(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
قال: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بذكر (أن) مع (لا) وقال في الآية السابقة (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ ) من دون أن ذلك أن (أن) تفيد الاستقبال فلما كان الإيمان لا يحتمل التأخير وإنما هو مطلوب منهم في الحال لم يذكر (أن). ولما كان الإنفاق في سبيل الله يحتمل الاستقبال وقد يكون هذا الإنفاق مطلوباً للجهاد والجهاد ليس قائماً في وقت طلب جاء بأداة الاستقبال.
والمعنى: لم لا تنفقون في سبيل الله والله سبحانه وارث أموالكم أي مهلكهم وستؤول إليه أموال الخلق كلها بل له ميراث السماوات والأرض فأنفقوا منها بأنفسكم لتنالوا جزاء المنفقين قبل أن تؤول إليه رغماً عنكم فينالكم عقاب الممسكين الباخلين.
جاء في (الكشاف): (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا ) في ألا تنفقوا ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره. يعني وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله يهلككم فوارث أموالكم. وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله (1).
وجاء في (تفسير الرازي): والمعنى أنكم ستموتون فتورثون فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله، وتحقيقه أن المال لابد وأن يخرج عن اليد إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله.
فإن وقع على الوجه الأول كان أثره اللعن والمقت والعقاب. وإن وقع على الوجه الثاني كان أثره المدح والثواب وإذا كان لابد من خروجه عن اليد فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقبه اللعن والعقاب (2).
وقوله (لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مناسب لاسمه الآخر الذي ورد في أول السورة. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أي إليه وحده يؤول ميراث السماوات والأرض لا إلى غيره ولا إلى شريك معه.
( لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)
أي لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة، قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن أنفق من بعد الفتح.
فحذف لوضوح الدلالة، (أُولَٰئِكَ) الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار... أعظم درجة (3).
وجاء في (روح المعاني): وإنما كان أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما ترغب في النفوس طبعاً من كثرة الغنائم فكان ذلك أنفع وأشد على النفس وفاعله أقوى يقيناً بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه ولا كذلك الذين أنفقوا بعد (4).
واستعمل لمن أنفق من قبل الفتح الاسم الموصول (من) والفعل (أنفق وقاتل) بالإفراد.
واستعمل لمن أنفق بعد ذلك الاسم الموصول (الذين) والفعل (أنفقوا وقاتلوا) بضمير الجمع ولعل ذلك لقلة المنفقين والمقاتلين قبل الفتح فاستعمل لهم ضمير المغرد بخلاف المنفقين والمقاتلين بعده فهم كثرة فاستعمل لهم ضمير الجمع.
والقرآن يراعي ذلك في الاستعمال نظير قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ۚ) بالإفراد وقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ ) بالجمع (5).
وقدم الإنفاق على القتال وهو نظير قوله (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) بتقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 252 إلى ص 253.
(1) الكشاف 4/62.
(2) تفسير الرازي 29/219.
(3) الكشاف 4/62.
(4) روح المعاني 27/264.
(5) أنظر معاني النحو 1/146 (باب الاسم الموصول).
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَه وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ُ)
القرض الحسن هو الإنفاق بإخلاص النية لله وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه من دون منٌ أو تكدير وتحري المال الطيب الكريم وأفضل الجهات التي ينفق فيها (1).
فالقرض الحسن هو ما اجتمعت فيه عدة أمور: منها في المقرض وهو الإخلاص وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه كما ذكرنا. ومنها في المال وهو أن يكون حلالاً طيباً وأن يكون من كريم المال ومنها الجهة التي ينفق فيها وهي ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعاً للمسلمين وسمى الصدقة قرضاً لأنه وعد بإعادتها مضاعفة. وذلك لأن المقترض يعيد ما اقترض وذلك لتهوينها على النفس وللترغيب فيها فإن الناس يسهل عليها الإقراض أكثر مما يسهل عليها الخروج عن المال من غير إعادة.
قد تقول: لقد قال في آية أخرى:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) - البقرة (245). فذكر في هذه الآية أنه يضاعف القرض أضعافاً كثيرة ولم يقل في آية الحديد ذلك وإنما قال (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) فلم ذاك؟
والجواب أنه قال في آية الحديد (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) فزاد الأجر الكريم على المضاعفة فأغنى ذلك عن قوله (أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ) ولم يقل مثل ذلك في البقرة جاء في (البحر المحيط): والظاهر أن قوله (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) هو زيادة على التضعيف المترتب على القرض أي وله مع التضعيف أجر كريم (2).
والأجر الكريم: هو الحسن البالغ الجودة والجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل (3).
فذكر جزاء القرض الحسن في الكم وهو المضاعفة وفي الكيف وهو وصفه بالكرم.
وقد تقول: ولكنه ذكر في البقرة الأضعاف الكثيرة وهو الكم ولم يذكر الكيف ثم إن خاتمة كل من الآيتين تختلف عن الأخرى فلم ذاك؟
فنقول إن سياق كل من الآيتين يقضي بذاك فإن آية الحديد وردت في سياق الإنفاق. فقد تكرر طلب الإنفاق في السورة فقد قال قبل الآية (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وقال بعد ذلك (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) … ثم جاءت الآية (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) ، في حين لم يكن الإقراض في البقرة في سياق الإنفاق وإنما هو في سياق القتال فناسب ذلك ذكر الجزاء في آية الحديد بالكم والكيف.
كما ناسب أن يكون ختام كل آية السياق الذي وردت فيه فلما كان السياق في البقرة في ذكر الموت والقتال ناسب أن يكون ختام الآية (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإن الموت رجوع إلى الله والقتال مظنة الرجوع إليه، فقد قال في سياق آية البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) - (243) (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )– (244) ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا... ) (245) ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ ... ) (246) ويستمر الكلام على القتال، فناسب ختام كل آية السياق الذي وردت فيه.
وقد تقول: لقد قال في آية سابقة من السورة (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وقال في هذه الآية (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) فوصف الأجر في الآية الأولى بأنه كبير ووصفه هنا بأنه كريم فما السبب؟
والجواب والله أعلم أنه ذكر في الآية الأولى الذين آمنوا وأنفقوا فزاد الإيمان على الإنفاق فكبرت الدائرة واتسعت فوصف الأجر بأنه كبير.
وفي الآية الأخرى ذكر مضاعفة الأجور وهذا من الكرم، فالذي يعطي الكثير على القليل إنما هو كريم، ومن معاني (الكريم) في اللغة الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه (4).
فناسب ختام كل آية الموطن الذي ورد فيه، والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 252 إلى ص 255.
(1) ينظر روح المعاني 27/266. التحرير والتنوير 27/377.
(2) البحر المحيط 10/104.
(3) لسان العرب (كرم)
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
(يَوْمَ تَرَى) : يجوز أن يكون (يَوْمَ تَرَى) ظرفاً لقوله تعالى(وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) أي له أجر كريم في ذلك اليوم، أو على تقدير (اذكر يوم ترى المؤمنين) تعظيماً لذلك اليوم (1).
وذكر المؤمنين والمؤمنات كما ذكر بعد ذلك المنافقين والمنافقات والمصدقين والصدقات لتنال البشري جميع من آمن وينال التبكيت جميع من نافق.
(يَسْعَىٰ نُورُهُمْ)
قال (يَسْعَىٰ) ولم يقل (يمشي) للدلالة على إسراعهم أو الإسراع بهم للدخول إلى الجنة وإلا لو كان النور يسعى وهم يمشون لسبقهم النور وتركهم في الظلمة.
وأسند السعي إلى النور ولم يقل (يسعون) لأن السعي قد يفضي بهم إلى الجهد والتعب فأسند السعي إلى النور للدلالة على أنه يسعى بهم في مراكب أو محاف أو مطايا أو بغير ذلك وذلك على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة (2).
وأضاف النور إليهم فقال (نُورُهُمْ) ولم يقل (يسعى النور) للدلالة على أنه نور أعمالهم فيعطى لكل مؤمن نورٌ على قدر عمله.
(بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)
ذكر هاتين الجهتين لأن ما بين أيديهم هو الأمام وهي جهة السير والسعي.
والأيمان هي جهة إيتاء كتب السعداء ولم يذكر الشمائل لأنها جهة كتب الأشقياء، جاء في (الكشاف): وإنما قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم (3).
قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) الانشقاق (10، 11).
وقال (بِأَيْمَانِهِمْ) ولم يقل (عن أيمانهم) للدلالة على أن النور ملاصق للأيمان وليس مبتعداً أو منحرفاً عنها.
وقال (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ولم يقل (المسلمين والمسلمات) لإخراج المنافقين والمنافقات الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم وقد أسلموا ظاهراً كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) - البقرة (8) وقال (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ ) - الحجرات (14).
(بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)
حذف القول أي مقولاً لهم أو يقال لهم لإرادة أن الأمر مشاهد مرئي مسموع وليس إخباراً عن غائب فأنت ترى المؤمنين وتسمع القول من دون أن تخبر بذاك. والدليل على ذلك قوله (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ) فذكر الرؤية مما يدل على أن الأمر مشاهد لا منقول سماعاً. والمراد بالبشرى ما يبشَر به أي ما تبشّرون به جنات (4).
وذكر (الْيَوْمَ) لأن ذلك كائن في ذلك اليوم وليس بعده فهو قريب واقع. وقوله (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) واقع على جميع ما مر ذكره في الآية وآخره الجنة. فالنور الذي يسعى بين أيديهم وبإيمانهم فوز عظيم، والبشري فوز عظيم والجنات فوز عظيم والخلود فيها فوز عظيم، والذي يدل على أن البشري فوز عظيم قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) - يونس (63، 64). وعرف الفوز وجاء بضمير الفصل للدلالة على القصر وعلى أن ذلك وحده هو الفوز العظيم وليس ثمة فوز غيره وأن ما عداه هو الخسران المبين.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 255 إلى ص 257.
(1) أنظر الكشاف 4/ 63. تفسير الرازي 29/ 223.
(2) فتح القدير 5/ 240.
(3) الكشاف 4/ 63.
(4) أنظر روح المعاني 27/ 268 – 269.
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
(يَوْمَ يَقُولُ) … بدل (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِين... ) (1) ويجوز أيضاً أن يكون منصوباً على تقدير (اذكر) (2). وذكر المنافقين والمنافقات ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاءه ولا يشفع لأحدهما قرابة فلا تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة.
ولا المؤمن عن قريبه أو زوجته المنافقة. ولا تقول المنافقة إني كنت تبعاً لزوجي أو أخي أو أبي فإن كل واحد مسئول عن نفسه وعما قدم أو أخر.
(انْظُرُونَا)
أي انتظرونا غير أنهم لم يقولوا (انتظرونا) لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء. والمؤمنون يسرعون أو يسرع بهم إلى الجنة، فطلبوا انتظاراً قليلاً أو تمهلاً قليلاً. وقد أدركوا أنهم لو طلبوا انتظارا لم يجابوا. ولو كان في الوقت فسحة لساغ طلب الانتظار كما في قوله تعالى (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) - يونس (102) فقال(انْتَظِرُوا) . وقال (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لأن في الوقت متسعاً.
جاء في (نظم الدرر): وكان الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت لأن المسئولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف (3).
قبل ويجوز أن يكون المعنى (انظروا إلينا) لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به (4).
(نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)
أي نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به (5). وقالوا( نَقْتَبِسْ) ولم يقولوا (نأخذ) لأن الاقتباس لا ينقص من المقتبس منه بخلاف الأخذ فإنك إذا اقتبست من النار فإن ذلك لا ينقصها بخلاف ما إذا أخذت منها. والمعنى نستفد منه فلا ينقص فأنظرونا.
وقالوا (نَقْتَبِسْ) ، ولم يقولوا (نقبس) لأن الاقتباس أبلغ من القبس وذلك دليل على عظم نور المؤمنين وهو لا ينقص بالاقتباس.
وقالوا (مِنْ نُورِكُمْ ) ولم يقولوا (من النور الذي معكم) للدلالة على أنه نورهم هم. قيل: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله ... ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين فهنالك يقول المنافقون انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ كقبس النار (6).
(قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا)
لم يقل (قالوا) بل (قِيلَ) : ويظهر من إسناد (قِيلَ) : بصيغة المبني للمجهول أن قائله غير المؤمنين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين. وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم (7).
و(وَرَاءَكُمْ) : إما أن يكون ظرفاً مؤكداً فإن الرجوع إنما يكون إلى الوراء وإما أن يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون أيضاً مؤكداً لفعل الأمر (8).
(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ)
قيل: الباء في (بِسُورٍ) زائدة للتوكيد والتقدير: ضُرب بينهم سور (9). وقيل ضمن (ضُرِبَ) معنى (حجز) أي حجز بينهم بسور ولذلك عدي بالباء أي ضرب بينهم سور للحجز به بين المنافقين والمؤمنين (10). والسور هو ما أحاط بالشيء من بناء وغيره.
وقال( لَهُ بَابٌ) لئلا يظن أن المؤمنين محتجزون فيه وإنما ينفذون منه إلى مرادهم وهو الطريق إلى الجنة والله أعلم. فالمنافقون لا يتمكنون من الدخول فيه ليلتقوا بالمؤمنين والمؤمنون يتمكنون من الخروج منه.
ووصف السور بأن باطنه فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون. وأن ظاهره يأتي العذاب من جهته للمنافقين ولمن حقت عليه كلمة العذاب. وهذا السور، كما ترى.
يخالف باطنه ظاهره كما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم فهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر وذلك السور باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وهو تناظر لطيف بين السور والمنافقين في اختلاف الباطن عن الظاهر.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 257 إلى ص 259.
(1) تفسير الرازي 26/224.
(2) أنظر روح المعاني 27/269.
(3) نظم الدرر 7/444.
(4) الكشاف 4/63. وأنظر تفسير الرازي 29/225، روح المعاني 27/270.
(5) الكشاف 4/63.
(6) تفسير الرازي 29/226.
(7) التحرير والتنوير 27/382.
(8) أنظر روح المعاني 27/271.
(9) ينظر تفسير الرازي 29/227، روح المعاني 27/271.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ)
استعمل الفعل (يُنَادُونَهُمْ) وقد استعمل قبل قليل الفعل (يقول) ذلك لأنه صار بينهم حاجز فاحتاجوا إلى رفع الصوت للنداء.
(أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ) ولم يقولوا (ألم نكن منكم) لأنهم كانوا معهم ولم يكونوا منهم ولذلك أجابوهم بـ (بَلَىٰ) ولو قالوا (ألم نكن منكم) لأجابوهم بكلا.
(قَالُوا بَلَىٰ) ولم يقل (فنادوهم بلي) ذلك أنه حيث استعمل القرآن الفعل (نادى) أو متصرفاته يكون الجواب بفعل القول وذلك نحو قوله تعالى (وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ) - هود (42، 43).
(وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي أوقعتموها في الفتنة واختيار هذا الفعل اختيار رفيع فإن (فتن) له معان كثيرة أكثرها مراد هنا.
فمن معانيه إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. وأنتم وضعتم أنفسكم في هذا الموضع ففتنتم أنفسكم وبانت رداءتكم وخسة معدنكم.
ومن معانيه الامتحان والاختبار وقد وضعتم أنفسكم في هذا الموضع أيضاً فأوقعتم أنفسكم في الفتنة والاختبار والامتحان لأنكم أظهرتم الإيمان وأبطنتم الكفر فتقولون للمؤمنين نحن معكم وتقولون للكافرين: إنَا معكم، ولا شك أن كل فريق يختبركم ويمتحنكم ليتبين أأنتم معه أم عليه.
ثم إن هذا الأمر يحتاج إلى موازنة الموقف وإظهار تعامل خاص لكل فريق وهذا امتحان أيضاً لبيان القدرة على السلوك المتناقض الذي يرضي الطرفين المتباينين فأنتم وضعتم أنفسكم تحت الاختبار والمراقبة من كل فريق ومن أنفسكم أيضاً.
ومن معانيه الشدة والتعذيب ومنه قوله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) - البقرة (191) وقوله (فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ۚ ) - يونس (83) أي يعذبهم.
وأنتم فتنتم أنفسكم فأوقعتموها في الشدة والتعذيب في الدنيا والآخرة بالتربص والخوف ومحاولة إخفاء الحقيقة بصورة مستمرة ولجوئكم إلى الكذب والمراوغة واختلاق المعاذير، وفي الآخرة أنتم كما ترون.
ومن معانيه إدخال الإنسان النار (1)، قال تعالى (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا) - الذاريات (13، 14) وأنتم فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار فأنتم الذين فتنتم أنفسكم. جاء في (الكشاف): (فتنتم أنفسكم) محنتموها بالنفاق وأهلكتموها (2).
(وَتَرَبَّصْتُمْ) وتربصهم مطلق فهم كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ليتمكنوا من إعلان كفرهم صراحة، وكانوا أيضاً يتربصون ظهور أحد الفريقين وانتصاره ليعلنوا أنهم كانوا معه كما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ) – النساء (141).
فالفتنة هذه تقتضي التربص للانتفاء من كل فريق. وهذا التربص يفضي إلى الريبة فيمن سيفوز ويربح ليعلنوا أنهم معه فقال (ارْتَبْتُمْ) أي شككتم في أمر محمد وهل هو على حق. وارتبتم فلا تعلمون أي فريق سيغلب.
ولما لم يتبين لكم الأمر على حقيقته (غَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) وخدعتكم وقلتم: لعله سيُغلب محمد، وبقيتم في هذه التمنيات الخادعة حتى جاءكم أمر الله وهو الموت. هذا علاوة على ما خدشكم به الشيطان وشركم بالله وقال لكم: إن الله سيغفر لكم ولا يعذبكم (3).
فغرتكم أماني أنفسكم والشيطان.
إن هذه المذكورات مرتبة ترتيباً منطقياً يفضي أحدها إلى الآخر. فهم فتنوا أنفسهم بأن أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر فكان عليهم التربص والانتظار، ولذا كان التربص من أثر الفتنة والاختبار. ثم لما طال التربص ولم تظهر له نتيجة حاسمة داخلتهم الريبة والشكوك فيمن سيظهر ويغلب. وبعدها جاء دور الأماني الخادعة تغرّهم وتمنيهم. ثم إن الشيطان ولج لئلا تصحو ضمائرهم ويخافوا بطش الله فغرهم بالله وهون عليهم الأمر واستمروا على ذلك حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من أنفسهم ومن الشيطان فسوف يلقون غيّا.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 259 إلى ص 261.
(1) أنظر المفردات في غريب القرآن (فتن).
(2) الكشاف 4/36.
(3) أنظر الكشاف 4/63، تفسير الرازي 29/337. البحر المحيط 10/106.
(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والدعوة إليه وذكر القرض الحسن والبخل والذين يأمرون به فقال (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) وقد كان بإمكانكم أن تفدوا أنفسكم في الدنيا بالإنفاق في سبيل الله فلم تفعلوا: والظاهر أن الفدية ههنا تعني المال وإن كانت الفدية عامة في كل ما يفتدي به فقد قال تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ ) - البقرة (196).
غير أن الذي يرجح معنى المال قوله لا يؤخذ ولم يقل (لا تقبل) والذي يؤخذ هو المال وهو المناسب لجو السورة وما شاع فيها من ذكر للإنفاق والقرض الحسن. والله أعلم.
وقال (لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) مع أن المنافقين من الذين كفروا ذلك أن المقصود به (الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) هم الكافرون من غير المنافقين وهم الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه (1) فلا تؤخذ الفدية لا من المنافقين ولا من سائر الكافرين الآخرين.
(مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ) أي هي دار إقامتكم والمأوى الذين تأوون إليه، والمأوى يعني الملجأ والمكان الذي يحتمي به فالنار ملجؤهم الذي يأوون إليه.
(هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ )
أي هي التي تتولى أمركم فذكر المأوى والمولى، ذلك أن الشر إنما يأتيهم من جهتين: المأوى والمولى. فقد يكون المأوى سيئاً غير أن المولى حسن وقد يكون العكس. أما هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم.
وقيل إن معنى (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ:) هي أولى بكم... وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم.. ويجوز أن يراد هي ناصركم أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفي الناصر على الثبات ونحوه قولهم (أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع) ومنه قوله تعالى (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار (2).
ويجوز أن يكون اشتقاق (المولى) من الولي وهو القرب فيكون معنى مولاكم أي مكانكم عن قرب (3).
والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب. ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن. وذلك لسببين والله أعلم: السبب الأول أنه ذكر في آية الحديد هذه أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعدونها وهي أقرب إليهم وأدنى من آمالهم.
والسبب الآخر أن كل الآيات الأخرى التي ورد فيها (مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا. والدنيا لا تزال غير منقضية، وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبل فالنار قريبة منهم فقال (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) .
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وهذه أنسب خاتمة لهم، فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير الحسن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ.
إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم.
فقد قال في المؤمنين:
1- يسعى نورهم: ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة وهذا إكرام، فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها. وفي الإسراع بما فيه من الإكرام.
2- أنه أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم. فهو لم يقل إنهم يمشون لأن المشي قد يكون فيه إبطاء ولم يقل (يسعون) لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور.
3- قال (يَسْعَىٰ نُورُهُمْ) فذكر الفاعل ولم يقل (يسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يدرى أيسعون في ظلمة أم في نور فذكر أن لهم نوراً يسعى.
4- أضاف النور إليهم. وهذا فيه أمران: الأول: الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن وهو يدل على قدر عمله فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره.
ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاماً فيستضيء به المنافقون فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره. فهذا إكرام للمؤمنين وإرهاق وحسرة على المنافقين.
5- قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) . ومعني (بين أيديهم) أمامهم. غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيداً عن الشخص. فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك. وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .)
6- وقال (وَبِأَيْمَانِهِمْ) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معني بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعداً عنها كما قال تعالى (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) - طه (17) ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة والباء تفيد الإلصاق.
۷- قال (بُشْرَاكُمُ ) ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد أن يجعل المشهد حاضراً ليس غائباً يسمع فيه التبشير ولا ينقل.
۸- وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشري كل واحد ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر.
- وقال (الْيَوْمَ ) للدلالة على قرب البشري وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع.
والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة.
۱۰- وقال: (جَنَّاتٍ) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) - الرحمن (46).
11- قال (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة. والركود مظنة الأسون هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ) - محمد (15).
قال (غير آنَس (لينفي عنها صفة الأسون ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه.
۱۲- وقال (الْأَنْهَارُ) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار.
۱۳- قال (خَالِدِينَ) وهي بشرى أخرى. وقال (فِيهَا) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكاناً ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة.
14- قال (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه. ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.
ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟!
15- ذكر أن المنافقين يقولون (انْظُرُونَا )ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنه لا يسعهم الانتظار وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به.
16- ثم قال (نَقْتَبِسْ) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم.
۱۷- قال (مِنْ نُورِكُمْ) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم.
۱۸- قال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم ولا يرهقوهم بكثرة القيل.
19- قال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) فحجز وهم عن أولئك السائلين المنافقين.
20- ثم قال (لَهُ بَابٌ) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه وإنما ينفذون منه إلى مرادهم.
۲۱- ثم قال (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟
أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون:
1- فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ (4) من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) - النساء (142). جاء في (تفسير ابن كثير): ويقول المنافقون للذين آمنوا( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب (5).
۲- وقال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم فبني الفعل للمجهول وقيل إن القائل هم الملائكة فهم الذين تولوا الرد عليهم أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم. وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون.
٣- قال (ارْجِعُوا) وهو إهانة أخرى.
4- وقال (وَرَاءَكُمْ ) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا. وهو إهانة ظاهرة.
5- قال (فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهم يعلمون أنه ليس ثمة نور وهو من باب الاستهزاء بهم.
6- وقال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة.
٧- وقال:( وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) وهي جهتهم.
۸- قال (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ) فذكر أنه يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون.
9- وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم. وغرتكم الأماني. وغركم بالله الغرور. كل خصلة منهن إهانة وتبكيت.
10- وقوله تعالى:(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ ) (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب. نعوذ بالله.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 261 إلى ص 266.
(1) أنظر نظم الدرر 7/ 446.
(2) الكشاف 4/ 64.
(3) أنظر فتح القدير 5/ 242.
(4) أنظر تفسير ابن الكثير 4/ 364 – 365.
(5) تفسير ابن كثير 4/ 365.
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
(يَأْني) مضارع (أنى) ومعنى (أنى) حان ونضج. (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) معناه ألم يحن لهم ذلك؟
(أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ)
أسند الخشوع إلى القلوب. والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح. فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع. كما يسند إلى الشخص كله فيقال رجل خاشع أي خاضع كما قال تعالى: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) - الأنبياء (90) وقال (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) - الشورى (45).
والخشوع هو الخضوع والخشية والذل. فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله. فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. وذكر الله عام،
وما نزل من الحق هو القرآن. وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية.
فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنفال (2). وقال (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الحج (34، 35).
والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩) - الإسراء (107، 109). وقال (لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ) - الحشر (۲۱) وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (23).
والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكراً فقد حكي عن الكفار قولهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ) - ص (8) وقال: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) - طه (99) وقال (وقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) - الطلاق (10) وقال: (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ ) - الأنبياء (50).
فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعاً. وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعاً لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟
لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية:
1- كون المخاطبين مؤمنين وهذا يستدعي الخشية.
2- ذكر الله وهو مدعاة إلى الخشية.
۳- ما نزل من الحق أي القرآن وهو مدعاة إلى الخشية.
وهذه الآية نظير قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) - الأنفال (2) (1) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته.
وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذاك وقال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) ؟
والجواب أن ذلك لجملة أسباب منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) .
ومنها أنه قال (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أن يكون بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) .
ومنها أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم وذكر أهل الكتاب وقلوبهم فناسب ذلك ألطف مناسبة. وقال (أُوتُوا الْكِتَابَ) ولم يقل (آتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم ومن سعة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بني الفعل للمجهول فقال: (أُوتُوا الْكِتَابَ ) وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) (2).
(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ)
بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها.
وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضاً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ ) - البقرة (74) (وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنعام (43) وقال (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ ) - المائدة (13) وقال (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (22) وغيرها. وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح.
وقد تقول: ولم قال (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) من قبل فذكر ( مِنْ قَبْلِ) ولم يقل (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟
والجواب أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول. فلما قال (مِنْ قَبْلِ) دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟ فذمهم وذم أسلافهم بخلاف ما لو حذف (مِنْ قَبْلِ) .
ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟ فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد.
(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
ذكر أن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله، ومجيء هذا القول بعد قوله (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ) يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه. وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها.
وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل وقال ههنا (كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ9 فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيراً منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟
والجواب أنه لا تناقض بين قوله (إنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقوله: (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) ، فقوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) يعني أن كثيراً منهم فاسقون. وإنما التناقض يكون لو قال (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك (محمد أفضل الناس) لا يناقضيناقض قولك (هو عالم) ولكنه يناقض قولك (هو أجهل الناس) أو هو جاهل.
أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها بخلاف الوصف بـ (کثیر) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك:
لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) - المائدة (59) وقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) - آل عمران (110). وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته.
فقد جاء في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )….
ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ.)
وكذلك الأمر في آل عمران فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين.
ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة. ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة. فناسب أن يذكر ذلك بقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 266 إلى ص 270.
(1) أنظر الكشاف 4/64.
(2) أنظر معاني النحو 2/496 وما بعدها.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
أمرنا بأن نعلم هذا الأمر أي أن الله هو الذي يحيى الأرض بعد موتها وأنه ما كانت لنحيا لو أن الله يحييها. فهي لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن ذاتنا أخرت دونه أو معه قادرة على ذلك فالله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها.
ووجه ارتباط الآية بما قبلها ظاهر من جهتين: ذلك أنها تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب فإنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض (1). جاء في (روح المعاني) أن قوله (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) تمثيل ذكر استطراداً لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير من القساوة (2).
ومن جهة أخرى إن هذه الآية تدل على بعث الأموات وأن الله سيحييهم ويبعثهم كما يحيي الأرض. وقد مر قبل هذه الآية ذكر الآخرة وجملة من مشاهدها. وهي كما ترتبط بما قبلها من جهتين ترتبط بما بعدها من جهتين أيضاً.
فإنه ذكر بعد هذه الآية أن المصّدقين والمصّدقات يضاعف لهم. وذلك شأن الأرض التي تحيا بالغيث فإنها تضاعف ما يزرع فيها. وقد ذكر الله ذلك في مكان آخر فقال (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) - البقرة (261).
كما أنه ذكر الآخرة بعدها وطرفاً من أحوالها. فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها والله أعلم، جاء في (تفسير الرازي) أن قوله هذا تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث. والثاني أن المراد من قوله( يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ) بعث الأموات فذكر ذلك ترغيباً في الخشوع والخضوع وزجراً عن القساوة (3).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 270 إلى ص 271.
(1) أنظر الكشاف 4/64.
(2) روح المعاني 27/278.
(3) تفسير الرازي 29/231.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ )
لقد قال المصدّقين والمصَدّقات بالإبدال ولم يقل (المتصدقين والمتصدقات) للدلالة على المبالغة في الصدقات. وقد بينا ذلك في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) وذكرنا الفرق بين الإبدال وعدمه في نحو قوله (المتصدقين والمتصدقات) (1) فلا نعيد القول فيه.
وقد عطف المصدّقات على المصدّقين ولم يكتف بجماعة الذكور ليدل على استقلال النساء في أموالهن فيتصرفن فيها ويتصدقن منها من دون أن يقسرهن أحد في أموالهن ويرغمهن على شيء لا يردنه وأنه ليس لأحد أن يمنعهن من التصدق لا أزواجهن ولا آباؤهن ولا غيرهم. وليبين أنه إذا كان لهن مال فلا تغني صدقة أزواجهن عنهن أو أحد من أقربائهن. وأنه يضاعف لهن الأجر كما يضاعف للرجال.
ثم إنه ذكر المصدّقين والمصدّقات كما ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في السورة كما سبق أن ذكرنا.
وقد ذكر الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً بعد ذكر المصدّقين والمصدّقات وعطفهم عليهم إشارة إلى أن الصدقة غير القرض الحسن.
وقد ذكر في القرض الحسن أقوال منها أنه أحسن أنواع الصدقة أو أن المراد بالتصدق التصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك (2).
والذي يظهر والله أعلم صحة القول الأخير لأوجه منها:
1- أن القرآن قد يذكر القرض الحسن بعد الزكاة وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة، قال تعالى (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) - المائدة (12) وقال( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ) - المزمل (20) والزكاة فرض مما يشير إلى أن القرض الحسن إنما هو من باب التطوع بعد الفريضة.
۲- تسميته قرضاً والمقرض ليس ملزماً بالإقراض وإنما هو مخير بخلاف المزكي فإنه ملزم بإخراجها وبخلاف المتصدق فإن من الصدقة ما يلزم.
٣- قال في أكثر من موطن (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) - البقرة (245)، الحديد (11) وهو كأنه من باب الترغيب في الإقراض والتخيير فيه وليس من قبيل الإلزام.
أو أن القرض الحسن أعم من الصدقة فهو في الصدقات وغيرها من وجوه الإنفاق في أبواب الخير. ولذا عطف المقرضين على المتصدقين.
وقد عطف بالفعل على الاسم فقال( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) ليدل على أن الصدقة لازمة ثابتة وأن التصدق وصفهم العام الثابت فهي متكررة على جهة الثبوت بخلاف الإقراض فإنه ليس ثابتاً ثبوت الصدقة ولذا لم ترد صفة الإقراض بالصيغة الاسمية في القرآن الكريم فلم يقل (المقرضين) كما قال (المتصدقين).
وقد وصف القرض بأنه حسن وقد مر ذكر المقصود بالحسن في آية سابقة.
ومن الطريف أن نذكر أن الله لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن فلم يرد مرة ذكر القرض دون وصفه بذاك بخلاف الصدقة.
وأنه حيث ذكر القرض فإنه ذكر أنه إقراض لله ولم يطلقه مرة من دون تقييد.
ولعله للتفريق بين الإقراض المالي في المعاملات وما يعطيه القرد لوجه الله. بخلاف الصدقات فإنها لا تكون إلا في العبادات.
ثم ذكر المضاعفة والأجر الكريم كما ذكر في آية سابقة أعني قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) .
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 270 إلى ص 273.
(1) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني 44 وما بعدها.
(2) تفسير الرازي 29/232.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.)
أي ليس ثمة صدّيق إلا هؤلاء فمن لم يؤمن بالله ورسله فليس بصديق، غير أن الصديقين درجات وأجورهم متفاوتة فالصديقية قد تكون وصفاً للنبي وغيره. فقد وصف الله قسماً من رسله بالصديقية. فقد وصف بها سيدنا إبراهيم (عليه السلام) فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) - مريم (41) ووصف بها إدريس (عليه السلام) فقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) مريم (56) ووصف بها غيرهم من المؤمنين فقد وصف بها مريم فقال (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ ) - المائدة (75) وقد يعدهم صنفاً آخر بعد الأنبياء فيقول: (مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ ) - النساء (69). وذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. فهي صفة مبالغة من الصدق أو التصديق.
فالصديقون درجات كما أن الشهداء درجات وأن غيرهم من الصالحين درجات، فالذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وليس ثمة صديق غيرهم وأجورهم بقدر أعمالهم.
ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل عن المؤمن يسرق ويزني؟ فأجاب: نعم. أي في حال من الأحوال ولا يخرجه ذلك عن دائرة الإيمان، وسئل عن المؤمن أيكذب؟ فقال: لا.
إذن فالمؤمن يصدق دائماً فإن كذب خرج عن دائرة الإيمان. وعلى هذا فالمؤمن صديق ولا يكون إلا كذلك.
(وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ)
وهذا على أحد معنيين:
إما أن يكون للشهداء أجر الصديقين ونورهم باعتبار أن الشهداء من الصديقين لأنه ليس ثمة شهيد إلا ممن آمن بالله ورسله.
وإما أن يكون للشهداء أجرهم ونورهم الخاص بهم كما نقول: لكم أجركم ولهم أجرهم على اعتبار أن الشهداء صنف آخر. فللصديقية اعتباران: اعتبار عام وهو من آمن بالله ورسله. واعتبار خاص وذلك أنهم من صفوة المؤمنين بالله ورسله فلا يناقض أحدهما الآخر.
وقوله (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) يمكن حمله على الاعتبارين: على اعتبار أنهم من الصديقين لأنهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعلى اعتبار أنهم صنف خاص لهم وصفهم الخاص من بين عموم المؤمنين. جاء في (الكشاف): (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ) يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.
(لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم.
فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟
قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون (وَالشُّهَدَاءُ) مبتدأ و لهم أجرهم خبره (1).
وقد ذكر في الآية الشهداء بعد الصديقين كما في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) - النساء (69)، فقد جعل الصديقين صنفاً بعد الأنبياء وذكر بعدهم الشهداء وذكر بعدهم عموم الصالحين. وقال (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) فذكر أمرين الأجر والنور وقد تردد هذان الأمران في السورة في أكثر من موطن فقد ذكر بعد قوله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) وقوله (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) .
وذكر بعد قوله (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) قوله (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ ) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)
ذكر هؤلاء بمقابل ما مر في صدر الآية فذكر الذين كفروا بمقابل الذين آمنوا بالله وذكر الذين كذبوا بآياته سبحانه بمقابل الذين آمنوا برسله فإن الإيمان بالآيات يكون عن طريق الإيمان بالرسل. فذكر أن هؤلاء أصحاب الجحيم أي ملازموه لا يفارقونه.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 273 إلى ص 274.
(1) الكشاف 4/ 65.