برنامج لمسات بيانية
(وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)
بعد أن ذكر الأرض واستدل بأحوالها على التوحيد والحشر استدل بالليل والنهار على ذلك فكان استدلاله بالمكان والزمان. فالمكان هو الأرض التي يعيشون عليها والزمان هو الليل والنهار اللذان يتعاقبان عليهم. جاء في (التفسير الكبير): "لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي فإن دلالة المكان والزمان مناسبة. لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر والزمان لا تستغني عنه الأعراض لأن كا عرض فهو في زمان"(1).
وقد تقول: لقد قدم الاستدلال بالأرض على الاستدلال بالليل والنهار، وفي موطن آخر قدم اللي والنهار على الأرض فقد قال في سورة (فصلت):
(وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (37 – 39).
فما السبب؟
والجواب أن السياق في سورة يس هو في الاستدلال على الحشر، وقد وقعت الآية بعد قوله (وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ). والاستدلال بإحياء الأرض الميتة أدل على ذلك من الاستدلال بالليل والنهار وإن كان فيهما استدلال من طريق آخر.
أما الكلام في سورة (فصلت) فهو في توحيد الله وإفراده بالعبادة والنهي عن عبادة غيره. وقد كان قسم من المشركين يعبدون الشمس والقمر ويسجدون لهما فقال (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) فكان تقديم الليل والنهار وآيتيهما اللتين يسجد لهما طائفة من الناس أولى. بل إن السباق هو في عبادة الله وتوحيده. فإنه بعد أن نهى عن السجود للشمس والقمر وعبادتهما ذكر أن الذين عند ربك يعبدون الله ويسبحونه باللي والنهار. بل إن الأرض التي يعيشون عليها إنما هي خاضعة خاشعة لرب العالمين. واستعمال الخشوع أنسب شيء في هذا المقام فإنه المناسب لمقام العبادة(2).
فكان كل تعبير مناسباً لمكانه الذي ورد فيه. جاء في (التفسير الكبير) أن المقصود في سورة (فصلت) "إثبات الوحدانية بدليل قوله تعالى (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ) ثم الحشر بدليل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَ) وههنا المقصود أولاً إثبات الحشر لأن السورة فيها ذكر الحشر أكثر. يدل عليه النظر في السورة وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله تعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى غيره، وآخر السورتين يبين الأمر"(3).
والليل والنهار آية دالة على الموت والنشور فإن الليل كالموت والنهار كالحياة والناس في الليل أموات ينشرهم ربهم في النهار كما أخبر سبحانه بقوله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) الفرقان (47).
فكان ذلك مناسباً للسياق من جهة ثانية. جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فلم اختار الليل حيث قال (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ)؟
نقول: لما استدل بالمكان الذي هو المظلم وهو الأرض وقال (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ) استدل بالزمان الذي فيه الظلمة وهو الليل.
ووجه آخر وهو أن الليل فيه سكون الناس وهدوء الأصوات وفيه النوم وهو كالموت ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) فذكر من الزمانين أشبههما بالموت كما ذكر من المكانين أشبههما بالموت"(4).
ومعنى (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) نزيله منه من (سلخ جلد الشاه) إذا كشطه وأزاله"(5).
ومعنى (مُّظْلِمُونَ) داخلون في الظلام(6) كما يقال: أصبحنا أي دخلنا في الصباح وأعتمنا أي دخلنا في العتمة. والمعنى أن الليل نزيل عنه النهار فيكون الناس في ظلام.
ويفيد هذا التعبير أن الليل مغطى بالنهار ذلك أنه جعل الليل كالشاة ونحوها والنهار كالجلد الذي يغطيها ويعلوها. فيسلخ منه النهار كما يسلخ الجلد فيكون تحته الليل، فجعل الليل أصلاً والنهار غلافاً له أو جلداً.
وقد فهم المفسرون ذلك فقالوا إنه جعل اللي أصلاً. جاء في (البحر المحيط) "واستدل قوم بهذا على أن الليل أصل والنهار فرع طارئ عليه"(7).
وجاء في (روح المعاني): "وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة والنور طارئ عليها يسترها بضوئه"(8).
والأمر كذلك فإن النهار إنما يأتي بسبب الشمس فإن ضوء الشمس يعلو الأرض ويغطيها فيكون النهار فهو يأتي من فوق. فإذا زالت الشمس وذهب ضوئها ظهر الأصل وهي الظلمة فالظلمة هي الأصل والنهار طارئ.
ولم يقل (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون) أو فإذا هم (منهرون) أي داخلون في النهار لأن ذلك لا يصح لأن معنى ذلك أن الليل يأتي من فوق ويغطي النور فإذا زال الليل ظهر النور الذي تحته وهو ضوء الأرض وهذا لا يصح لأن الأرض مظلمة وليست مضيئة.
ثم من المعلوم أن الضوء هو الذي يزيل الظلمة وليست الظلمة هي التي تزيل النور وتمحوه. ولو قال (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون) لكان يعني أن الظلمة تزيل النور ولا يصح ذلك.
وقال (نَسْلَخُ)بإسناد الفعل إلى نفسه ولم يقل (ينسلخ) ليدل على أن ذلك يجري بفعل الله وقدرته ولم يحصل من نفسه من دون تدبير مدبر ولا فعل فاعل فيكون ذلك آية على توحيد الله وقدرته.
وقال (فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) ولم يقل (فإذا الأرض ظلمة) ليبين أثر ذلك فيهم وفي حياتهم فإنهم هم الذين يدخلون في الظلام بعد النهار فيكون ذلك آية لهم. وليبين أثر النعمة عليهم في الضياء والإظلام. فذكر نعمتي الضياء والإظلام عليهم. والنعمة إنما تكون بتعاقبهما لا أن يكون واحد منهما سرمداً إلى يوم القيامة، كما قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) القصص (71 – 72).
وجاء بـــ (إذا) التي تفيد المفاجأة للدلالة على سرعة التغير.
جاء في (التفسير الكبير): "فإن قيل: فالليل في نفسه آية فأية حاجة إلى قوله (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)؟
نقول: الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه. ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها.
وقوله (فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) أي داخلون في الظلام. و (إِذَا) للمفاجأة أي ليس بيدهم بعد ذلك أمر ولابد لهم من الدخول فيه"(9).
برنامج لمسات بيانية
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
من المحتمل أن تكون الواو عاطفة على) اللَّيْلُ (فتكون المتعاطفات كلها آية(1).
ولم يكرر كلمة (آية) فلم يقل لهم (وآية لهم الشمس) لأنه أراد أن يكون كل ما ذكر آية، فالليل والنهار والشمس والقمر كلها آية.
ويحتمل أن تكون (الشَّمْسُ) مبتدأ وما بعدها خبر والجملة معطوفة على ما قلها.
ومعنى (لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا) أن لها حداً تنتهي إليه سواء كان ذلك الحد زماناً أم مكاناً. فقد يقصد بالمستقر اسم مكان أو اسم زمان وكل ذلك مراد فهي لها مستقر زماناً ومكاناً فهي تجري في فلك لا تتعداه "ولمنتهى من المشارق والمغارب لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه"(2).
وهي لها مستقر أي وقت تستقر عنده وهو أجلها "الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت وهو آخر السنة. وقيل الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة"(3).
وقد ذكرت في ذلك أمكنة وأزمنة على التفصيل(4) كلها يمكن أن تكون مراده ما لم يكن ذلك مخالفاً لحقيقة علمية.
ثم قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) بعد أن أسند الجري إليها فقال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي ) لئلا يظن أنها تجري بنفسها من دون تقدير أو تدبير. فإنها تجري بتقدير العزيز العليم على وفق سنة وضعها لها خالقها، وبذلك أبطل أن تكون حرة مختارة وإنما هي خاضعة لمن جعل لها مستقراً لا تعدوه ولا تتخطاه، فأبطل بذلك صحة أن تكون معبودة أو أن تتخذ إلهاً.
برنامج لمسات بيانية
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)
بعد أن ذكر الشمس وأنها تجري لمستقر لها بتقدير العزيز العليم ذكر القمر وأنه قدر له منازل حتى يكون كالعرجون القديم ونسب التقدير إلى نفسه.
فقال (قَدَّرْنَاهُ) عن إعادة وصف العزيز العليم.
و (الْعُرْجُونِ) "هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتبه من النخلة"(1).
"وإذا قدم دق وانحنى وأصفرّ فشبه به من ثلاثة أوجه"(2).
واختار (عَادَ) على (صار) لأنه يعود إلى هذه الحالة في كل شهر، وليس في (صار) إشعار بهذا المعنى.
برنامج لمسات بيانية
قال تعالى في سورة الأنفال:﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٥٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ٥٣ كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾(52 ، 54).
سؤال:
1- ما الفرق بين الدأبين المذكورين لآل فرعون في الآية الثانية والخمسين والآية الرابعة والخمسين؟
2- لماذا قال في الآية الثانية والخمسين: ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾، وقال في الآية الرابعة والخمسين: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ﴾؟
الجواب:
الدأب الأول هو مشابهتهم لهم في الكفر ذلك أنه سبق الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ٥١ كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ . . .﴾ (50 :52)
فالدأب الأول هو مشابهتهم في الكفر والجري على عادتهم، ألا ترى أنه قال: ﴿وۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾، ثم قال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾.
أما الدأب الثاني فإنه مشابهتهم لهم في تغيير النعم والأحوال، فقد قال قبل الآية الرابعة والخمسين: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (53)
، ثم قال بعدها: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾
قد تقول: وما التغيير الذي أحدثوه فإنهم كفار على كل حال ولم يغيروا شيئًا؟
فنقول: إنهم كانوا على حال من الكفر حتى جاء موسى فدعاهم وأنذرهم وجاءهم بالآيات الدالة على صدقه، فكذبوا بها فزادوا على ما هم عليه تكذيبهم بآيات الله كما قال تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ فعاجلهم العقوبة بالإغراق.
جاء في ((البحر المحيط)): ((وتغيير آل فرعون ومشركي مكة ومن يجري مجراهم بأن كانوا كفارًا ولم تكن لهم حالة مرضية فغيروا تلك الحالة المسخوطة إلى أسخط منها من تكذيب الرسل والمعاندة والتخريب وقتل الأنبياء والسعي في إبطال آيات الله فغير الله تعالى ما كان أنعم
عليهم به وعاجلهم ولم يمهلهم)).
وجاء في ((الكشاف)): ((أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه وواظبوا، و(كفروا) تفسير لدأب آل فرعون ...
﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غيّر الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟
قلت: كما تغيرت الحال المرضية إلى المسخوطة تغيرت الحال المسخوطة إلى أسخط منها.
وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب)).
2- وأما الجواب عن السؤال الثاني فإن كل عقوبة مناسبة للحالة التي هم فيها، فقد قال في الآية الأولى: ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ وقال في الأخرى: ﴿بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾.
ذلك أن الكفر أعمّ من التكذيب بآيات الله، فقد يكون الكفر بالتكذيب وبغيره من نحو عبادة غير الله والمعتقدات الباطلة وغير ذلك من نحو من أخبر به ربنا في قوله: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ (المائدة: 73)، وقوله: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ﴾ (المائدة: 72)، وقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ﴾
فالتكذيب بآيات الله نوع من أنواع الكفر.
فقال في عقوبة الكفر: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ وهو أمر عام يشمل
عقوبات الدنيا والآخرة.
وقال في عقوبة التكذيب بالآيات: ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾، وهذه حالة من حالات الأخذ بالذنوب، فقد يكون الأخذ بالذنوب بالتعذيب والسجن والنار وغير ذلك.
فجعل عقوبة الكفر الذي هو عام الأخذ بالذنوب وهو عام، وجعل عقوبة التكذيب بالآيات الذي هو أخص من الكفر بالإهلاك والإغراق وهو أخص.
هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ عقاب عام قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما.
وأما قوله: ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾ فإنه عقاب في الدنيا هو أخص من حيث الوقت، فإن الإهلاك والإغراق إنما يكونان في الدنيا وليسا من عقاب الآخرة، فكانت عقوبة الكفر أعمّ من حيث النوع والوقت.
ومن الملاحظ أنه قال في الآية الرابعة والخمسين:﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ فذكر الرب وأضافه إلى ضميرهم في حين قال في الآية الثانية والخمسين:﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ ذلك أنه قبل ذكر التكذيب بآيات ربهم ذكر نعمه عليهم، فقال:﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ فناسب ذكر الرب لأن الرب هو المربي والمنعم ، جاء في ((روح المعاني )): ((وأشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفر نعمه تعالى لما فيه من الدلالة على أنه مربيهم المنعم عليهم)).
ثم أنه أضاف الرب إلى ضميرهم ليبين قبح كفرهم فإنهم كفروا بآيات ربهم الذي أنعم عليهم، فإنه من أقبح كفر النعم أن تكفر نعمة ربك الذي رباك وأنعم عليك، فذلك أدل على قبح كفرهم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر مرة لفظ الجلالة (الله)، ومرة ذكر الرب ليدل على أن الرب هو الله وليس شيئا آخر.
برنامج لمسات بيانية
(وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) والمعروف أن الحزن لا يحدث العمى؟ (د.فاضل السامرائى)
الحزن سبب للبكاء والبكاء يحدث العمى إذا كثر البكاء يمحق البياض وليس الحزن، كثرة البكاء هي التي تعمي، صبّ الدمع الكثير يؤدي إلى بياض العينين.
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق بين يغفر لكم من ذنوبكم ويغفر لكم ذنوبكم؟(د.فاضل السامرائى)
(من) تبعيضية، للتبعيض أي بعضاً من ذنوبكم. بحسب السياق تغفر بعض الذنوب أو الذنوب جميعاً. لكن هنالك أمر وهو أنه لم يرد في القرآن (يغفر لكم ذنوبكم) إلا في أمة محمد في القرآن كله، أما (يغفر لكم من ذنوبكم) فعامّة لأمة محمد ولغيرهم. قال تعالى في سورة الصف (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) أما في سورة نوح فقال تعالى (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (4)). إذن (من) للتبعيض وبحسب المواقف، هل لو أنفق أحدهم درهماً يكون كمن جهّز جيشاً؟
برنامج لمسات بيانية
*(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) القصص) ما المعنى الدقيق لكلمة (ويكأن) وهل هي كلمتان وي وكأن؟(د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في خواتيم سورة القصص (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ {82}).
وي: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، كأن: للتشبيه. وقد وردت في سورة القصص مرتين في قصة قارون عندما خسف به الله تعالى الأرض فقال القوم هذه الكلمة وكأنهم لا يتصورون هذه الخاتمة فتعجبوا لمصير قارون فجاءت كلمة (وي) التي تدل على المبالغة في التعجب وهي من أسماء الأفعال فيها مبالغة وتعجّب إضافة إلى المبالغة، فالأمر الذي كان غائباً عن ذهنهم وجدوا أمامهم فقالوا عجباً لهذا الأمر.هم تمنوا بالأمس ما كانوا يتوقعون ما يحصل له قسم قال معناها لأنه لا يفلح الكافرون. ويكأن (وي) معناها أعجب هذا هو المشهور أنها كلمتان (وي) و(كأن) وكأنها تعمل عمل (إنّ) قسم يقول بمعنى لأن وقسم يقول على حالها لأنهم ما كانوا يتوقعونها كأن ربنا هكذا يريد ربنا هكذا يعمل.
هل تستخدم (ويكأن) في حالة معينة؟ نحن نستعملها فيما يدعو للعجب. وي نستعملها في العامية وحتى في العامية العراقية نقول وي وي يعني عجباً عجباً. ليس شرطاً أن تدخل (وي) على (كأن) وليس بنيهما ارتباط. (وي) إسم فعل مضارع بمعنى أعجب.
* منها ويلي؟
لا ويل إسم معرب وليس إسم فعل. (ويكأن) عندما رأى هؤلاء كيف حلّ بقارون قالوا عجباً كأن الله يبسط الرزق ثم يأخذه، يا للعجب!، كأن الله يفعل هكذا! كأنه سبحانه يفعل هكذا يبسط ثم يأخذ سبحانه!
برنامج لمسات بيانية
* (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (105) هود) ما دلالة تكلّم وليس تتكلم؟
هذا من الحذف الجائز وهو كثير في اللغة تتنزل وتنزل موجودة لكن يبقى السؤال لماذا؟ أما من حيث الجواز فهو جائز. هذا تخفيف. يتخفف الكلام يقول تكلّم وتتكلم، تنزّل وتتنزل، توفّاهم وتتوفاهم في القرآن كثير وفي اللغة كثير. لكن يبقى السؤال لماذا؟ هو قال (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) إذن هو منع الكلام إلا بإذنه معناه إذن الآن أن الكلام صار قليلاً فحذف من الفعل إشعاراً لقلة الكلام. في القرآن هذا كثير، في القرآن يحذف من الفعل إذا كان الفعل مقتطعاً منه ويعطيه إذا كان كل حاله وهذا في القرآن ظاهرة.
نحن دائماً نذكر (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) هذا في ليلة واحدة ليلة القدر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) هذا في كل الأحوال في الموتى. هذا عند النزع يحصل في كل الأحوال، ما تنقطع في لحظة من اللحظات. (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ) ليلة واحدة في العام حذف وهذا في القرآن كثير. حذف إشعاراً بقلة الكلام.