص17 إلى ص22
1- الكشاف 2/582
2- فتح القدير 4/394
3- التفسير الكبير 26/43 وأنظر البحر المحيط 7/323 – 324، روح المعاني 2
/213.
4- أنظر التفسير الكبير 26/44
(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ)
الأغلال جمع غل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما وتسمى الجامعة (1) وذلك بقصد التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر (2).
والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره (3).
والمعنى إنه سبحانه جعل في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً عراض المساحة لا واسعة الفتحة تحيط بالعنق كله بحيث تبلغ إلى الذقن في تدع أحدهم يطأطئ رأسه أو يبصر ما تحته بل يبقى رافعاً رأسه غاضاً بصره فلا يتمكن من رؤية ما قدامه ولا ما تحته ولا ما خلفه بل لا يتمكن من الالتفات يمين أو يساراً لعرض الغل الذي يحيط بعنقه وضيقه فكيف طريقه أو يهتدي؟
وهذا تمثيل لحال هؤلاء الكفرة وبقائهم على ضلالهم فلا يتمكنون من الهدى ولا يعرفونه، وربما كان هذا حالهم أيضاً في الآخرة.
جاء في (الكشاف): "ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله.
فإن قلت: ما معنى قوله (فهي إلى الأذقان)؟
قلت: معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزه إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحاً.
والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال قمح البعير فهو قامح إذا روى فرفع رأسه" (4).
وجاء في (التفسير الكبير): "معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه.
(المسألة الثالثة) كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية؟
فنقول: المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه، وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن حلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته، وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعاً كالمغلول الذي يجعل ممنوعً من إبصار الطريق الحسي.
ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه أنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق" (5).
وإسناد هذا الأمر إلى نفسه سبحانه وتأكيده بإن دال على استحكام هذا الأمر وأنه لا يتمكن أحد من فك هذا الغل فلا يتحررون منه، وهو تأكيد لقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فإنه هو الذي جعل الأغلال في أعناقهم فحق قوله عليهم لما علم من عدم اهتدائهم، ولو قال (لقد جعلت في أعناقهم أغلال) لكان ثمة أمل في فك الأغلال ولكن لا يستطيع أحد أن يغير ما قدره الله وحكمه فلا يفك أحد ما أغلقه ربنا ولا يغلق ما فتحه.
وقال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فقدم (أعناقهم) على الأغلال ولم يقل (إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم) لأن الكلام عليهم وهم مدار الحديث فكان تقديم ما تعلق بهم أولى.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص22 إلى ص24
1- انظر لسان العرب 14/13، تاج العروس 8/49.
2- انظر البحر المحيط 7/324.
3- الكشاف 2/682.
4- الكشاف 2/582.
5- التفسير الكبير 26/44 – 45
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالاً ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً.
وقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) و(وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل (وجعلنا بين أيديهم سداً وخلفهم سدً) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغاً وكذلك من خلفهم فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله تعالى (أفلم يروا إلى السماء فوقهم) فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة وكذلك قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة في حين قال عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) – فصلت (10) فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ.
ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) ولم يقل (وجعلنا سداً من بين أيديهم وسداً من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى ونحوه قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) كما ذكرنا.
وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سداً وما الغرض منه؟
فنقول: كما إنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى، فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه، وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك.
ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟
وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يحتمل أنه أغشاهم بالسدين أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين، وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الإبصار.
وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار فلم يذكر إنه جعل فيهما سدين.
فنقول:
1- إن قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت ذلك لأن السدين ملتصقان بهم.
2- قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي غطيناهم والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانباً منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم.
3- قوله (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل.
4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضا ومن خلفهم لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سداً من بين أيديهم ومن خلفهم، فقوله (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات لأن أية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار فما ذكره يغنى عن ذكرهما، وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان إنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة.
جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل.
وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجاً عنها، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) ) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق.
وفي تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) مسائل:
(المسألة الأولى) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) فلا يقدرون على السلوك، وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟
فنقول: الجواب عنه من وجوه.
(الأول) هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سداً) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية ...
(الثالث) هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك، فقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) إشارة إلى إهلاكهم.
(المسألة الثانية) قوله تعالى (فأغشيناهم) بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟
فنقول: ذلك من وجهين:
أحدهما أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سبباً للبعض فكأنه تعالى قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئاً أصلاً.
وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينيه على سطح السد لا يبصر شيئا، أما غير السد فللحجاب،
وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جداً.
(المسألة الثالثة) ذكر السدين من بين الأيدي و من خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً.
ووجه آخر أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للإغشاء كان السد ملتزقاً به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال، وقوله تعالى (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يحتمل ما ذكرنا إنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد فيظن إنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال (1)
وقد تقول: ولم لم يقل كما قال في سورة البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ؟
فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه علاوة على أن ما ذكر في سورة يس يفيد ما أفاده في سورة البقرة، ذلك أن قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) هو بمعنى قوله (وعلى أبصارهم غشاوة)، وأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يفيد أنهم لا يسمعون فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع، وإذا كان كذلك فهو لا يفقه لآن منافذ العلم مسدودة فأفاد إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون.
ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة آخري ذلك أنه قال في سورة يس (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه وهو الأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، والسد إنما هو لمنعهم من السير، أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلاً، ولم يذكر مثل ذلك في البقرة فكان ذكر السد مناسباً في سورة يس.
وأما في سورة البقرة فقد قال إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة.
فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى، ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب فذكر أن هذه كلها مغلقة.
فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة يس وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به.
وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) كما قال في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )– 10،11.
والجواب أن التكرار يفيد التأكيد، والسدان ليسا بمنزله واحدة فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام وهو أهم لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد. ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلهما في التعبير بمنزله واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل أهمية، وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته فلا تصلح الحياة بليل لا نهار فيها ولا تصلح بنهار لا ليل فيها، قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) – القصص (71، 72).
فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معاً جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص24 إلى ص29
1- التفسير الكبير 26/45-46
(وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
بعد أن ذكر الموانع التي تمنعهم من الإيمان بين أن الإنذار وعدمه في حقهم سواء فهو لا ينفع معهم شيئاً.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فما الغرض من إنذارهم؟ ولم ينذرهم؟
والجواب: أن ذلك للإعذار ولتقوم عليهم الحجة كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) – الأعراف (164).
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري إذا كان الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إليهم فليس ذلك سواء بالنسبة إليه، فإنه وإن كان الإنذار لا يجدى معهم شيئا لا يكون ذلك مسوغاً لترك الإنذار، فإنه مأمور بالإنذار لمن علم إنه لا يستجيب ولمن لم يعلم، ثم إن الدعوة إلى الله مطلوبة في كل الأحوال حتى إن أخبره ربنا أن المدعوين لا يستجيبون وذلك يدل على عظم مكانة الدعوة إلى الله وأنها لا تسقط بحال من الأحوال، ثم إن كان هؤلاء لا يستجيبون فربما يؤمن من غيرهم من يسمع ولو كان هذا السمع جاء على طريق الإخبار أو الاستهزاء أو الاستبعاد فيكون ذلك وسيلة لنقل الدعوة من حيث لم يريدوا، ثم إن هذا الإنذار يكتب في صحيفة أعمال الداعي الصالحة مثقلاً لميزانه ولذا قال تعالى (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ولم يقل (وسواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم). جاء في (التفسير الكبير): "بين تعالى أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد والإغشاء والأعماء بقوله (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين، فإن قيل: إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار؟
نقول: قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال (سواء عليهم) وما قال (سواء عليك) فالإنذار بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلاً وسعادته آجلاً، وأما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي (صلى الله عليه وسلم) ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار" (1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص29 إلى ص30
1- التفسير الكبير 26 /46 - 47
(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)
والمعنى إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب أي ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضاً من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهم المؤمنون.
فالإنذار ينفع طائفتين:
طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن فإن الإنذار يزيدهم أيماناً وتمسكاً وحذراً وخوفاً مما تنذرهم إياه.
وطائفة آخري وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان وهذا شأن كثير ممن أنذروا فإنهم فارقوا دينهم وآمنوا بدين الله.
وعلى هذا يكون المعنى إنما تنذر إنذاراً نافعاً من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصودة.
والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء.
وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال (اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِى الرَّحْمَنَ) فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد.
فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) – البقرة (150)، أي تخرج، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) – البقرة (159 -160)، أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال (إن الذين يكتمون) وعبر عن التوبة والإصلاح والتبيين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ، فإذا كان الكتمان مضارعاً فلاشك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي.
جاء في (الكشاف) إن قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) "على معنى إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر وهو القرآن والوعظ الخاشعون ربهم" (1)
وجاء في (البحر المحيط):"إنما تنذر أي إنذاراً ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن، قال قتادة: أو الوعظ" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ).
والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل:
(المسألة الأولى) قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا، وقال (إنما تنذر) وهو يقضي التخصيص فكيف الجميع بينهما؟
نقول من وجوه:
(الأول) هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن، وقوله (إنما تنذر) أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى.
(الثاني) هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدى ولا تدري من تهدى فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3). وجاء في (روح المعاني) أن "(اتبع) بمعنى (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع والمعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين بالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الإتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم (4).
وقال (اتبع الذكر) ولم يقل (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه ولذا اتبعه بقوله وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع إتباعاً جاداً وليس إتباعاً على ضعف، والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع.
فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص30 إلى ص32
1- الكشاف 2/583
2- البحر المحيط 7/325
3- التفسير الكبير 26/47
4- روح المعاني 22/217
(وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)
هذا فيه معان وأوجه:
منها إنه يدل على إنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده فكما آمن به بالغيب خشيه بالغيب، وهذا من تمام الإيمان ذلك أن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه ويعلمونه إنه مراقب أفعالهم فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية منه، أما هذا فإنه يخشى الرحمن بالغيب لأنه يعلم أنه حاضر معه شاهد عليه يراقب أفعاله وإن غاب عن بصره.
ومن معاني هذا التعبير أيضاً إنه خشي عقاب الرحمن الذي حذر عباده يوم القيامة وهو غيب ومعنى خشية عقابه وهذا من معاني خشية الرحمن بالغيب أيضاً.
ومن معانيه أيضاً إنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس والمشاهدين له فكثير من الناس يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم لا يفعلونها إذا شاهدهم الناس، والمعنى إنه إذا أمن مراقبة الناس واطلاعهم عليه خشي الرحمن فلا يفعل إلا ما يرضيه.
فهذا كله من معاني خشية الرحمن بالغيب وباستكمالها تكون خشيته بالغيب، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (بالغيب) يعنى بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة.
والمشهور أن المراد به بالغيب ما غاب عنا وهو أهوال القيامة، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "(بالغيب) أي الخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر" (2).
وجاء في (روح المعاني): "(بالغيب) حال من المضاف المقدر في نظم الكلام... أي خشي عقاب الرحمن حل كون العقاب ملتبساً بالغيب أي غائباً عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله.
ويجوز أن يكون حالاً من فاعل (خشي) أي خشي عقاب الرحمن غائباً عن العقاب غير مشاهد له أو خشي غائباً عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم من الرياء (3).
قالوا وذكر اسمه (الرحمن) مع الخشية دون غيره من أسمائه الحسنى لأكثر من سبب منها:
1- إنه قد يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب لأن رحمته واسعة وإنها سبقت غضبه فيسبق إلى نفسه الرجاء
وينسى الخشية فذكر ذلك لئلا يغتر مغتر برحمته.
2- أن الرحمة تورث الاتكال فقرنه بالخشية لئلا يتكل على رحمته وينسى عقابه.
3- أن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر ينبغي أن يكون الخوف منه أتم وذلك لئلا يقطع عنه نعمته.
4- وهناك أمر آخر وهو أن جو السورة تشيع فيه الرحمة وذكرها وقد بنيت السورة على العزة والرحمة كما ذكرنا في قوله تعالى (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والعزيز ينبغي أن يخشى فقوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) جمع بين العزة والرحمة.
5- وفيه توجيه إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم فلا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها، فالرحمة وحدها قد تكون ضعفاً وقد يكون الاتصاف بها ذماً ونقصاً، فهو توجيه إلى المربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحم وبين الربوبية والخشية من الرب، وبين الرحمة والعقوبة، ولذا قال تعالى (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) – مريم (45) وقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) – الحجر (49 -50).
جاء في (التفسير الكبير): " وقوله (وخشى الرحمن) فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء، فقال مع إنه رحمن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية فإن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم، مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة.
و(تكملة اللطيفة) هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) حتى قال بعض الأئمة هما علمان: إذا عرفت هذا فالله ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية فقال في موضع (رجو الله) وقال ههنا (وخشي الرحمن) يعنى مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه" (4).
وجاء في (البحر المحيط):" و(خشي الرحمن) أي المتصف بالرحمة مع أن الرحمة قد تعود إلى الرجاء ولكنه مع علمه برحمته هو يخشاه خوفاً من أن يسلبه ما أنعم به عليه " (5).
وجاء في (روح المعاني):"و(خشي الرحمن) أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه مع عظيم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ).
ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه (6).
وقد تقول: ولم قال ههنا (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) مع إنه قال في أكثر من موطن (ويخشون ربهم) من دون ذكر للغيب؟
والجواب أن كل تعبير مناسب لموطنه الذي هو فيه.
ذلك أن قوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) مطلق أي يخشونه خشية مطلقة على كل حال سواء كانت بالغيب أم لا، وقوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) مقيد أي أن الخشية تكون بالغيب أي عند غيبتهم عن عيون الناس وإيضاح ذلك إنه إذا كان المقصود بالغيب أن يخشى ربه وإن لم يشاهده أو أنه يخشى عذابه يوم القيامة فإن الخشية كلها داخلة فيه سواء قال (بالغيب) أم لم يقل، وإذا كان المقصود بالغيب بمعنى الغيبة عن عيون الناس فإن هذه الخشية تكون مقيدة وقوله (يخشون ربهم) من دون ذكر للغيب يكون مطلقاً عاماً أي سواء كان الخاشي أمام الناس أم لا.
وعلى هذا يكون قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) هي حالة من حالات الخشية العامة وهي جزء منها فتلك خشية عامة مطلقة سواء كانت أمام الناس أم لا وهذه مقيدة، فالخشية العامة هي الخشية بالغيب وزيادة.
فإذا كان المقام يقتضي ذكر الخشية العامة من دون تقييد ذكرها مطلقة ولم يقيدها وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) – الأنبياء (48 -49)
وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) - فاطر 18
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) – الملك 1
وقال: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) – ق 32 – 33
وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) – يس11
فهذه كلها ذكر فيها الخشية بالغيب.
في حين قال:
(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) – الرعد 21.
وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) – الزمر (23) فلم يذكر الخشية بالغيب وإنما أطلقها في الموطنين.
أما أية الزمر فإن الأمر فيها واضح إذ لا داعي فيها للتقييد فإنه قال (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) واقشعرار الجلود ولينها ولين القلوب أمر غائب عن الآخرين ولا يشعر به إلا صاحبه أما الآخرون فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا داعي لتقييد الخشية بالغيب.
وأما أية الرعد فإننا نذكر السياق الذي وردت فيه، قال تعالى:
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) – الرعد 19-24
ومن النص يظهر ما يأتي:
1- إنه وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصر عليهم التذكر فقال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) والمعنى إنه لا يتذكر إلا أولو الألباب.
2- ذكر أنهم يوفون بعهد الله وهو وصف عام يشمل الالتزام بجميع الفروض وتجنب المعاصي (7).
3- وأنهم لا ينقضون الميثاق.
4- يصلون ما أمر الله به أن يوصل.
5- يخشون ربهم
6- يخافون سوء الحساب
7- إنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم.
8- أقاموا الصلاة
9- أنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية، وهذا يدل على الخشية بالغيب والزيادة.
10- يدرؤون بالحسنة السيئة.
وذكر جزاءهم على النحو الآتي:
1- أن لهم عقبى الدار وهي جنات عدن يدخلونها هم.
2- ويدخلها معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
3- والملائكة يدخلون عليهم من كل باب.
4- يحبونهم بقولهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وإذا نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وجدنا أنها تشمل جزءاً مما ذكر في آيات الرعد.. فكما أن الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة المطلقة أدرج في مواطن الخشية بالغيب جزءاً مما ذكر في الخشية العامة، فناظر بينهما في الإطلاق والتقييد، والجزئية والكلية، وأليك إيضاح ذلك:
1- ذكر في سورة الأنبياء إنه مما آتى موسى وهارون:
1. ذكراً للمتقين.
2. الذين يخشون ربهم بالغيب
3. من الساعة مشفقون
فما في أية الأنبياء جزء مما ذكر في آيات الرعد، والخشية في الرعد تشمل الخشية بالغيب وزيادة.
2- ذكر في أية فاطر أمرين:
1. يخشون ربهم بالغيب
2. أقاموا الصلاة
3- ذكر في أية الملك:
1. يخشون ربهم بالغيب
4- ذكر في سورة ق:
1. أزلفت الجنة للمتقين.
2. وهم كل أواب.
3. حفيظ.
4. من خشي الرحمن بالغيب.
5. جاء بقلب منيب.
ومن الملاحظ في آيات (ق) هذه أنه لم يذكر أعمالاً بدنية ظاهرة كالصلاة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة وغيرها، وأن الجزاء أقل مما في الرعد.
5- ذكر في سورة يس:
1. اتبع الذكر.
2. خشي الرحمن بالغيب.
وقوله (اتبع الذكر) أمر عام يشمل عموم الإتباع، ونظيره في آيات الرعد (الذين يوفون بعهد الله) فإنه يشمل جميع ما عهد الله في كتبه، فما ذكر في الرعد أكثر تفصيلاً وقد شمل ما في آية يس تفصيلاً على جهة الإحسان في الإتباع وليس مجرد الإتباع.
يوضح ذلك أن الله تعالى قال في صفات المتقين (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وهذا إتباع.
وقال ههنا (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) وهذا من الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع.
وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وهذا إتباع، وقال (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا أمثل في الإتباع وأحسن، وقال ههنا (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) وهذا أعلى وأكمل وأمثل في الإتباع وأحسن مما قبله ذلك إنه لم يعف فقط وإنما درأ السيئة بالحسنة.
ثم إن الجزاء في آيات الرعد أعلى مما ذكر في سورة يس فقد قال في سورة يس (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذكر في سورة الرعد أن لهم عقبى الدار جنات عدن ....الخ
وهذا أعلى مما ذكر في سورة يس فإنه ذكر في سورة يس الأجر ولم يذكر الجنة والأجر لا يعنى الجنة نصاً وإنما هو الجزاء على العمل ويكون الأجر على حسب العمل، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) - النساء (66-68).
فالأجر العظيم هنا لا يعنى الجنة وإنما هو الثواب على العمل ولذلك قال بعدها: (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
وقال (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) – المزمل 20.
إذ لا يصح أن يقال هنا أن الأجر هو الجنة، ألا ترى أنه لا يقال (هو خيراً وأعظم جنة)؟ فما ذكر في آيات الرعد من الصفات والجزاء أعلى وأكمل.
من هذا يتضح أم قوله (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعم وأشمل من قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ).
قد تقول: إنك تعنى أن الذين قيل فيهم قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعلى وأمثل ممن فيهم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) ونحن لا يبدو لنا هذا الأمر.
فنقول: هذا أشمل لأنه يشمل الخشية بالغيب وغيرها، وقد تكون الخشية بالحضور أعلى من الخشية بالغيب عن الناس ذلك أن قسماً من الناس ضعاف النفوس لا يحبون أن يتهموا بالتدين والرجعية والجمود أو بالتعقيد فيتهاون ويعمل أمام الملأ أعمالاً لا ترتضيها نفسه ولو خلى بينه وبين نفسه لم يفعلها، فمثلاً: إن هناك من يقول: أنا لست صائماً تدينا وإنما لأمر يتعلق بالصحة لأنه يخجل أن يقول: أنا صائم تديناً، وآخر يقول: أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً ولكن لأنها مذهبة للعقل والصحة.
وهناك آخرون يفعلون أفعالاً محرمة بدافع المجاملة ونفوسهم تشعر بالإثم والحرج ولو تركوا وأنفسهم لم يفعلوها كشرب الخمر أو غيره من المعاصي كما فالتعالي عن قسم من أهل النار(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) – المدثر (45)، وعن آخر يقول لصاحبه (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) – الزخرف _38)، ونحو ذلك.
فإظهار الخشية من الله أمام هؤلاء أكمل وأمثل وأعلى من الخشية بالغياب عن عيون الناس لأن فيها إظهاراً وتعظيماً لشعائر الله وتقوية لضعفاء الدين وقمعاً للذين يجاهرون بمحاربة الله ورسوله.
وعلى هذا تكون الخشية المطلقة أشمل وأكمل، ومعنى الخشية المطلقة: الخشية بالغيب والخشية بالمشاهدة.
ثم لنلاحظ من ناحية آخري في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أنه ذكر نوعين من العبادة: عبادة ظاهرة وهي قوله تعالى (اتبع الذكر) وعبادة قلبية وهي قوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وذكر نوعين من الجزاء: المغفرة والأجر الكريم.
والمغفرة هي ما يتعلق بالذنوب.
والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح.
فشمل ذلك كل أنواع العمل سواء كان سيئاً أم صالحاً.
فالعمل السيئ مغفور لهؤلاء، والعمل الصالح مكافأ عليه بالأجر الكريم وهو أحسن تقسيم وأنسبه.
جاء في (البحر المحيط): "ولما أجدت فيهم النذارة بشرة بمغفرة لما سلف وأجر كريم على ما أسلف من العمل الصالح وهو الجنة" (8)
وجاء في (روح المعاني): "(فبشره بمغفرة) عظيمة لما سلف وقيل لما يفرط منه، و(أجر كريم) حسن لا يقادر قدره لما أسلف" (9)
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص32 إلى ص40.
- التفسير الكبير 26/47
2- البحر المحيط 7/325
3- روح المعاني 22/217
4- التفسير الكبير 26/47 – 48
5- البحر المحيط 7/326
6- روح المعاني 22/217
7- البحر المحيط 5/382
8- البحر المحيط 7/325
9- روح المعاني 22/317
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ )
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى )
قالوا إن أصول الإيمان ثلاثة:
التوحيد والرسالة والحشر (1)، وقد ذكرها كلها في هذه الآيات، فإن الرسالة تقتضي مرسلاً وهذا يدل على التوحيد وقد نص على ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
وقد ذكر الرسالة بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ).
وقوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) يدل على الحشر.
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح ذلك أن عاقبة الإنذار والتبشير اللذين ذكرهما قبل هذه الآية بقوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ) و( ِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) إنما تكون في الحياة بعد الموت فكان ذكرها ترغيباً وترهيباً وهو أنسب شيء.
جاء في (التفسير الكبير): "في الترتيب وجوه.
أحدهما أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر.
وثانيها وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله (فبشره بمغفرة) ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيى الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين.
وثالثها إنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى" (2).
وجاء في (روح المعاني): " (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) الخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفقين بالإنذار ترهيباً وترغيباً ووعيداً ووعداً" (3).
وقد أكد الضمير المتقدم بــ(إن) مع ذكر ضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر وللتقوية ذلك أن الله وحده هو الذي يحيى الموتى لا غيره ولا يشاركه في هذا أحد فقدم الضمير لذلك وأعنى الضمير المؤكد بـ (إن)، وكان الأصل أن يقال من غير توكيد: نحن نحيى الموتى، ولكنه أكد الضمير بــ (إن) وجاء بضمير الفصل توكيداً وتقوية ذلك أن الكفار لا يقرون بالحشر ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت وكانوا يقولون: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) – الجاثية (24)، فأكد هذا الحكم بـ(إن) وبضمير الفصل، فأفاد هذا التعبير حصراً وتوكيداً.
جاء في (روح المعاني): "وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية... وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل، والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) أي إنا نحن نحيى الأموات ببعثهم يوم القيامة" (4).
وقد تقول: ولم لم يؤكد باللام أيضاً كما فعل في موطن آخر فقد قال في سورة الحجر: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) -23؟
والجواب أن كل موطن يقتضي ما ذكر...
فإنه في سورة الحجر من مظاهر قدرته وفصل فيها مالم يذكره في سورة يس، فقد قال في سورة الحجر(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) – 16-23.
في حين لم يذكر شيئاً من ذلك في سورة يس، فاقتضى ذلك أن يذكر اللام توكيداً ومناسبة لمقام التفصيل، فناسب الإيجاز الايجاز والتفصيل التفصيل.
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري إنه فصل في ذكر الحشر في سورة الحجر مالم يفصله في سورة يس، فقد قال في الحجر (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) – (23- 25).
في حين لم يزد في سورة يس على قوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) ثم ينتقل إلى موضوع آخر، فناسب مقام الحشر وذكره بصورة أوسع مما في يس أن يزيد في توكيده.
ومن ناحية ثالثة أن الخطاب في سورة يس قبل وبعد الآية للرسول، ويبدأ ذلك بقوله (إنك لمن المرسلين .... لتنذر قوماً.. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم.... إنما تنذر من اتبع الذكر... فبشره بمغفره) ثم تأتى الآية بعدها (وأضرب لهم مثلاً ..)
في حين أن الخطاب في الحجر لعموم الخلق كما هو ظاهر، ولا شك أن عموم الخلق بهم حاجة إلى تأكيد الحشر أكثر من الرسول (صلى الله عليه وسلم) فناسب ذلك الزيادة في التأكيد في آية الحجر من كل وجه والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص40 إلى ص42.
1- أنظر التفسير الكبير 26/48، البحر المحيط 7/325
2- التفسير الكبير 26/48
3- روح المعاني 22/218
4- روح المعاني 22/218
يرنامج لمسات بيانية
ما الفرق بين قوله تعالي : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } و { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } ؟
الجواب : معني ( وقع القول ) : حصل وحل , والمراد بـ ( القول ) ما نطق من الآيات الكريمة بمجئ الساعة , وما فيها من فنون الأهوال , وقد يراد بالوقوع دنوه واقترابه .
فمعني { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } : حل بهم العذاب وحصل ما ذكره القرآن من مجئ الساعة وأهوالها .
واما ( حق القول ) فمعناه : ثبت لهم العذاب ووجب , وإن لم يكن قد وقع . قال تعالي في قريش : { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [ يس : 7 ] .
وقد يكون العذاب في الدنيا , كما قال تعالي : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } [ الاسراء : 16 ] .
فقوله : { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } قد يكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة .
واما قوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ } فلم يرد في القرآن إلا في الآخرة أو قبيل الساعة .
وقد ورد هذا التعبير في موطنين من القرآن الكريم , وهما قوله تعالي : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } [ النمل : 82 ] . وهذا حين مشارفة الساعة وظهور أشراطها , وحين لا تنفع التوبة . وقوله : { وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ } [ النمل : 85 ] . وهذا في الآخرة . فقوله : { وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } أقرب إلي الحصول من { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم