برنامج لمسات بيانية
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ
الحسرة أشد الندم والغم يركب الإنسان حتى يكون حسيراً منقطعاً لا يستطيع فعل شيء لتدارك ما فاته. جاء في (لسان العرب) "الحسرة أشد الندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه"(1).
وقال الزجاج: "الحسرة أمر يركب الإنسان من كثرة الندم على ما لا نهاية له حتى يبقى حسيراً"(2).
و "الحسرة على ما قال الراغب الغم على ما فات والندم عليه كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه"(3).
ومعنى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) على أشهر الأقوال أنه نداء للحسرة مجازاً أي أقبلي يا حسرة فهذا وقت حضورك. جاء في (الكشاف) في قوله (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) "نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين"(4).
ويقوي الدلالة على النداء قوله تعالى وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًالَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) – الفرقان (13، 14) وقوله وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - الانشقاق (10، 11).
ومعنى دعاء الثبور مناداته للحضور بأن يقولوا: واثبوراه أو يا ثبوراه، أي احضر يا ثبور فهذا وقتك وحينك.
والثبور الهلاك(5).
ولا يقصد حقيقة النداء ولكن المقصود بيان أن العباد أوقعوا أنفسهم في أمر عظيم لا يستطيعون منه مخرجاً تركبهم منه الحسرة مركباً عظيماً لا تفارقهم، وينالهم من الغم والندم ما يملأ نفوسهم فليس في نفوسهم مكان لغير الكرب والندم وليس فيها موضع استرواح رائحة أمل ولا تنسم نسمة فرج. فهم متحسرون نادمون منقطعون لا تفارقهم الحسرة والندم والغم أبد الآبدين.
وعبر بذلك تفظيعاً لما يصيبهم وهو نظير قولنا عن شخص وقد عمل عملاً نعلم أنه سيلحقه منه خسران كبير: يا خسارته، يا ويله مما سيحصل. نقول ذلك استفظاعاً لما يصيبه واستعظاماً له. والعباد هم المكذبون بالرسل المستهزئون بهم.
جاء في (التفسير الكبير): "من المتحسر؟
نقول فيه وجوه:
(الأول) لا متحسر أصلاً في الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.
وههنا بحث لغوي، وهو أن المفعول قد يرفض رأساً إذا كان الغرض غير متعلق به، يقال (إن فلاناً يعطي ويمنع) ولا يكون هناك شيء معطى إذ المقصود أن له المنع والإعطاء. ورفض المفعول كثير. وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل. والوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت.
(الثاني) أن قائل (يا حسرة) هو الله على الاستعارة تعظيماً للأمر وتهويلاً له حيث يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني.
أو نقول: ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى (قال يَا حَسْرَةً) بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار"(6).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "(يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) أي يا ويل العباد. وقال قتادة (يا حسرة على العباد) أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله"(7).
وجاء في (روح المعاني): "ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الإفهام نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر ففيه من المبالغة ما فيه"(8).
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
وهذا بيان سبب الحسرة والندم.
قوله (مِنْ رَسُولٍ) يفيد الاستغراق والمعنى أنه لم يسلم رسول من الاستهزاء.
وقد تقول: ولم قال ههنا (مِنْ رَسُولٍ) وقال في الزخرف (من نبي)؟
فنقول: إن كل لفظة ناسبت الموطن الذي وردت فيه.
فقد قال في الزخرف وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ - (6، 7).
فقوله (وَكَمْ أَرْسَلْنَا) يفيد التكثير فإن (َكَمْ) هذه خبرية وهي تفيد التكثير. والأنبياء أكثر من الرسل فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً فناسب كلمة (نبي) كم الخبرية. جاء في (ملاك التأويل): "لما تقدم في آية الزخرف لفظ (كَمْ) الخبرية وهي للتكثير ناسب ذلك كله من يوحى إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل. فورد هنا ما يعم الصنفين عليهم السلام"(9).
وتقديم (بِهِ) على الفعل للاهتمام إذ المفروض أن يستقبل العباد رسولهم بالطاعة والاستجابة والإكرام لأنه مرسل إليهم من ربهم ولكنهم استقبلوه بالاستهزاء والسخرية.
وذهب صاحب (روح المعاني) إلى أن هذا التقديم للحصر الادعائي أو لمراعاة الفاصلة. قال و (بِهِ) متعلق بيستهزئون. وقدم عليه للحصر الادعائي وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل"(10).
ومعلوم أن تقديم المعمول على عامله لا يقتصر على معنى الحصر.
نعم إن إرادة الحصر فيه مثيرة ولكن قد يكون التقديم لغير ذلك من مواطن الاهتمام وذلك كقوله تعالى وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - النحل (16) فإن التقديم هنا لا يفيد الحصر إذ الاهتداء لا يقتصر على النجوم بل إن وسائل الاهتداء كثيرة قال تعالى وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - النحل (15) فذكر من وسائل الاهتداء الجبال والأنهار والسبل"(11). والأظهر فيما نرى أن التقديم ههنا إنما هو للعناية والاهتمام ويجوز أيضاً أن يكون لما ذكره صاحب (روح المعاني) والله أعلم.
برنامج لمسات بيانية
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
أي ألم يعلموا كثرة إهلاكنا للأمم الماضية فيتعظوا. و(كَمْ) خبرية تفيد التكثير.
والقرون جمع قرن وهو الأمة.
وفي الآية مسائل:
1- أنه قال أَلَمْ يَرَوْا. وفي مكان آخر قال أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا.
2- وقال ههنا قَبْلَهُمْ وقال في مكان آخر (من قبلهم).
3- وقال ههنا مِنَ الْقُرُونِ فجمع وقال في مكان آخر (من قرن) فأفرد.
4- وقال ههنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ فقدم الظرف على القرون.
وفي مكان آخر قدم القرون على الظرف فقال وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وقال وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
فما سر هذا الاختلاف؟
فنقول:
1- إن معنى (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) (ألم يتبين لهم). ومعنى (ألم تر) و (ألم يهد لك) متقاربان إلى حد كبير ولكن القرآن خص كل تعبير بموطن. فقد استعمل الرؤية في نحو هذا في موطنين وهما آية يس هذه. والموطن الآخر قوله تعالى في سورة الأنعام أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6).
واستعمل (أَلَمْ يَهْدِ) في موطنين أيضاً وهما قوله تعالى في سورة السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26). وقوله في سورة طه أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (128).
والملاحظ أنه يستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية فيقول أَلَمْ يَرَوْا ولعل ذلك لأن عقوبات الدنيا يمكن أن ترى آثارها.
أما في سياق الآخرة وأحوالها وعقابها فيستعمل (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) ولعل ذلك والله أعلم أنه من باب الهداية العقلية والتبصر وهو ألصق بالهداية والتبين من الرؤية.
وإليك إيضاح ذلك.
فإنه بعد أن ذكر عقوبة أهل القرية في يس بقوله إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ قال أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.
وقال في سورة الأنعام فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ - (5). فحذرهم. ثم ذكر الآية أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا.... بعدها وفيها قوله فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ثم يلفت نظرهم إلى ما أوقعه من عقوبات على الأمم المكذبة قبلهم وذلك نحو قوله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ - (10، 11). فأنت ترى أن الآية ذكرت في سياق العقوبات الدنيوية فذكر (أَلَمْ يَرَوْا).
وأما قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ فقد جاء في سياق أحوال الآخرة. قال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - السجدة (18 – 20).
وقال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ... .
فقال (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق ذكر أحوال الآخرة.
وكذلك الحال في آية طه فقد قال تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ....
فقال (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق أحوال الآخرة أيضاً ولم يذكر شيئاً من العقوبات الدنيوية.
3- وأما قوله (قَبْلَهُمْ) و (مِنْ قَبْلِهِمْ) فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية فتفيد الزمن الذي قبل المعنيّين بالضمير مباشرة فما قبله. وأما (قَبْلَهُمْ) فيفيد الزمن القريب والبعيد كما هو معلوم. فقوله (كم أهلكنا من قبلهم) فيه تهديد وتوعد أكبر من قوله (قَبْلَهُمْ) من دون (مِنْ) وذلك لأن إهلاك القريب أدعى إلى الموعظة والعبرة من إهلاك البعيد، وهو أشد تأثيراً في النفوس. فكلما كان الهالك أقرب زمناً إلى الشخص كان أدعى إلى الموعظة من ذوي الأزمان السحيقة. ولذلك هو يستعمل (مِنْ قَبْلَهُمْ) في مواطن التهديد والتوعد الشديد. وإليك بيان ذلك:
قال تعالى في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.
وقال في السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ - (26، 27).
ولو نظرنا في سياق الآيتين لأتضح لنا أن التهديد في السجدة أكبر وأشد ما في يس وذلك من جملة نواح، منها:
1- أنه قال في السجدة (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) أي يمرون ويمشون فيها ويبصرونها وذلك أدل على التوعد وأدعى للموعظة والعبرة. فإن دخول مساكن المهلكين والمشي فيها يبعث أثاراً عميقة في النفس. والتهديد بأن مصيرهم كمصير أولئك أوضح.
2- قال في السجدة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ ولم يقل مثل ذلك في يس.
3- أنه عقب بعد ذلك بقوله أَفَلَا يَسْمَعُونَ تقريعاً لهم، أي لا يسمعون حديثهم وأخبارهم؟
4- ثم قال بعدها أَفَلَا يُبْصِرُونَ زيادة في التقريع.
5- وقد تهددهم وتوعدهم قبل هذه الآية بأن يذيقهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة بقوله وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
- (21) ولم يقل مثل ذلك في يس.
6- ذكر من آثار رحمة الله ونعمه عليهم في سورة يس من إخراج الحبوب وإنشاء الجنات وتفجير العيون ما لم يذكره في سورة السجدة فإنه لم يذكر في السجدة إلا إخراج الزرع الذي يأكل منه الأنعام والناس.
فكان المقام والسياق في السجدة يدل على التهديد والتوعد أشد مما هو في سورة يس فجاء بـــ (قَبْلَهُم) في يس و (مِنْ قَبْلِهِمْ) في السجدة.
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - (3).
وقوله في سورة (ق): وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ - (36).
فقال في (ص): مِن قَبْلِهِم، وقال في (ق) قَبْلَهُمْ.
ومن النظر في السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين يتضح أن التوعد والتهديد في (ص) أشد مما في (ق)، فإنه في (ق) لم يزد على أن قال بهد هذه الآية إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ - (37) ثم انتقل إلى أمر آخر ثم إلى الحشر في الآخرة.
وأما في (ص) فإن السياق يختلف فقد ذكر من موجبات توعدهم ما لم يذكره في (ق). فقد قال بعد هذه الآية: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌأَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌأَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ. من (4 – 8).
1- فقد ذكر أنهم قالوا: هذا ساحر كذاب.
2- وتعاهد الملأ على نصرة الآلهة وتواصلوا بذلك.
3- وقالوا إن ما أتى به الرسول إنما هو اختلاق وكذب.
4- وعجبوا كيف ينزل عليه الذكر من بينهم.
في حين لم يزد في (ق) على أنه قال بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) واستبعدوا البعث بقولهم أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3).
وليس في مثل تلك الخصومة والمواجهة.
وعلاوة على ذلك فقد توعهدهم بالعذاب بقوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أي لم يذوقوه بعد وسيذوقونه.
ثم تهددهم مرة أخرى بقوله وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ - (15).
فالفرق بين المقامين واضح. فإن موقف الكفار من الرسول في (ص) أشد وكان تهديده لهم اشد فقال في (ص) (مِن قَبْلِهِم) وقال في (ق) (قَبْلَهُمْ).
فاتضح الفرق بين قوله كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ و مِن قَبْلِهِم.
وهناك أمر آخر حسّن قوله (قَبْلَهُمْ) في سورة يس إضافة إلى ما ذكرناه وهو أنه قال في ختام الآية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وذلك ليدل على أن الأمم لا ترجع إلى الدنيا وإن تطاول عهدها بالفناء وابتعد زمانها وأن الأمم الهالكة جميعها لا تعود إلى الدنيا وليس ذلك مختصاً بما زمنه قريب منهم فإنه لم ترجع أمة أبيدت وأهلكت منذ أول الدنيا إلى الآن ولن ترجع إليها في المستقبل وإنما سيجمعها ربها ويرجعها إليه. وهذا أدعى إلى حذف (من) ليشمل جميع الأمم ابتداء من أول الدنيا.
3- وأما تقديم الظرف (قَبْلَهُمْ) على (الْقُرُونِ) أو تأخيره عنها بحسب القصد فإنه إذا أراد تهديد المشركين قدم (قَبْلَهُمْ) فيقول مثلاً أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. وإن لم يرد ذلك قدم القرون على الظرف فيقول مثلاً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17) أووَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13).
فتقديم ما يتعلق بهم وهو الزمن المضاف إليهم يعني تهديدهم بخلاف تأخيره فإنه لا يفيد ذاك. وكل ما ورد بقصد التهديد تقدم فيه الظرف على القرون نحو قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ وقوله وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا وذلك في ثمانية مواطن من القرآن الكريم.
وقدم القرون على الظرف (قَبْلِهِم) في موطنين وهما:
قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17).
وقوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13).
أما قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فليس الموطن موطن تهديد لقوم الرسول وإنما الكلام على من بعد نوح من القرون. قال تعالى مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًاوَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًاكُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - (15 – 20).
فليس المقام مقام تهديد لقوم الرسول خاصة.
وأما قوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا فهو ليس تهديداً لهم أيضاً كما أنه ليس السياق أو المقام في ذلك. قال تعالى:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ - (13، 14).
ويدل على أن المقام ليس مقام تهديد بالإهلاك قوله تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فالمقام في جعلهم خلائف من بعدهم لا في إهلاكهم.
فاتضح الفرق.
4- وأما إفراد القرون وجمعها بعد (كَم) فإن ذلك إنما يكون لغرض فإنه يفرد إذا كان يريد ذكر صفة القرن المهلك أو حالة من حالاته أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق.
ويجمع إذا لم يرد ذلك وإنما يريد ذكر المجموع على العموم، أو يريد أن يبين أن هذه القرون المهلكة سيحييها ربها ويجمعها أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق.
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6).
فهو ذكر صفة القرن الذي أهلكه بقوله:
1- مكنّاهم في الأرض ما لم نكن لكم.
2- أرسلنا السماء عليهم مدراراً.
3- وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم.
ثم ذكر بعد ذلك أنه أنشأ بعده قرناً آخرين. فأهلك قرناً وأنشأ بعده قرناً آخر.
فناسب ذلك الإفراد.
وقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا - مريم (74).
فوصف القرن المهلك بأنه أحسن أثاثاً وأحسن منظراً.
وقال في (ق) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ - ق (36).
فذكر صفة القرن بأنهم بطشاً من الكفرة في زمن الرسول وأنهم تقلبوا في البلاد.
وقال في (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - ص (3).
أي فجأروا وصاحوا وصرخوا واستغاثوا.
فذكر حالتهم هذه عند الإهلاك.
وقد تقول: ربما كان هذا شأن المهلكين جميعاً.
فنقول: ليسوا كلهم كذلك بدليل قوله تعالى في سورة يس في أصحاب القرية إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
وقال في آخر سورة مريم وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
والسياق يقتضي الإفراد ذلك أنه قال قبل هذه الآية وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا - مريم (93 – 95).
فأنت ترى أن السياق في الإفراد فقد ذكر أنه سبحانه أحصى كل من في السماوات والأرض واحداً واحداً وعّدهم عدّا وأن كل واحد منهم سيأتيه يوم القيامة فرداً.
فناسب ذلك الإفراد. فأفرد القرن لذلك والله أعلم.
في حين قال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. – يس (31).
وقال: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26).
وقال: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - طه (128).
وقال:وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا - الإسراء (17).
فذكر القرون على العموم من دون تخصيص قرن منها أو مجموعة منها بأمر معين.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه قد يذكر القرون مجموعة في مقام ذكر الآخرة لأنه سيحييها ويجمعها فقال في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فذكر أنه سيجمعها كلها ويحضرها لديه سبحانه.
وقال في سورة السجدة: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (25، 26).
فذكر سبحانه أنه يفصل بينهم يوم القيامة.
وقال في سورة طه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (124 – 128).
فأنت ترى أنه ذكر في القرون مجموعة في هذه الآيات في سياق ذكر الآخرة.
أو يكون السياق يقتضي الجمع لأمر آخر وذلك نحو قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا فأنت ترى أنه ذكر القرون من دون وصف لها وقد أراد بيان كثرة القرون المهلكة المتطاولة من بعد نوج. ثم إن السياق لم يخل من إشارة إلى الآخرة. فقد جاء بعد هذه الآية.
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - الإسراء (18 – 20).
وقد تقول: إن صيغتي الجمع والإفراد كافيتان في التفريق بينهما ولا حاجة إلى هذه الإطالة.
فنقول لولا ورودهما بعد (كم) الخبرية لم نكلف أنفسنا بتسويد سطر واحد ولكن المفرد بعد (كم) الخبرية لا يدل على الواحد وإنما يدل على الكثرة، فتقول (كم رجل أكرمت) لا يدل على أنك أكرمت رجلاً واحداً وإنما يدل على إكرام الكثير، فكان المفرد ههنا دالاً على الجمع فاقتضى التفريق بينهما. والله أعلم.
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
والمعنى ألم يروا أنهم لا يرجعون إليهم؟
وقدم الجار والمجرور (إِلَيْهِمْ) لإرادة الاختصاص أي لا يرجعون إليهم بل إلينا.
وفيه إمداح إلى الحشر والحياة بعد الموت. وأكد ذلك بالآية وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فقد أثبت الحشر ضمناً بتقديم الجار والمجرور وصرح بذلك في الآية بعدها.
ونفى بـــ (لَا) دون (لم) للدلالة على أن الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية لا يكون أصلاً لا في زمن المخاطبين ولا في المستقبل. ولو نفاه بـــ (لم) لكان نفى الرجوع في الماضي دون المستقبل.
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
لما بيّن أن المهلكين لا رجعة لهم إلى الدنيا ذكر أنهم كلهم راجعون إليه محضرون لديه. وفي الآية تنبيه على أن من أهلكه الله في الدنيا وعاقبه لا يتركه سدى بل سيرجعه إليه ويحاسبه ويعاقبه. جاء في (التفسير الكبير): "لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه. بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب"(1).
و (وَإِنْ) نافية و (لَمَّا) بمعنى (إلا).
و (كُلٌّ) مبتدأ وخبره (جميع). وليست (جميع) ههنا بمعنى (كل) وإنما معنى (جميع) ههنا (مجموعون) فهي فعيل بمعنى اسم المفعول. والمعنى أن كلهم مجموعون محضورون. و (جميع) قد تكون بمعنى مجموعين وبمعنى مجتمعين تقول: قوم جميع أي مجتمعون(2). وتقول: (الطلاب جميع) أي الطلاب مجتمعون. و (نحن جميع) أي مجتمعون فهذا كلام تام.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بجميع ومعناها واحد؟
قلت: ليس بواحد لأن كلا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد.
والجميع معناه الاجتماع وأن المحشر يجمعهم. والجميع فعيل بمعنى مفعول يقال: حي جميع وجاءوا جميعاً(3).
والمقصود بـــ (مُحْضَرُونَ) أنهم محضرون للحساب، و (لَدَيْنَا) ظرف قدم على متعلقة (مُحْضَرُونَ) لإفادة الحصر بمعنى أن الإحضار لديه وليس لدى غيره. وهو نظير تقديم الجار والمجرور في قوله أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.
و مُحْضَرُونَ إما خبر ثان أو نعت لـ (جَمِيعٌ) على المعنى ويصح إفراده حملاً على اللفظ فيقال (وإنْ كل لما جميع لدينا محضر) كما قال تعالى أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ - القمر (44).
وقد تقول: ولم حمل على المعنى في يس وحمل على اللفظ في القمر؟
فنقول: لما ذكر القرون المهلكة الكثيرة في يس ناسب أن يجمع فيقول أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُحْضَرُونَ.
أما في سورة القمر فإنهم فريق واحد أو جمع واحد وليس جموعاً كما قال تعالى بعدها سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فناسب ذلك الإفراد.
ثم إن الانتصار إنما هو وصف للفريق كله أو للجمع كله وليس لكل فرد. فيقول الفريق المنتصر أو الجيش المنتصر (نحن انتصرنا) أو (جيشنا انتصر). ولا يقول الجندي: أنا انتصرت. فالنصر وصف للمجموع لا لكل فرد على حدة فوحد الوصف لأنه وصف للفريق أو للجمع لا لأفراده واحداً واحداً. بخلاف الإحضار للحساب أمام الله فإن كل فرد سيحضر أمام ربه ويمثل للحساب كما قال تعالى وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا فناسب الجمع في يس من جهة أخرى.
وقد تقول: ولم قال إذن في سورة الشعراء وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - الشعراء (56) فجمع ولم يفرد؟
والجواب أن ذلك لأكثر من سبب ويدلل عليه السياق قال تعالى فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - (53 – 46).
فإن فرعون أرسل في المدائن المتعددة أناساً يحشرون الناس ويجمعونهم يبلغونهم قرار فرعون المذكور فهم جموع متعددة لا جمع واحد فناسب الجمع من جهة.
ومن جهة أخرى لم يقل (وإما لجميع حاذر) لأنه لم يرد أن يجعل الحذر وصف الفريق على العموم بل أراد أن يجعله وصفاً لكل لفرد فكل فرد بعينه ينبغي أن يكون حاذراً فهو ليس مثل (نحن جميع منتصر) الذي هو وصف الجمع لا وصف الأفراد.
فإن هذا وصف كل فرد في المجموع.
فناسب الجمع ههنا.
فأتضح أن كل تعبير هو أنسب في مكانه. والله أعلم.
إِ(نْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر غير خاف على أحد، و(مبين) معناه مظهر لنفسه لا يحتاج أن يظهره أحد.
فإن الضلال على قسمين:
ضلال خفي لا يعلمه إلا ذوو البصيرة والعلم وهذا يحتاج إلى إيضاح وتبيين.
وضلال مبين أي مبين عن نفسه لا يحتاج إلى أن يظهره أحد أو يبينه شخص فإنه يبين نفسه بنفسه وهو أظهر من كل إظهار وأبين من كل تبيين، فجعلوا أمرهم بالإنفاق من الضلال المبين الظاهر الذي يظهر نفسه.
وقد أخرج الكلام على جهة القصر أي لستم إلا في الضلال ولستم في شيء آخر وهذا يختلف عن القول (أنتم في ضلال مبين) فإن ذلك أي القصر أكد فإنه يفيد أنهم ليسوا في غير الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "قد ذكرنا أن قوله (إن أنتم إلا) يفيد ما لا يفيد قوله (أنتم في ضلال) لأنه قد يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال.
(البحث الثالث) وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه إنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفي على أحد أنه ضلال" (1)
ثم نفي بــ(إن) ولم ينف بــ(ما) لأن (إن) أكد في النفي من (ما)" (2) ينظر معاني النحو 4/576 وما بعدها
وقال (في ضلال) فاستعمل (في) وهو حرف يفيد الظرفية أي ما أنتم إلا مغمورون في الضلال ساقطون فيه كمن يسقط في اللجة.
وقد لاحظ المفسرون أن القرآن يستعمل (على) في الهداية ويستعمل (في) في الضلال ونحوه فيقول (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) البقرة 5.
ويقول (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) هود 28 فاستعمل (على) في هذا المعنى للدلالة على تمكنهم من الهداية، واستعلائهم على الطريق، في حين قال (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) –المؤمنون 54(وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الأنعام 110 (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) التوبة 45 أي كأنهم ساقطون في ذلك لا يتبينون ما حولهم ولا هم متمكنون من أنفسهم ولذا قال تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) سبأ 24 فأستعمل (على) مع الهدى و(في) مع الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "إن قوله (في ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين، وقوله في مواضع: على بينة وعلى هدى إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه ". (2)
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص170 إلى ص171
1- التفسير الكبير 26/85
2- التفسير الكبير 26/85
(هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جواباً عن سؤالهم ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين أو أن يكون كلام الكافرين (1) فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم الجميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول.
فإن قيل: إن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) سؤال عن الذي بعثهم، وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) ليس جواباً عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ليس سؤالاً حقيقياً عن الذي بعثهم وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم يدل على ذلك قولهم (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) .
فكان الجواب بما هو الأولي وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله (هذا ما وعد الرحمن) أي أن الرحمن هو الذي بعثكم.
وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسراً مبتئساً: كيف وصلت إلى هذه الحال؟ فنقول له: هذا بسوء عملك.
وهو ليس جواباً عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟
فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: من بعثنا من مرقدنا سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جواباً؟
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم (من بعثنا) أين يكون؟
نقول: لما كان غرضهم من قولهم (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً، كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلنى لان؟
فله أن يقول (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب (3).
وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم لكن عدل إلى ما ذكر تذكيراً لكفرهم وتقريعاً لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل، وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعنى لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع وفيه من تقريعهم ما فيه (4)
و(ما) في قوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي هذا الذي وعده الرحمن، ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن.
أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به، وجوزوا أيضاً أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين.
وإن كانت اسماً موصولاً كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون، جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق فما وجه قوله (وصدق المرسلون) إذا جعلتها موصولة؟
قلت: تقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال ومنه: صدقني سن بكره" (5)
وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ-) 22
‘ن هذه الآية بمقابل قوله (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا.
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) بمقابل قولهم (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ).
وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بمقابل قولهم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )
والسخرية والاستهزاء بقولهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ )يقابله الندم والحسرة بقولهم (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)
وقوله (يَقُولُونَ) في الدنيا يقابل قوله (قالوا) في الآخرة.
ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين.
ثم لننظر من ناحية آخري أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما:
السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟
والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟
وأن قوله تعالى (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) جواب عن السؤالين معاً
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟
فقال: هذا هو.
وجواب عن السؤال الآخر من جهة آخري فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن.
ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضاً بقول أصحاب القرية (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) .
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) رد على قولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل.
وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) رد على قولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ)
وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى في أول السورة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) .
فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) وقال ههنا (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ، هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين.
ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله (متى هذا الوعد) مصدر بمعني اسم المفعول أي الموعود به، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (متى هذا الوعد) أي متى يقع الموعود به" (6)، وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7).
فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات.
وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) إجابة عن المصدر وعن الذات، فإن كانت (ما) اسماً موصولاً فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات.
وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد، فجاء بـ(ما) ولم يأت بــ(الذي) ليشمل المعنيين معاً.
ثم إنه جمع بقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بين الوعد والصدق كما في قوله تعالى (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) الأحقاف 16.
وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب:
منها أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن لأن هذا وقت رحمته التامة بهم يدخلهم في رحمته كما قال تعالى (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) آل عمران 107.
وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعاً في رحمته.
جاء في(روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة وهم لم يلقوا له بالاً ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه، وقيل آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم...
وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضاً، وآثروا اسم الرحمن طمعاً في أن يرحمهم وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (8)
هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيراً ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها.
قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) – مريم 61.
وقال: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) - طه108
وقال: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) – طه 109.
وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) يس52
وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) – النبأ 37.
وقال: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) – النبأ 38
وقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) مريم 69.
وقال: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) مريم 85
وقال: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) مريم 87
وقال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم 93
وقال: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) الفرقان 26
هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها.
قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) يس 11.
وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) يس 15
وقال: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ) 23
وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52
وقال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) 5)
وقال: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) 58
وقال: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) 44
وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) 45.
وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم.
وذلك كقوله تعالى (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) النساء 95
وقوله :(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) المائدة 9
وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) التوبة 68
وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) التوبة 72
وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟
فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور وذلك في عشر سور من القرآن الكريم.
وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة وذلك في سورتي مريم ويس، أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة وأما سورة يس فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات، فناسب هذا الاختيار من كل وجه.
وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله وما أسند إلى الرحمن؟
فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلاً (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) أو (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) فهو وعد خاص.
أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقاً للرحمة التي يحققها اسم الرحمن قال تعالى (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحاً كما في الآية السابقة، قال تعالى ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) مريم 60،61.
وقال في سورة يس (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائماً وذلك في اثني عشر موضعاً من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما.
وسبحان قائل هذا الكلام.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص185 إلى ص192
1- ينظر الكشاف 2/560
2- الكشاف 2/590
3- التفسير الكبير 26/90
4- روح المعاني 23/33
5- الكشاف 2/590
6- التفسير الكبير 26/86
7- البحر المحيط 7/340
8- روح المعاني 23/33
(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ)
يحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفاً وهو إخبار جديد عنهم مع أزواجهم فيكون (هم) مبتدأ وما بعده خبراً.
ويحتمل أن يكون (هم) تأكيداً للضمير المستتر في (فاكهون)، و(أزواجهم) معطوفاً عليه على معنى (إن أصحاب الجنة في شغل فاكهون هم وأزواجهم)
كما تقول: مررت برجل قائم هو وزيد
فعلى هذا التقدير يكون المعنى إن أصحاب الجنة مع أزواجهم في شغل فاكهون فالأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه.
ثم أخبر عنهم جميعاً أنهم في ظلال على الأرائك متكئون.
والفرق بين التقديرين أنه على التقدير الأول أي على إعراب (هم) مبتدأ يكون المعنى على النحو الآتي:
(إن أًصحاب الجنة في شغل فاكهون) فلم يذكر أن أزواجهم في شغل فاكهون وإنما يدل عليه العموم باعتبار أنهن من أصحاب الجنة .
ثم أخبر عنهم وعن أزواجهم بقوله (هم وأزواجهم في ظلال...) فأخبر عنهم جميعاً بأنهم في ظلال وأنهم متكئون على الأرائك، فهذا إخبار عنهم بالنص، والأول إخبار من حيث العموم.
وعلى التقدير الثاني يكون المعنى.
(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ )
ثم أخبر عنهم جميعاً بأنهم في ظلال على الأرائك متكئون.
فعلى التقدير الأول يكون الكلام جملتين:
الجملة الأولى: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون.
والجملة الثانية: تفسر هذا الشغل وتبينه وهي قوله (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون).
وعلى التقدير الثاني يكون الكلام جملة واحدة وأخبار (إن) متعددة وهي (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم) (في ظلال) (على الأرائك متكئون).
وعلى التقديرين تكون الأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه غير أنه على أحد التقديرين تكون الدلالة بالمعنى العام، والتقدير الآخر تكون الدلالة بالنص.
جاء في (الكشاف): "(هم) يحتمل أن يكون مبتدأ أو أن يكون تأكيداً للضمير في شغل وفي فاكهون على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال" (1)
وجاء في (البحر المحيط): "ويجوز في (هم) أن يكون مبتدأ وخبره (في ظلال) و(متكئون) خبر ثان، أو خبره (متكئون) وفي ظلال متعلق به، أو يكون تأكيداً للضمير المستكن في (فاكهون)، و(في ظلال) حال، و(متكئون) خبر ثان لإن، أو يكون تأكيداُ للضمير المستكن في شغل المنتقل إليه من العامل فيه، وعلى هذا الوجه والذي قبله يكون الأزواج قد شاركوهم في التفكه والشغل والاتكاء على الأرائك وذلك من جهة المنطوق.
وعلى الأول شاركوهم في الظلال والاتكاء على الأرائك من حيث المنطوق وهن قد شاركنهم في التفكه والشغل من حيث المعنى (2)"
وقد تقول: ولم قال في الجملة الأولى (إن أصحاب الجنة) بإن ولم يقل في الجملة الثانية (إنهم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون) بإن؟
والجواب أنه لو قال ذلك لم يحتمل معنى التوكيد وإنما سيحتمل معنى واحداً وهو (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)
(إنهم وأزواجهم في ظلال....)
فتكون الآية الثانية إخباراً مستأنفاً وليس فيه نص على أن الأزواج يشاركنهم في الشغل والتفكه، فكان التعبير القرآني أولى لأنه يحتمل جميع الوجوه بالنص
والمعنى.
وقد تقول: ولم قدم (على الأرائك) على (متكئون)؟
فنقول: إنه لما قدم الشغل في الآية قبلها ثم قال بعده (فاكهون) قدم مكان الشغل في الآية التالية فقال (في ظلال على الأرائك) وقال بعده (متكئون)، فقابل بين الشغل ومكانه، وبين حالتهم في الموطنين إذ أن هذه الآية مرتبطة بالآية قبلها وهي بيان لما تقدم فيها.
هذا علاوة على فواصل الآي التي تقتضى ذلك من جهة أخرى.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي
الجزء الثاني من ص202 إلى ص204
1-الكشاف 2/591
2- البحر المحيط 7/342
( سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)
أي يحييهم رب العزة قائلاً (سلام عليكم).
قيل: ويحتمل أن يكون معنى (سلام) ههنا: خالصاً لهم لا شوب فيه، أي ولهم ما يدعون خالصاً لهم على أن (ما يدعون) مبتدأ وخبره (سلام).
بمعنى: ولهم ما يدعون سلام خالص لا شوب فيه" (1) قال ذلك رب العزة قولاً يعدهم به، وهذا معنى قوله ( قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (2)
وقد تقول: ولم لم يقل (سلام عليكم)؟
والجواب أنه لم يقل ذلك ليشمل المعنيين: التحية وأنه خالص لهم.
ولو قال (سلام عليكم) لم يحتمل إلا معنى واحداً وهو التحية.
وقد تقول: قال ههنا ( سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)
وقال في فصلت ( نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)
فما الفرق؟
والجواب أننا ذكرنا أن آية يس فيمن هو في الجنة، وأن آية فصلت فيمن لم يدخلها بعد وإنما هو يبشر بها.
فقال في (فصلت) (نزلاً) لأن النزل ما هُيّئ للضيف إذا نزل عليه من طعام ومكان، ومعنى "أقمت لهم نزلاً أي أقمت لهم غذاءهم وما يصلح معهم أن ينزلوا عليه" (3)
ومعنى ذلك أن هذا ما أعده لهم عند نزولهم في الجنة.
وقال (من غفور رحيم) فذكر المغفرة لأن الحساب لم يحصل بعد وهم يخافون من ذنوبهم ويرجون أن يغفرها الله لهم فطمأنتهم الملائكة بقوله (نزلاً من غفور رحيم).
أما آية يس فإنها في أهل الجنة وهم يتنعمون بها وقد انتهي الحساب وليس ثمة معاصٍ أو ذنوب يرجون مغفرتها فقال (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) فذكر كلمة (رب) لأنها الأنسب فالرب هو المربي وهو متولي أمرهم وراعي أحوالهم يرعاهم ويكرمهم وينعمهم، ووصفه بالرحمة لأن رحمته مما يحتاجون إليها البتة، فالجنة هي مستقر رحمته، فلا تنقطع رحمته عنهم أبداُ.
لقد جمع الله في هذه الآيات القليلة كل أسباب السعادة والنعيم وأبعد عنهم كل دواعي الضيق والبرم والملل.
1- فقد ذكر أن أصحاب الجنة في شغل فأبعد عنهم الملل الحاصل من الفراغ والبرم الذي يصدر عنه، فقد يكون الفراغ مملاً يبرم الإنسان به.
2- وليعلم أن هذا الشغل ليس من الشغل المضنى الممل المزعج الذي يرهق صاحبه قال (فاكهون) أي متنعمون متمتعون، فأبعد الملل من الفراغ، والضيق والبرم من الشغل.
3- وأبعد عنهم وحشة الوحدة التي تقتل الإنسان وتدخل الكآبة عليه مهما كان النعيم الذي يتقلب فيه فقال (هم وأزواجهم)، فذكر أحب الصحبة إليهم والصقها بهم وهي التي يفر الإنسان إليها في الأخير، ففي آخر المطاف يترك المرء كل صحبة ثم يعود إلى زوجه، وإذا قصد بالأزواج أمثالهم وقرناءهم فذلك يعم الجميع.
4- وذكر حسن المكان وجماله فقال (في ظلال) مما يدل على الشجر، وهو يعم أيضاً أنواع الظلال ولا يقتصر على ظل من نوع واحد أو ما يكون من شيء واحد.
5- ثم ذكر بهجة المكان ونعيمه وأن فيه أسباب الراحة فقال (على الأرائك)
6- وذكر أهنأ الجلسات والهيئات وأروحها مما يدل على تمام الراحة فقال (متكئون).
7- وذكر فيها ألذ ما يؤكل من الطعام وأهنأه وأدل على سعة العيش وهي الفاكهة.
8- ثم لئلا يظن أن ليس لهم إلا الفاكهة ذكر أن لهم ما يتمنون وما يطلبون.
9- ثم ذكر الأمن والسلام العام فإن الخوف من فقدان هذا النعيم أو تغيره أو حصول شيء مما يكره ينغص العيش فذكر السلام.
10- وقد أطلق السلام ولم يقيده بشيء فشمل كل معاني السلام.
11- ثم أبعد عنهم المجرمين وفصلهم منهم فقال (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي انفصلوا وكونوا على حدة فكان أمن وسلام مطلق.
12- وقال (من رب) أي راع لهم متول أمرهم.
13- ووصفه بالرحمة قائلاً (رحيم) للحاجة إلى الرحمة على كل حال، فكانت السعادة في المكان والخلان وتحقق الأماني والأمان ورعاية الرحيم الرحمن، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص207 إلى ص209
1- الكشاف 3/591، وينظر فتح القدير 4/365
2- ينظر الكشاف 2/591
3- ينظر لسان العرب (نزل) 14/181
( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)
أي انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، ونحوه قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) –الروم 14 وقوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) -الروم 43 ، وقوله (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ) - يونس 28 (1)
وورود هذه الآية بعد قوله (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) من ألطف المناسبات ذلك أن السلام إنما يكون عند خلو المكان من المجرمين فإن كان فيه مجرمون فلا سلام فمازهم من فريق المؤمنين ومكانهم فعمهم السلام.
وقيل: إن معنى قوله (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ )انفردوا بعضم عن بعض فيكون لكل كافر بيت من نار يكون فيه لا يرى ولا يُرى (2(..
جاء في (التفسير الكبير): "(امتازوا) بعضم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ) فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضاً ولا عذاب فوق الفرقة" (3)
قال في (روح المعاني): "ولعل هذا بعد زمان من أول دخولهم فلا ينافي عتاب بعضهم بعضاً الوارد في آيات آخر كقوله تعالى (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) (4)
ويبدو إن صح هذا القول إن التمايز أول ما يكون بينهم وبين المؤمنين ثم يكون بينهم فيما بعد، والله أعلم
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء ص 210
1- ينظر الكشاف 2/591، تفسير ابن كثير 3/576.
2- ينظر الكشاف 2/591، روح المعاني 23/39
3- التفسير الكبير 26/95.
4- روح المعاني 23/39