(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
بعد أن خاطب المجرمين وأمرهم بالانفراد عن المؤمنين خاطب عموم بني آدم وذكرهم بما عهد إليهم من ترك عبادة الشيطان وأمرهم بعبادة الله وحده لأن عاقبة المجرمين تلك إنما كانت بسبب عبادة الشيطان وعدم طاعة الله.
ومعنى (ألم أعهد) - كما يقول المفسرون- ألم أوص، والعهد الوصية وعهد إليه إذا أوصاه (1).
والحقيقة أن ثمة اختلافاً بين العهد والوصية، فإن العهد أقوى من الوصية ذلك أن العهد يكون بمعنى الموثق واليمين يحلف بها الرجل (2).
والفرق بين الذي يعهد والذي يوصي أن العاهد هو صاحب الشأن أما الموصي فقد لا يكون صاحب الشأن فقد يقول لك صديقك: أوصيك بفلان خيراً، وأوصيك ألا تشارك فلاناً في تجارة وأوصيك باستشارة فلان وأخذ نصيحته، فهذه وصية من باب النصح وليس الموصي صاحب الشأن بخلاف ما لو قال: أعهد إليك أمر فلان أي أنزعه من عهدتي إلى عهدتك فتكون أنت مسؤولاً عنه.
ومعنى عهد إليه كلفه وحمله الأمر وجعله مسؤولاً عنه وليست وصي كذلك فالعاهد هو صاحب الشأن الذي بيده الأمر.
ومن هذا يتضح أن العهد أقوى من الوصية.
ولم يسند فعل العهد في القرآن الكريم إلى غير الله تعالى بخلاف فعل الوصية فإنه أسند إلى الله وإلى غيره، قال تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) البقرة 125
وقال: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) - طه 115
وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ)
وقال: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) - آل عمران 183
في حين قال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) - البقرة 132
وقال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) - النساء 12
وقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) - النساء 131
وقد أسند هذا العهد إلى نفسه - شأن غيره من أفعال العهد - لأهمية هذا الأمر وليحملوه محمل الجد والطاعة والعمل به على أتم حال. فلم يبن الفعل للمجهول ولم يسنده إلى الرسل فلم يقل (ألم ُعهد إليكم) أو (ألم يعهد إليكم رسلي) ذلك أن هذا الأمر إنما هو غاية ما خلق له الثقلان فإنهم لم يخلقوا إلا لعبادته سبحانه كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) - الذاريات 56
وعهده إليهم إنما جاء على ألسنة الرسل بما أنزله عليهم سبحانه (3)، ونداؤهم ببني آدم إشارة إلى عداوة الشيطان لأبيهم آدم وإخراجه من الجنة وذلك ليذكروا ويأخذوا حذرهم، ونظير ذلك أن تذكر شخصاً أوقع شخص آخر بأبيه مصيبة فادحة عمداً من شدة بغضه له ثم جاء يشارك ابنه في مال فينصحه ناصح محذراً فيقول له: يا ابن فلان، تذكيراً له وتحذيراً.
جاء في (روح المعاني): "والنداء بوصف البنوة لآدم كالتمهيد لهذا التعليل والتأكيد لعدم جريهم على مقتضى العلم فهم والمنكرون سواء" (4).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص211إلى ص212
1- ينظر الكشاف 2/59، التفسير الكبير 26/96
2- لسان العرب (عهد) 4/305
3- ينظر التفسير الكبير 26/96، روح المعاني 23/40، الكشاف 2/591
4- روح المعاني 23/40
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)
المثل هو ما أوردناه في مطلع تفسير هذه الآيات.
وقوله (َنسِيَ خَلْقَهُ) من لطيف التذكير والاحتجاج فإنه لو كان ذاكراً لم يسأل ولم يعجب.
ولم يكتف بهذا التذكير بل أجاب بحجة ظاهرة ملزمة فقال:
(قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) وهي حجة غنية عن التعليق من حيث الإلزام.
و(عَلِيمٌ) مبالغة (عالم) فلما قال (بِكُلِّ خَلْقٍ) اقتضى ذلك المبالغة في العلم.
"والعدول إلى الاسمية للتنبيه على أن علمه تعالى بما ذكر مستمر ليس كإنشائه للمنشآت"(1).
وقد تقول: ولكنه قال في موطن آخر (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) الأنبياء (81) فقال (عَالِمِينَ) مع (كُلِّ شَيْءٍ) ولم يقل (عليم) مع أن كلمة (شيء) أعم من كلمة (خلق)، فلم ذاك؟
فنقول: إن الله سبحانه وصف نفسه بكل صفات العلم وأحواله فوصف نفسه بأنه (يعلم) أي بالفعل الدال على الحدوث والتجدد. ووصف نفسه بأنه (عالم) أي باسم الفاعل نحو (عَالِمُ الْغَيْبِ) وهو أثبت من الفعل وأدوم. ووصف نفسه بأنه عليم وعلام بالمبالغة فجمع لنفسه كل صفات العلم وأحواله إلا أنه يضع كل وصف أو لفظ في مكانه.
ولو رجعنا إلى السياق الذي ورد فيه قوله تعالى (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) لرأينا أن هذا التعبير هو الأمثل في سياقه ذلك إن هذا التعبير وقع في سياق مسألة خاصة جداً وهي مسألة داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث، وتعليم داود صنعة الدروع وتسخير الريح لسليمان فقال (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81).)
وهذا من أخص الخاص ولا يقاس من حيث العموم والشمول بما ذكره في آيات يس من خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض وغيرها وإحياء الموتى وبعثهم من جديد وذلك يشمل العلم بكل الخلق وذرات ترابهم وما تفرق من أجزائهم.
فناسب (عَلِيمٌ) ما ورد فيه و (عَالِمِينَ) ما ورد فيه.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 274 إلى ص 275
1- روح المعاني 23/55.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)
إن ارتباط هذه الآية بما قبلها ألطف ارتباط ذلك أن الكافر استبعد الإحياء بعد الموت فلفت نظره إلى أمر أدعى إلى الاستبعاد والعجب وهو أن جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً يوقدون منه، وهو أمر مستبعد في المألوف لأن الماء تطفئ النار فذكر قدرته على ما هو مستبعد في تفكيرهم مما يعرفونه ويألفونه.
والمقصود بالشجر هنا عموم الشجر إلا أنه أظهر ما يكون ذلك في شجرتي المرخ والعّفار فيؤخذ قضيب كالسواك من كل شجرة من هاتين الشجرتين فيسحق المرخ على العفار وهو يقطر ماء فتنقدح النار وهو ما يعرفونه ويستعملونه في الوقود وهو أعجب شيء وأبعده في الذهن.
جاء في (الكشاف): "ثم ذكر من بدائع انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار. وفي أمثالهم: (في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار). يقطع الرجل منها غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منها الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى بإذن الله"(1).
وجاء في (البحر المحيط): "ذكر ما هو أغرب من خلق الإنسان من النطفة وهو إبراز الشيء من ضده وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشجر الأخضر. ألا ترى أن الماء يطفئ النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء"(2).
وقال (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) بالفعل ولم يقل (موقدون) بالاسم لأن هذا مما يفعلونه عند الحاجة فجاء بما يدل على الحدوث.
من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 275 إلى ص 276
1- الكشاف 2/595.
2- البحر المحيط 7/348.
برنامج لمسات بيانية
*في سورة الواقعة (عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62)) هل هناك نشأة غير الحياة التي بعد الممات؟ ما اللمسة البيانية في (وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)؟ (د.فاضل السامرائى)
قال سبحانه وتعالى في سورة الواقعة (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)) ما نحن بمسبوقين يعني لا يغلبنا أحد إذا أردنا أن نفعل شيئاً فعلناه لا يغلبنا أحد فيجعلنا نترك هذا الفعل أو يسبقنا إلى أمر.
* ليس معنى (وما نحن بمسبوقين) أن هنالك أحداً كان قبلنا، لا يسبقنا أحد؟
لا يسبقنا أحد، إذا أردنا أن نفعل شيئاً لا سيبقنا أحد فيحول بيننا وبين ذلك الفعل، لا يغلبنا أحد. أليس المتسابق هو الغالب؟ لسنا بمسبوقين يعني لا يغلبنا أحد. إذا أردنا أن نفعل شيئاً فلا يغلبنا أحد فيحول بيننا وبين ذلك الفعل، ليست هنالك قوة أعلى. (عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) نُذهبكم ونأتي بأمثالكم، إن شئنا أن نفعل فعلنا.
* (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)على تقدير الموت أو على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون؟ أم على الاثنين؟
وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم لأن (على) لا بد أن تتعلق بشيء. لا يسبقنا أحد على هذا الأمر.
*وما نحن بمسبوقين على نحن قدرنا بينكم الموت؟
(وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) عطف، هذه جملة جديدة.
* على القصر الذي بدأه في البداية (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) ونحن لسنا مسبوقين على أن نبدل.
(وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) من الخلق والأطوار التي لا تعهدونها، يعني ممكن أن نغير صفاتكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً وننشئكم في صفات لا تعلمونها، ممكن نغيركم. الآن الإنسان له صفات معينة وأطوار معينة ربنا سبحانه وتعالى يمكن أن يغيرها كلها. ننشئكم نشأة أخرى في أطوار أخرى في صفات أخرى لا تعهدونها اصلاً (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ (54) الأعراف).
برنامج لمسات بيانية
قال سبحانه في سورة المجادلة:
﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٢٢﴾ [المجادلة: 22].
وقال في سورة البينة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ٧ جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ٨﴾.
* * *
سؤال:
قال سبحانه في سورة المجادلة: ﴿وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰر﴾.
وقال في سورة البينة: ﴿جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.
فذكر في (البينة) أن ذلك (جزاؤهم) ولم يقل مثل ذلك في آية المجادلة.
وقال في سورة البينة ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ﴾ ولم يذكر الأبد في آية المجادلة.
فلم ذاك؟
الجواب:
الجزاء إنما هو للعمل، ولم يذكر عملًا في آية المجادلة، بل ذكر أنهم لا يوادّون من حادّ الله ورسوله.
في حين قال في آية البينة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾.
فذكر الإيمان والعمل الصالح فقال (جزاؤهم)، والجزاء إنما يكون على العمل.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [التحريم: 7].
وقال: ﴿هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النمل: 90].
وقال: ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 7].
فناسب ذكر الجزاء في آية البينة.
ثم إنه زاد في (البينة) في الصفات والعمل، فذكر الإيمان والعمل الصالح، وذكر أنهم يخشون ربهم فقال: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ﴾.
وذكر أنهم خير البرية.
فلما زاد في الصفات والعمل زاد في الجزاء.
فذكر أن جزاءهم جنات عدن، ولم يذكر في آية المجادلة أنها جنات عدن، بل ذكر أنه يدخلهم جنات.
وقال: ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ﴾ فذكر الأبد، ولم يذكر الأبد في آية المجادلة.
فناسب كل تعبير موضعه.
*ما الفرق بين سنة وعام في قوله تعالى في قصة نوح تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت)؟
د.فاضل السامرائى:
كلمة سنة في القرآن تدلّ عادة على الجدب والقحط ويقال أسنت الناس إذا أصابهم قحط ويقال أصابتنا سَنَة بمعنى جدب وقحط. أما كلمة عام فهي عادة تستعمل في الخير في الغالب. وفي قصة نوح يقول المفسرون أنه لبث في الدعوة 950 سنة مع قومه بشدة وصعوبة وتكذيب له واستهزاء به أما الخمسن عاماً فهي ما كان بعد الطوفان حيث قضاها مع المؤمنين في راحة وطمأنينة وهدوء بعيداً عن الكافرين من قومه الذين أغرقهم الله بالطوفان.
في إجابة أخرى للدكتور فاضل :
أكثر ما يقال في هذه المسألة أن العام يطلق على الخصب والخير والسنة تطلق على الشدة والقحط. وفعلاً كثيراً ما تطلق أصابتنا سنة بمعنى القحط (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ (130) الأعراف) أصابتنا سنة يعني قحط. أسنت الناس يعني أصابهم قحط. يقولون إن نوح عليه السلام عاش عيشة خصب خمسين عاماً لذا ذكرها بالعام والباقي كله مع قومه شدة وتعب، فتلك قال عنها سنة لأن فيها شدة والخمسين عام (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) فالخمسين عام هي الرخاء الذي عاش فيه سيدنا نوح، والسنة فيها شدة.
المقدم: في القرآن أيضاً (فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ (259) البقرة) وفي الكهف (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) الكهف).
لاحظ القرآن لم يجمع كلمة عام، لكن السنين وردت مطلقة لأنه لم يذكر أعوام فالسنين تشكل الجميع، القرآن ثنّى العام فقال عامين ولم يجمع العام (أعوام) وجمع السنة ولم يثنّها ما قال سنتين وقال سنين ولم يقل سنوات.
* هو ثنّى بالحول، هل الحول عام أيضاً؟
الحول لم يرد في القرآن إلا في الطلاق والوفاة.
* هذه خصيصة من خصائص الاستعمال القرآني؟
نعم. لأن لو لاحظنا قرب الاشتقاق الحول معناه حال يحول من حجز (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ (43) هود) وتأتي من التحوّل، حال الشيء يعني تحوّل. والطلاق حاجز والوفاة حاجز، الطلاق تحوّل والموت تحوّل. هذا من أعجب الاستعمالات!.
* عجيب! مع أن العام والسنة والحول الثلاثة بمعنى واحد!
والحجّة لكن استعمالها عجيب.
* (عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص) ؟
لم يقل أعوام.
* حتى في سورة يوسف قال (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا (47)) !
عندما لم يجمع الأعوام السنين قامت مقام العام والسنة، جمع كلها تأتي للشدة لأنه لم يجمع العام لم يقل أعوام
* هل لنا أن نسأل لماذا لم يجمع العام؟ أم أن هذه خصوصية من خصائص الاستعمال القرآني؟ مع أن عام لغة جمعه أعوام.
القرآن ليس كتاب في اللغة يجمع كل ما ورد. جاء لم يأت في القرآن بصيغة الفعل المضارع ولا بصيغة فعل الأمر.
* ورد (جاء) بالماضي فقط. إذن السنة فيها شدة، العام للدلالة على الرخاء وعدم الشدة، الحول لأنه يحول بين شيئين. إذا جمع يأتي بسنين وهي فيها الشدة والرخاء ولهذا قال (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا).
برنامج لمسات بيانية
(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) البروج) يقولون أن قُتل في القرآن تعني اللعنة فهل هذا صحيح؟ إذا كان هذا صحيحاً فما الفرق بين القتل واللعنة في الآية (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) الأحزاب)؟ (د.فاضل السامرائى)
هو دعاء عليهم باللعن والقتل والعذاب. هذا معنى (قُتل) مثل (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الذاريات) (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) عبس) بمعنى عذّبه الله أشد العذاب. ليس هو معنى القتل الموجود الآن (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ (154) البقرة) (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (144) آل عمران) (بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9) التكوير) ليس هذا المعنى وإنما دعاء عليهم بالعذاب والقتل والهلاك.
* هل (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5)) بَدَل؟ نعم بدل.