عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴿١٤﴾    [الصف   آية:١٤]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) قيل: معنى( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي؟ وقيل معناه: من يكون معي في نصرة الله؟ وعلى هذا يكون معنى التفسير الأول: إن الله ينصرني فمن يكون مع الله لينصرني؟ وعلى التفسير الثاني يكون المعنى: أنا أنصر الله أي أنصر دينه فمن يكون معي لننصر الله؟ وهذان المعنيان يتضمنهما قوله تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) فالمؤمن ينصر الله والله ينصره، فقوله ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ، يحتمل أن المسيح طلب من ينصره إضافة إلى نصرة الله كما يحتمل أنه طلب من ينصر الله إضافة إلى نصرته له. وقولهم (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) يصح أن يكون الجواب عن المعنيين. جاء في (الكشاف): معنى( مَنْ أَنْصَارِي) : من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله. ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب (1). وجاء في (مجمع البيان) ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من أنصاري مع الله ينصرني مع نصرة الله إياي؟ وقيل ( إِلَى اللَّهِ) أي فيما يقرب إلى الله كما يقال: اللهم منك وإليك (2). فكل من الزمخشري والطبرسي ذكر جانباً من جوانب النصرة. والله أعلم. إن من الملاحظ في هذه الآية: 1- أنه بعد أن شوقهم لذكر التجارة عن طريق الاستفهام لم يكتف بذاك وإنما أمرهم أن يكونوا أنصار الله فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) ليعلموا أن ذلك من باب الأمر والتكليف وليس من باب الاختيار والمندوب. ۲- إن الذي قال للحواريين ( مَنْ أَنْصَارِي) هو عيسى. أما القائل للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فهو الله. وذلك يدل على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته. ٣- لم يقل (يا أيها الذين آمنوا قولوا نحن أنصار الله كما قال الحواريون) ولكنه قال (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فإنه طلب الفعل ولم يطلب القول، وهذا مناسب لتأنيبه لمن قال ولم يفعل في أول السورة. 4- إن الحواريين لم يقولوا (سنكون أنصار الله) وإنما قالوا (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ) أي نحن أنصاره الآن. ولذا قال (فَأَيَّدْنَا) وذلك أنهم قاموا بالنصرة فعلا فاستحقوا التأييد وجاء بالفاء الدالة على التعقيب ولم يقل (ثم أيدنا) الدالة على التراخي. 5- قال (فَأَيَّدْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه ليدل على أن التأييد منه سبحانه كما قال (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) بإسناد النصر إليه ولم يقل (إن تنصروا الله تنتصروا) فإن النصر لا يكون إلا منه سبحانه. وهذا التأييد يحتمل أمرين: التأبيد بالحجة فأصبحوا ظاهرين في حجتهم. والتأييد بالسيف والغلبة وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام. جاء في (تفسير أبي السعود) ( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) أي قويناهم بالحجة أو بالسيف. وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام. (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي غالبين (3). إن هذا التعبير مرتبط بقوله في أول السورة (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كما سبق أن ذكرنا. فإن قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) إذا كان بمعنى غلبة السيف والظفر مرتبط باسمه (الْعَزِيزُ) . ومرتبط باسمه (الْحَكِيمُ) من الحكم. وإذا كان بمعنى غلبة الحجة فهو مرتبط باسمه (الْحَكِيمُ) من الحكمة. فهو مرتبط باسميه العزيز الحكيم أيا كان نوع التأييد. فارتبط آخر السورة بأولها. 6- لقد طلب من المؤمنين عامة أن يكونوا كحواريي عيسى في نصرة الله، والحواريون هم الخلص من أتباع السيد المسيح. فهو طلب من المؤمنين عامة على مر الأزمان أن يكونوا كالحواريين فقد قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يقل (يا أصحاب محمد) ومعنى هذا أنه يطلب من عموم المؤمنين أن يكونوا على درجة عظيمة من الرفعة والإخلاص والجهاد. ۷- قال عيسى (من أنصاري إلى الله) بإضافة الأنصار إلى نفسه فارتبطت النصرة به. وقال الله (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) ولم يقل (كونوا أنصار محمد إلى الله) وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين ولئلا ترتبط النصرة بشخص الرسول (محمد). ثم إنه لما كان قول عيسى موجها إلى الحواريين وهم خاصة أتباعه قال (من أنصاري) بالتخصيص. ولما كان الكلام موجهاً إلى المؤمنين عامة قال (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) على العموم. ۸- إن قول عيسى (من أنصاري إلى الله) إلماح إلى أن رسالته منقطعة فإنه أضاف الأنصار إليه وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته. وأما قول الله للمؤمنين (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فيدل على أن الرسالة دائمة غير منقطعة لأن الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين. 9- قال عيسى (من أنصاري إلى الله) فقال الحواريون (نحن أنصار الله) ولم يقولوا (نحن أنصارك إلى الله) وذلك للإعلام بأنهم يكونون أنصار الله بعده ولا تنقطع النصرة بعد ذهابه. فعزموا على نصرة الله سواء كان موجوداً أم لم يكن. وقد تقول: ولم لم يقل (من أنصار الله) حتى يكون الجواب ملائماً؟ والجواب أنه لو قال: من أنصار الله؟ لادعى كل أحد أنه من أنصار الله ولقال اليهود نحن أنصار الله ولكنه قال (من أنصاري): لتكون نصرة الله عن طريق نصر النبي الجديد، فكان سؤاله أنسب وجوابهم أنسب. ۱۰ - إن قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على أنه سيؤيد المؤمنين من أتباع الرسول محمد فقد ناداهم ب (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) فدخلوا في التأييد. 11- ثم إن بشارة المسلمين أعظم فإنه قال في أتباع عيسى (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) فخص ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وإظهار دينه إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب. فزاد على النصر الفتح القريب. 12- من الملاحظ أن عيسى لم يعد أتباعه بشيء. وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب. 13- ورد في الآية نسبة عيسى إلى أمه كما ورد في مكان آخر من السورة. كما ورد فيها طلب النصرة وكلا هذين الأمرين على أن عيسى بشر وليس أبناً لله، تعالى عن أن يكون له ولد. وفي الختام نود أن نقول إن السورة ابتدأت بالجهاد والقتال واختتمت بالتأييد والظفر، فقد ابتدأت بقوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) واختتمت بقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ) مما يدل على أن عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط وأوثقه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 231 إلى ص 234. (1) الكشاف 4/101. (2) مجمع البيان 9/418. (3) تفسير أبي السعود 7/246.
  • ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾    [الحديد   آية:١]
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وجه ارتباط مفتتح السورة هذه بخاتمة السورة قبلها ظاهر، ذلك أنه قال في خاتمة السورة التي قبلها وهي سورة الواقعة، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) وقال ههنا، (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فكأنه تعليل لأمره بالتسبيح فكأنه قال: لقد سبحه ما في السماوات والأرض فسبحه أنت أيضاً كما سبحه أولئك فتشترك معهم في التسبيح وتوافقهم في تنزيهه سبحانه. جاء في (روح المعاني): ووجه اتصالها بالواقعة أنها بدئت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمر به وكان أولها واقعاً موقع العلة للأمر به فكأنه قال (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) لأنه سبح له ما في السماوات والأرض (1). والتسبيح معناه التنزيه. وقد مر في سورة الصف تفسير نحو هذه الآية فلا نعيد القول فيها غير أنه في هذه الآية لم يكرر (ما) فلم يقل (وما في الأرض) وقد ذكرنا في أكثر من موضع أنه حيث كرر (ما) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض بعدها. وحيث إنه لم يذكر بعدها شيئاً يتعلق بأهل الأرض لم يكرر (ما). كما ذكرنا أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجري فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يسبح لله)، وقد بدأت هذه السورة بالفعل الماضي وقد جرى فيها ذكر القتال وهو قوله (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) - (10). وقد ورد فعل التسبيح معدي بنفسه كما في قوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ومعدي باللام كما في هذه الآية وقد ذكر أن اللام إما أن تكون لتقوية وصول الفعل إلى المفعول وإما أن تكون لام التعليل (2). وأن تعديته باللام تفيد الدلالة على الإخلاص (3) ذلك أن التسبيح إنما هو لله. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) عرف الاسمين الجليلين للدلالة على القصر فلا عزيز إلا هو ولا حاكم ولا حكيم إلا هو فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد. لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم. وما لا يكون كذلك لا يكون إلهاً (4). وقد مر تفسير نحو هذا بما فيه الكفاية في سورة الصف. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 235 إلى ص 236. (1) روح المعاني 27/252. (2) أنظر الكشاف (دار الفكر) 4/60. البحر المحيط (دار الفكر) 10/100. تفسير الرازي 29/207. (3) نظم الدور 7/432. (4) تفسير الرازي 29/208.
  • ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢﴾    [الحديد   آية:٢]
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ذكر أولا أنه سبح له ما في السماوات والأرض ثم ذكر أنه له ملك السماوات والأرض، وهذا يقتضي أنه ملك ما فيهما أيضاً إذ لا يكون الملك إلا على رعية فلما ذكر أن له ملك السماوات والأرض علم أنه ملك من فيهما. وقد أفاد تقديم الجار والمجرور (له) وتعريف المبتدأ (ملك السماوات) القصر فلا ملك لأحد سواه على الحقيقة. ومجيء هذه الآية بعد آية التسبيح أنسب شيء فإن الشخص قد يحمد في ذاته إن لم يكن مالكاً أو ملكاً فإن ملك شيئاً أو ملك عليه فقد يظهر عليه ما لم يكن ظاهراً أو يتغير بتغير الحال فيذم ويعاب أو قد يقصر في ملكه أو يسيء ولذا كان مجيء هذه الآية أنسب شيء لأنه ذكر أنه منزه في جميع الأحوال. فهو منزه في ذاته ومنزه في عزته ومنزه في حكمه وحكمته ومنزه في ملكه ومنزه في إحيائه وإماتته ومنزه في قدرته فدل ذلك على أنه لا يفعل ذلك إلا عن كمال حكمة وتمام تدبير وأنه له الكمال المطلق في كل شيء فاستحق التنزيه في ذاته وفي أفعاله وصفاته. جاء في (تفسير التحرير والتنوير) في قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ومضمون هذه الجملة يؤذن بتعليل تسبيح الله تعالى لأن من له ملك العوالم العليا والعالم الدنيوي حقيق بأن يعرف الناس صفات كماله. وأفاد تعريف المسند إليه قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بملك غيره في الأرض إذ هو ملك ناقص فإن الملوك مفتقرون إلى من يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند وإلى من يدبر نظام المملكة من وزراء وقواد وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك. أو هو قصر حقيقي إذا اعتبرت إضافة (ملك) إلى مجموع السماوات والأرض فإنه لا ملك لمالك على الأرض كلها بل السماوات معها (۱). وقد تقول: لقد ذكر في مواطن أخرى من القرآن الكريم أن له ملك السماوات والأرض وما بينهما كما في سورة المائدة ۱۷، 18 والزخرف 85 ولم يذكر ذلك ههنا. فما السبب؟ فنقول: إن كل موطن ذكر فيه أن له ملك السماوات والأرض وما بينهما إنما جاء تعقيباً على القول في الله ما لا يليق به سبحانه كقول النصارى إن المسيح ابن الله أو هو الله أو قول اليهود (نحن أبناء الله وأحباؤه) فجعلوا أنفسهم أبناء الله. فيعقب على ذلك بقوله إن له ملك السماوات والأرض وما بينهما فلم يتخذ ولداً؟ إن الذي يتخذ ولداً إنما به حاجة إلى ذلك أو يشعر أن به حاجة فيتخذ الولد لسد الحاجة أما الله فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما فهو ملكهما ومالكهما فلم الولد؟ فيذكر سعة ملكه في نحو هذا الموطن لبيان أن قولهم باطل وأنه غير محتاج إلى الولد. أما ما لم يرد في سياق ذلك فلا يذكر (ما بينهما). ومن الطريف أن نذكر أيضاً أن كل موطن ذكر فيه (ما بينهما) إنما هو في سياق الكلام على ثلاث ملل وهن: اليهود والنصارى والمسلمون بخلاف ما لم يذكر ذلك. فاليهود والنصارى والمسلمون ثلاثة. والسماوات والأرض وما بينهما ثلاثة فناسب بين الملل الثلاث ما ذكره من السماوات والأرض وما بينهما. ففي سورة المائدة مثلاً ذكر الكلام على بني إسرائيل فقد قال (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) -( ۱۲، ۱۳) وقال بعدها (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) - (14) ثم قال (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ) - (15، 16). ومثل ذلك آية الزخرف فقد ذكر موسى وفرعون (من 46 إلى 56) ثم ذكر عيسى وتكلم فيه (من 57إلى 64) ثم ذكر عقيدة المسلمين (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ....) - (۸۱) وما بعدها؛ فكان كل تعبير مناسباً في مكانه. (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إن المالك أو الملك قد لا يكون قادراً على كل شيء فذكر أن الله على كل شيء قدير. والملاحظ أنه إذا عمم القدرة فقال عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ، أو أطلقها لم يأت إلا بصيغة تفيد المبالغة ولم يأت باسم الفاعل (قادر) فإن المقدرة على كل شيء أو القدرة المطلقة غير المقيدة تقتضي المبالغة ولا يفيدها اسم الفاعل. أما إذا جاء باسم الفاعل (قادر) فإنه لا يطلقه ولا يعممه بل يقيده بأمر فيقول مثلا (إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) - الأنعام (۳۷) أو يقول : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) - الأنعام (65). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 236 إلى ص 238. (1) التحرير والتنوير 27/358 (دار سحنون)
  • ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣﴾    [الحديد   آية:٣]
(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (هُوَ الْأَوَّلُ) أي ليس لوجوده بداية وهد قبل كل شيء. (وَالْآخِرُ) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء. وهذا مقتضى قوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - القصص (۸۸). (وَالظَّاهِرُ) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده. وهو الغالب العالي على كل شيء وفوق كل شيء فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة كما قال تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) - الصف (14). فللظاهر معنيان كلاهما مراد : الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (وَالْبَاطِنُ) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) - الأنعام (103). وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء وكلاهما حق. وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بأل يفيد القصر فلا يشاركه شيء في هذه الصفات. فليس معه أول ولا آخر وليس معه ظاهر ولا باطن فهو أول كل شيء وآخر كل شيء. يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهراً أو باطناً. ولم يقيد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق والظاهر المطلق والباطن المطلق لا بحسب شيء من الاشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك فليس معه شريك. كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء. وأنه الخالق وأنه القادر. ودل قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على علمه المطلق فهو الإله الحق. جاء في (التفسير الكبير): (أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء) ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل وأنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب على كل شيء ومنه قوله تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي غالبين عالين... وهذا معنى ما روي في الحديث (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج إنه العالم بما بطن كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان أي يعلم أحواله الباطنة (1). وجاء في (الكشاف): (الظاهر) بالأدلة عليه (والباطن) لكونه غير مدرك بالحواس، وقيل الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه. وليس بذاك (2). وجاء في (البحر المحيط): (هُوَ الْأَوَّلُ) الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة... وقيل الأول الذي كان قبل كل شيء... (الظَّاهِرُ) العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. (وَالْبَاطِنُ) الذي بطن كل شيء أي علم باطنه (3). وجاء في (التحرير والتنوير) في قوله (هُوَ الْأَوَّلُ) أنه لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد، ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغني المطلق وهي عدم الاحتياج إلى المخصص أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً من العدم لأن الأول هنا معناه الموجود لذاته دون سبق عدم. وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر. ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غير الله واجباً وجوده لما كان الله موصوفاً بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات افتضي أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض (4). (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي المحيط علمه بكل شيء، وأنه وسع كل شيء علماً، وقال: (عَلِيمٌ) ولم يقل (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفرداً والشهادة مفردة فيقول (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أو (عَالِمُ الْغَيْبِ) ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع. فإذا جمع الغيب أتى بـ )علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول (علام الغيوب). فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد. وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع فهو يقول (عالم الغيب) وذلك في ثلاثة عشر موضعا (5). وقال: (علام الغيوب) في أربعة مواقع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عَلِيمٌ) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين بل يذكره مع جميع المعلومات. فهو يقول مثلا (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۹، ۲۳۱) (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) - يس (۷۹) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) - البقرة (32) (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) - البقرة (127) (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) - البقرة (247، 268)، آل عمران (73). ومن الملاحظ أيضاً أنه حيث ذكر اسمه (الْعَلِيمُ) . فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشي، نحو (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أو وَهُوَ (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، أو أن يجعله محيطاً بكل شيء نحو (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أو (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) - آل عمران (63) فاستعمله مع الجمع. ونحو (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) فقد جمع الصدر وقوله ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) - يوسف (50) فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (215) ونحو (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۷۳) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) - البقرة (183). فقد جمع الفاعل فقال (تَفْعَلُوا ) ولم يقل (تفعل) ونحوه، (تُنْفِقُوا) و (تَعْمَلُونَ) . ولم يرد استعمال اسم الله (الْعَلِيمُ) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد. وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه: (العلاَم): بعلم الغيب مجموعاً فيقول (علام الغيوب) . أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عموماً ولم يخصصه بنوع من المعلومات معين. أو أن يطلق الاسم فلا يقيده بشيء، أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع: (عالمين). فإنه للتعظيم كما هو معلوم. وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية أعنى قوله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مرتبطة بما بعدها ارتباطاً وثيقاً. فقوله (هُوَ الْأَوَّلُ) مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله (الْآخِرُ) مرتبط بقوله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) . وقوله في (وَالظَّاهِرُ) مرتبط بقوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله (الْبَاطِنُ) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك مرتبط بقوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) ، وبمعنى الذي بطن كل شيء أي علمه مرتبط بقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) . **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 242. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100 (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون). (5) أنظر على سبيل المثال: الأنعام 73. التوبة 94، 105. سبأ 3. الجن 26. (6) أنظر المائدة 109، 116، التوبة 78. سبأ 48.
  • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤﴾    [الحديد   آية:٤]
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودلّ قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن المُلْك هو ملْك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلْكاً من باب ضرب والمِلك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار... ومَلك على الناس أمرَهم إذا تولى السلطنة فهو مِلك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم المُلْك بضم الميم (7). لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة غلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن الملك هو ملك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلكْا من باب صرب والملك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار.... وملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم الملك بضم الميم (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يندّ عنه شيء في ملكه ذكر أنه (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك فهو لا يندّ عنه شيء في ملكوته وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط وإنما هو يبصر أيضاً ما فيهما وهذه مرتبة فوق العلم فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده. بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة فهو مع عباده أينما كانوا. وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضاً وهي أنه بصير بما نعمل ظاهراً وباطناً فهو يعلم عمل كل عامل ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتب فوق المعية لأنك قد تصاحب إنساناً وتراه يعمل عملاً ما ولكنك لا تعلم لمَ فعل ذلك فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. فهو يعلم الداخل والخارج. والنازل والصاعد. ۲ - وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3 - وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك . فاستوفى كل مراتب العلم فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ ) قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) ولم يقل (ما يولج). وقال (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) ولم يقل (ما يُخرج) . وقال (وَمَا يَنْزِلُ) ولم يقل (ما يُنزل) وقال (وَمَا يَعْرُجُ) ولم يقل (ما يُعرج): وهذا أدل على العلم لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو. أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج. وهذا أدل على العلم. وقدم ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقدم ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج؛ ذلك أن كثيراً مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها. فالولوج قد يكون سبباً للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج في الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء وذلك أن قوله (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) يحتمل معنيين، الأول أنه يخرج من داخلها كالنبات والحشرات وغير ذلك. والآخر أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا غير أنه لم يذكر (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) . كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى. فقد قال في سبأ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) - (2) فما السبب؟ والجواب أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك: 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وجاء بعد ذلك بقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك. فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. ۲- قال في آية الحديد( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ ) وهذا مما يدل على المراقبة ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فختمها بالرحمة والمغفرة فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة. ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة. وإن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. ٣- أنه ذكر الآخرة قبل هذه الآية فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ) وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) . فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. أما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ) وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة فناسب كل تعبير موطنه. - (3) وقال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ (4) ) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (5) وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) - (۲۲) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ ) - (25). وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ - (1) ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ - (3) أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ - (4) أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ - (5) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ - (7) (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ- (8) إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ )) (- (21) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ-)) (23) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) (26) ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ - (30) وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ)) - (31 إلى 33) ((فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ - (37) - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)) - (38). ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)) - (40 - 42)) (( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)) - إلى آخر السورة (54). فناسب كل تعبير موطنه. ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) قدم (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (بَصِيرٌ) ذلك لأنها وردت بعد قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 245. (1) المصباح المنير (ملك) 221
  • ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿٥﴾    [الحديد   آية:٥]
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ذكر في الآية السابقة أنه خلق السماوات والأرض. والصانع قد لا يكون ملكاً فذكر أنه الصانع وأنه الملك حصراً فلا ملك سواه وأن الأمور ترجع إليه وحده. وأن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا. وأن الأمور ترجع إليه في الآخرة كما هي في الدنيا فإن في قوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) إشارة إلى البعث. جاء في (نظم الدرر): ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكاً وكان الملك لا يكتمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه وكان إنكارهم للبعث إنكاراً لأن يكون ملكاً أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال (لَهُ) وحده ملك السماوات (1). وجاء في (تفسير الرازي): له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور أي إلى حيث لا مالك سواه. ودل بهذا القول على إثبات المعاد (2). فقوله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) يفيد معنيين: المعنى الأول أن الأمور كلها هو الذي يقطع فيها ولا يعمل شيء إلا بأمره، والمعنى الآخر إثبات المعاد. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 245. (1) نظم الدرر 7/438. (2) تفسير الرازي 29/216.
  • ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٦﴾    [الحديد   آية:٦]
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚوَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) قوله( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ) دال على قدرته فارتبط ذلك بقوله (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) دال على علمه فارتبط بقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . و(ذَاتِ الصُّدُورِ) : معناه مكنوناتها وخفاياها. فدل بهذه الآية وما قبلها على أنه يعلم الظاهر والباطن. المشاهد والغائب. جاء في (روح المعاني): بذات الصدور أي بمكنوناتها اللازمة لها، بيان لإحاطته تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها (1). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 246. (1) روح المعاني 27/258.
  • ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾    [الحديد   آية:٧]
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول، والإنفاق، وهذا الأمران يطبعان السورة بطابعهما إلى حد كبير. فالإيمان بالله والرسول يشيع ذكره في السورة، وهو لم يذكر جميع أركان الإيمان وإنما خصص ركنين من أركانه بالذكر وهما الإيمان بالله والرسل. وذلك في السورة كلها فلم يذكر غير هذين الركنين من أركان الإيمان. فقد قال (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - (7) وقال( وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) - (8) وقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ ) - (19) وقال (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ) - (21) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) - (28). وكذلك الأمر بالإنفاق فإنه يطبع السورة أيضاً، فقد قال (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7) ) فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ - (7) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - (10) (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) (11) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا - (18) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) - (24). فالسورة تكاد تكون مخصصة للإيمان والإنفاق فهي لم تذكر جميع أركان الإيمان كما لم تذكر عموم العمل الصالح وإنما ذكرت الإنفاق وذكرت القتال ولم تأمر به كما أمرت بالإنفاق فقد جاء فيها (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) - (10) وجاء فيها ذكر للشهداء فقال (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) (19) وقال أيضاً (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) - (25) وهو من مظان الجهاد. فالسورة كما ترى يشيع فيها التخصيص بركنين من أركان الإيمان وبالإنفاق. والآية التي نحن بصدد تفسيرها ما ذكر فيها هذين الركنين. (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ) طلب الإنفاق مما استخلفنا فيه ورغبنا فيه أكبر ترغيب فقال: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا ) فجاء بـ (من) التبعيضية ولم يقل (وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه) فقد طلب أن ننفق بعضاً مما استخلفنا فيه ليهون الإنفاق علينا. ثم قال (جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) أي هو الذي جعلكم مستخلفين في المال وهو طالب الإنفاق. ومعنى (مُسْتَخْلَفِينَ) أن الأموال التي بين أيديكم إنما هي أمواله، هو الذي خلقها وخولكم الاستمتاع بها ولستم إلا وكلاء عليها. ثم إنه نقلها إليكم وقد كانت لغيركم ثم إنه سينقلها إلى غيركم فلستم إلا خلفاء من قبلكم فيها. وكل معنى من هذين المعنيين مدعاة للخروج من الشح إلى الإنفاق. فالمال ماله ثم إنه سينقله منكم إلى غيركم بعد موتكم أو في حياتكم. ومع ذلك فإنه جعل للذين آمنوا وأنفقوا أجراً كبيراً مضاعفاً. جاء في (الكشاف): (مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ) يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها. وإنما موّلكم إياها وخوّلكم الاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها. فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء والنواب. فأنفقوا منها في حقوق الله وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم في أيديكم بتوريثه إياكم. فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم إلى من بعدكم فلا تبخلوا به وانفعُوا بالإنفاق منها أنفسكم (1). وجاء في (روح المعاني): وفيه أيضاً ترغيب في الإنفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه... والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ ) (2). (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ذكر أن لمن آمن وأنفق أجراً كبيراً. وقد تقول لقد أكد الأجر في موطن آخر بإنّ فقد قال في سورة الإسراء: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) - (9) ولم يؤكده في آية الحديد هذه مع أنه وصف الأجر بأنه كبير في الآيتين فهل ذلك لفواصل الآي؟ والجواب أن فاصلة كل من الآيتين تتناسب مع فواصل الآي في سياقها غير أن ذلك ليس هو السبب الأول بل إن كل آية تقتضي ما ورد فيها من التعبير وإن لم تكن فواصل الآي كذلك. وإليك إيضاح ذلك: 1- قال في آية الحديد (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) وقال في آية الإسراء (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) فذكر في آية الحديد (فَالَّذِينَ آمَنُوا) بصيغة الفعل وذكر في آية الإسراء (الْمُؤْمِنِينَ) بالصيغة الاسمية، والاسم أثبت وأقوى من الفعل كما هو معلوم. ۲- خصص الإيمان في آية الحديد بالإيمان بالله والرسول: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، وأطلق الإيمان في آية الإسراء فجعله عاماً لكل أركان الإيمان . ٣- ذكر في آية الحديد الإنفاق ولم يذكر معه شيئاً آخر. وذكر في آية الإسراء (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ) وهو أعم. والإنفاق إنما هو من العمل الصالح، فكان التوكيد أولى في آية الإسراء: فناسب كل تعبير موطنه هذا إضافة إلى ما اقتضته فواصل الآي. وقد تقول: لقد أضاف في آيات أخرى المغفرة إلى الأجر الكبير وذلك نحو قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - فاطر (7) وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - الملك (12): فما السبب في هذه الزيادة؟ فنقول: إن كل ما ذكرت فيه المغفرة مع الأجر الكبير إنما هو في سياق ذكر الذنوب والكافرين وذلك يقتضي ذكر المغفرة. أما ما لم يرد فيه المغفرة فإنه ليس في هذا السياق. فقد قال في سورة فاطر: (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - (7) وقال في سورة الملك: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ...)..إلى قوله تعالى: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) - (7 - 11) ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) . وهكذا كل ما وردت فيه المغفرة بخلاف ما لم يرد. فناسب كل تعبير موطنه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 246 إلى ص 249. (1) الكشاف 4/61، وأنظر تفسير الرازي 29/217. (2) روح المعاني 27/259.
  • ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨﴾    [الحديد   آية:٨]
(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لما تقدم طلب الإيمان في الآية السابقة قال في هذه الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) أي كيف لا تؤمنون ولم لا تؤمنون ودواعي الإيمان متكاثرة ملزمة؟ فالرسول يدعوكم للإيمان وقد جاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة على صحة ما يدعو إليه وصدقه. ثم إن الله سبحانه قد أخذ الميثاق منكم على الإيمان به بما أودعه في عقولكم من الاستدلال على وجوده بآياته الكونية وبما أودعه في فطركم على الإيمان به. فإن الإنسان مفطور على الإيمان بأن له رباً وإلهاً يلجأ إليه إذا اضطرته الحاجة إلى ذلك، فحتى الملحد إذا وقع في شدة لا مخلص منها وانقطعت به الأسباب لجأ إلى الله كما أخبر ربنا (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) - النحل (53) - (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ ) - الإسراء (67). فقد تضافرت الدواعي العقلية والنفسية علاوة على السماع المؤيد بالحجج القاطعة على الإيمان بالله فلم لا تؤمنون؟ وجاء في (الكشاف) في قوله (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان حيث ركب فيكم العقول ونصب لكم الأدلة ومكنكم من النظر وأزاح عللكم (1). وجاء في (تفسير الرازي): وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل، أما النقل فبقوله (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) وأما العقل فبقوله (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ) ومتى اجتمع هذان النوعان فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه (2). وجاء في (البحر المحيط): (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ) أي كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة، وذلك رُكزة فيكم من دلائل العقل، وموجب ذلك من السمع في قوله (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) لهذا الوصف الجليل، وقد تقدم أخذ الميثاق عليكم بالإيمان فدواعي الإيمان موجودة وأسبابه حاصلة فلا مانع منه ولا عذر في تركه (3). وجاء في (التحرير والتنوير): وعلى هذا الوجه فالميثاق المأخوذ عليهم هو ميثاق من الله. أي ما يماثل الميثاق من إيداع الإيمان بوجود الله وبوحدانيته في الفطرة البشرية، فكأنه ميثاق قد أخذ على كل واحد من الناس في الأزل وشرط التكوين فهو ناموس فطري (4). وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني إن كنتم تنوون الإيمان وتعتزمونه فلم لا تؤمنون؟ وهو نظير قولنا (نحن خارجون إن كنت خارجاً) و(هم راحلون إن كنت راحلاً) أي إن نويت ذلك وعزمت علية فافعل. جاء في (التحرير والتنوير): واسم الفاعل في قوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مستعمل في المستقبل بقرينة وقوعه في سياق الشرط أي فقد حصل ما يقتضي أن تؤمنوا من السبب الظاهر والسبب الخفي المرتكز في الجبلة (5). وقال (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) ولم يقل (لتؤمنوا به) مع أنه قد مر ذكره وهو قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ) وذلك لأنه أراد أن يحبب إليهم الإيمان فإنه إيمان بربهم الذي يربهم ويرعاهم. ثم إن لفظ (الرب) مناسب لما ذكر بعد وهو قوله (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فإن مهمة الرب الأولى في التوجيه والإرشاد والهداية. فناسب ذلك ما جاء بعده. وقال (يَدْعُوكُمْ) للدلالة على استمراره في الدعوة لم يتوقف عنها. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 249 إلى ص 251. (1) الكشاف 4/62. (2) تفسير الرازي 29/18، وأنظر روح المعاني 27/ 261. (3) البحر المحيط 10/102. (4) التحرير والتنوير 27/370. (5) التحرير والتنوير 27/370.
  • ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٩﴾    [الحديد   آية:٩]
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) قوله (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أي هو الذي ينزل الآيات لا غيره. ووصف رسوله بصفة العبدية فقال (عَلَىٰ عَبْدِهِ) ليعلم أن رسوله إنما هو عبد لله. وأضافه إلى ضميره تكريماً له. وصفة (العبد) إنما يذكرها الله تكريماً لمن تطلق عليه. فقد كرمه الله سبحانه بهذا الوصف وكرمه أيضا بإضافته إلى ضميره. وكرمه مرة ثالثة بأن ذكر أنه هو الذي ينزل عليه الآيات البينات. وذكر (يُنَزِّلُ) بصيغة المضارع للدلالة على استمرار التنزيل. إن هذه الآية والتي قبلها مرتبطتان بصدر الآية الأولى وهي قوله (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . فقوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ) مرتبط بقوله (آمِنُوا بِاللَّهِ) . وقوله (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) مرتبط بقوله (وَرَسُولِهِ) ، وقد وصف الآيات بأنها بينات أي ظاهرات الحجة واضحات الدلالة على أنه رسول الله وعلى أن فيها الهدى التام، وإنما أنزل هذه الآيات البينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور، والفاعل في قوله ( لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ ) يحتمل أن يكون هو الله كما يحتمل أن يكون هو الرسول. (وإنَ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) الرأفة أخص من الرحمة وأرق. وقد جمع الله بين الرأفة والرحمة للدلالة على عظم رحمته بنا. ولم يفرد الله اسمه (الرؤوف) عن اسمه (الرحيم) إلا في موطنين هما قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) - البقرة (207) وقوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) - آل عمران (30) وذلك لأن المقام يقتضي ذاك، فقد قال في البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) - (204 - 206). فلا يناسب المقام ذكر الرحمة مع هؤلاء الذين ذكر فيهم (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) ثم ذكر بعد ذلك (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) .وقال في آل عمران( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ) والتحذير لا يناسب ذكر الرحمة. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 251.
إظهار النتائج من 8091 إلى 8100 من إجمالي 12325 نتيجة.