برنامج لمسات بيانية
قال تعالي في سورة يوسف : { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ } [ يوسف : 94 ] .
سؤال : لماذا قال : { لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } ولم يقل : ( أشم ) مع أن الروائح تشم ؟
الجواب : إن ريح يوسف كانت ضائعة مع يوسف فوجدها , والضائع يقال فيه : ( وجدته ) .
ثم إن ( وجد ) لا يختص بالأمور المادية , وإنما هو عام في القلبي والمحسوس وغيره . قال تعالي : { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ } [ الأعراف : 102 ] , وقال : { وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } [ النور : 39 ] , وقال : { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [ الاسراء : 77 ] .
برنامج لمسات بيانية
(قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا)
قال (قَالُوا يَا وَيْلَنَا ) ولم يقل (يقولون يا ويلنا) ذلك أنه لو قال (يقولون) لكان الفعل حالاً للنسلان أي (ينسلون قائلين يا ويلنا) كما نقول (هو يقبل يبكي) و(يدبر يسرع) فيكون القول عند النسلان في حين أن القول قبل النسلان فإنما قالوا ذلك في ابتداء بعثهم من القبور (1)، جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: لو قال الله تعالى (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا) كان أليق.
نقول معاذ الله، وذلك لأن قوله (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاء ويؤلفها ويحييها ويحركها ... فلو قال (يقولون) لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم (يا ويلنا) قبل أن ينسلوا" (2)
(يَا وَيْلَنَا)
الويل هو الحزن والعذاب والهلاك ومعنى (يا ويلنا) أنهم ينادون هلاكهم وعذابهم أي احضر يا عذابنا ويا هلاكنا فهذا أوانك كما يقول الناس (يا مصيبتي) و(يا خراب بيتي) أي احضر فهذا وقتك وأوانك قال تعالى في أصحاب النار(وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) الفرقان 13، 14
أي قالوا: يا ويلاه، يا ثبوراه.
جاء في (لسان العرب): "الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة بالويل ومعنى النداء فيه يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع" (3).
وقد تقول: ولم قال (يا ويلنا) ولم يقل (يا ويلتنا) بالتاء ؟
والجواب أن الويل هو ما ذكرناه أي العذاب والحزن أما الويلة فهي الفضيحة ويؤتى بها في مواطن الفضيحة وذلك نحو قوله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )
الكهف 49.
فقالوا (يا ويلتنا) أي يا للفضيحة وهي فضيحة نشر الأعمال، فإن قسماً من الأعمال كان يتستر منها فاعلها فهو يفعلها في السر فإذا بالكتاب قد فضحها كلها.
ولو تتبعنا مواطن استعمال الويلة بالتاء في القرآن الكريم لوجدناها كلها في مواطن الفضيحة بخلاف مواطن الويل.
قال تعالى (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) هود 72
فقالت (يا ويلتى) ذلك أن العجوز المسنة التي تلد وبعلها شيخ تشعر بأن ولادتها في مثل هذا السن فضيحة تخجل منها ولذا قال تعالى في موطن آخر (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) الذاريات 29.
وقال في ابن آدم الذي قتل أخاه ولم يعلم ماذا يفعل به ولا كيف يتخلص من الجثة وقد أعيته الحيلة (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ )
–المائدة31.
وه و موطن عجز فاضح إذ كان أقل تفكيراً وحيلة من الغراب.
وقال (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ) – الفرقان 27-29
وهذا موطن افتضاح في ضعف الشخصية وعجزها فإن صاحبه استطاع أن يخدعه ويضله ويلغي تفكيره ويعبث بعقله وذلك دليل نقص وعجز.
ولم يرد الويل في مثل هذه المواطن.
قال تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ) لأنبياء 12 -15
وقال: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) – الأنبياء 46
وقال: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) – الأنبياء97
وقال: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) – يس 52
وقال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) – الصافات 19،20
وقال: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) –القلم 30،31
جاء في (لسان العرب): "الويل حلول الشر والويلة الفضيحة والبلية، وقيل هو تفجع وإذا قال القائل واويلتاه فإنما يعني وافضيحتاه، وكذلك تفسير قوله تعالى (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ" )
و(المرقد) يحتمل المكان ويحتمل المصدر أي الرقاد، وهو بهذا المعنى أي بمعنى الرقاد تكون ضجعة القبر كالنوم بالنسبة إلى اليقظة فيكون البعث يقظة والرقاد في القبر كالنوم.
وقال (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ولم يقل (من بعثنا من أجداثنا) ليشمل المعنيين: المكان والمصدر، فهم قد بعثوا من الأجداث وبعثوا من رقدة الموت، جاء في (الكشاف): "عن مجاهد للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا" (5)
وجاء في (البحر المحيط): "المرقد استعارة عن مضجع الميت، واحتمل أن يكون مصدراً أي من رقادنا وهو أجود أو يكون مكاناً فيكون المفرد فيه يراد به الجمع أي من مراقدنا، وما روي عن أبي بن كعب ومجاهد وقتادة من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر فقالوا هو غير صحيح الإسناد وقيل قالوا من مرقدنا لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم" (6).
برنامج لمسات بيانية
(إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)
أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة.
وجاء بالفاء وإذا للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلي وسرعته، فإذن (إذا) نفيد المفاجأة والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة.
ومعنى (جميع) مجموعون أي فإذا هم مجموعون.
وقد تقول: ولم قال (جميع) ولم يقل (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) الواقعة 49،50
وقال (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود 103
والجواب أن (جميع) تأتي بمعنيين – كما ذكرنا في آية سابقة – إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) القمر 44 وقوله (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) الشعراء 56 أي مجتمعون.
فجاء بــ(محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون أي لم يجتمعوا باختيارهم، وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصاً على اسم المفعول أي جمعوا جمعاً ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون).
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2) ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع، فأنت لا تقول (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول (طريد) إلا لمن طرد، أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال بخلاف فعيل.
وفي آية يس تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع.
أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول، قال تعالى في الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ) فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا وسياق الآيات واضح في ذلك.
وقال في هود (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) هود 103-105
فقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ) يدل على أنهم في الدنيا، وكذلك قوله (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) وقوله (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل.
فاتضح الفرق.
ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا) فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب فأنت تقول (عندي مال) وإن كان غائباً ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضراً قريباً (3)
وتقديم (لدينا) يدل على القصر أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مربيان ذلك.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص192 إلى ص193
1- ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363
2- كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156
3- ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضى على الكافية 2/128
(فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
فاليوم أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئاُ، ذكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1) فالتنكير أفاد العموم، ونفي الظلم على الإطلاق فليس في ذلك اليوم من ظلم كما قال تعالي (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) غافر 17.
و(شيئاً) يحتمل معنيين:
يحتمل المصدرية أي لا تظلمون شيئاً من الظلم وإن قل.
ويحتمل المفعول به أي لا تظلمون شيئاً من الأشياء(2)
وهذا المعنيان مرادان معاً فلا تظلم نفس شيئاً من الظلم ولا شيئاً من الأشياء ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها.
(وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
بعدما نفى الظلم عن الجميع التفت إلى المخاطبين فقال (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) خطاب للكافرين ذلك أن المؤمن يجزى أضعاف ما كان يعمل أما الكافر فلا يجزى إلا ما كان يعمل.
وقيل بل إن الخطاب عام لأن المقصود به الجنس بمعنى أن الجزاء من جنس العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر فلا يجزى العمل السيئ بالجزاء الحسن ولا العمل الحسن بالسيئ.
جاء في (التفسير الكبير): "فقوله (لا تظلم نفس) ليأمن المؤمن
(ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) لييأس المجرم الكافر.
وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله (ولا تجزون) وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله (لا تظلم) ولم (ولا تظلمون أيها المؤمنون) ؟
نقول: لأن قوله (لا تظلم نفس شيئاً) يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبداً.
(ولا تجزون) مختص بالكافر فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً، وفيه بشارة.
(المسألة الثانية): ما المقتضى لذكر فاء التعقيب؟
نقول لما قال (محضرون) مجموعون والجمع للفصل والحساب، فكأنه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل فلا ظلم عند الجميع للعدل، فصار عدم الظلم مترتباً على الإحضار للعدل، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي، جلست للعدل فلا تظلم أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه.
(المسألة الثالثة): لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا يعملون أو على ما كانوا، وقوله (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) يدل على أن الجزاء بعين العمل، لا يقال: (جزى) يتعدى بنفسه وبالباء، يقال: جزيته خيراً وجزئيته بخير لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت (جزيته بخير) لا يكون الخير مفعولك بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول: جزيته جزاء بسبب ما فعل.
فنقول: الجواب عنه من وجهين:
(أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه. فنقول قوله تعالى (يجزون بما كانوا يعملون) في المساواة كأنه عين ما عملوا، يقال: فلان يجاوبني حرفاً بحرف أي لا يترك شيئاً وهذا يوجب اليأس العظيم.
(الثاني) هو أن (ما) غير راجع إلى الخصوص وإنما هي للجنس تقديره: ولا تجزون إلا جنس العمل أي إن كان حسنة فحسنة وإن كان سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة، وهذا كقوله وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " (1)
وجاء في (روح المعاني): واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام إخباراً من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير (نفس) واختاره السكاكي.
وقيل عليه يأبه الحصر لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافاً مضاعفة، ورد بأن المعنى أن الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه لأن الحكمة تأبى ما هو على صورة الظلم، أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك.
أو المراد بقوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر" (2)
والتحقيق في الأمر أنه يعبر عن نحو ذلك بتعبيرين (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) وكل له معنى.
فالتعبير الأول يحتمل معنيين:
المعنى الأول: هو أنكم تجزون بمقدار ما كنتم تعملون أي لا يزيد الجزاء عن العمل ولا ينقص.
والمعنى الآخر: هو أنكم تجزون من جنس عملكم إن كان عملكم خيراً فالجزاء خير وأن كان شراً فالجزاء شر كقوله (صلى الله عليه وسلم) (الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر).
وأما التعبير الثاني وهو قولنا(ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) فالباء فيه تفيد السبب ولا يقتضي أن يكون الجزاء بمقدار العمل بل ربما زاد عليه، ففي قولك (عاقبتك بفعلتك) قد تكون العقوبة شديدة وهي أكبر مما تقتضيه الفعلة.
وتقول (أكرمتك بحسن إجابتك أو بحسن تصرفك) فقد يكون الإكرام أكبر بكثير من عمله، فلا يقتضي ذلك مساواة الجزاء للعمل بل قد يكون مساوياً له وقد يكون غير مساوٍ له.
ولم يرد في القرآن الكريم (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ونحوه من التعبيرات في خطاب المؤمنين البتة وإنما ورد ذلك في خطاب الكافرين أو الخطاب لعموم الخلق .
فأما في خطاب الكافرين فتكون العبارة بمعنييها معاً وهو أنه لا يجزون إلا بمقدار ما كانوا يعملون ومن جنس ما كانوا يعملون.
وأما في خطاب عموم الخلق فالراجح أنه يعني الجنس أي إنما تجزون من جنس عملكم بدليل استثناء المؤمنين من المعنى الأول فإن جزاءهم أكبر من عملهم.
أما الجزاء بالباء فيكون للمؤمنين والكافرين قال تعالى (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) التوبة 121
وقال (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) النور 38 .
وهذه بشارة عظيمة، وقد أخبرنا ربنا أن الذي يعمل السيئة لا يجزى إلا مثلها أما الحسنة فتجزى بعشر أمثالها أو تجزى بخير منها، قال تعالي (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ) – غافر 40، وقال (فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) –القصص 84.
وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) الأنعام160
وقال (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ) –النمل 89
وأما التعبير بالباء فيرد للمؤمنين والكافرين كما ذكرنا.
قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل 97
وقال (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الزمر 35
فهذا في المؤمنين
وقال في الكافرين:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ) – الأنعام 120.
وقال: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ) الأنعام 157.
فاتضح الفرق بين التعبيرين.
ونعود إلى آية يس وهي قوله (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فقد ذكرنا أنه التفت إلى المخاطبين بعدما ذكر العموم ولم يقل (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) وذلك أن الظلم منفى عن أن يوقع بكل نفس على جهة العموم فلا تظلم نفس شيئاً، ولو قال (ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) لاحتمل أن يكون المعنى أنه لا تجزى أي نفس إلا بمقدار ما كانت تعمل وهذا المعنى غير صحيح ولا مراد إذ قد تجزى نفس بأضعاف ما كانت تعمل وهي نفوس المؤمنين على العموم فالتفت إلى المخاطبين ليخبرهم بما أخر ويحذرهم من مغبة أعمالهم.
فقوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قد يكون مقصوداً به الكفار خصوصاً ولهذا المعنى ما يرجحه ذلك أن الآية وقعت في سياق الكلام على الكفار وذلك ابتداء من قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) إلى هذه الآية.
ويرجح ذلك أيضاً قوله بعد البعث (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) فيكون هذا التعبير مقصوداً بمعنييه أي إنكم لا تجزون إلا بمقدار ما كنتم تعملون ومن جنسه.
وقد يكون مراداً به العموم فيكون المقصود به أنكم لا تجزون إلا من جنس أعمالكم، فكان الالتفات في نحو هذا أولى.
وقد تقول: لقد قدم نفي الظلم على الجزاء في هذه الآية.
وفي آية آخري قدم الجزاء على نفي الظلم فقال (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) – غافر 17
فما السبب؟
فنقول: إن جو سورة يس وسياق الآيات فيها إنما هو في العلاقات بين أفراد المجتمع وظلمهم لبعضهم فقد ذكر قبل هذه الآيات ظلم أصحاب القرية للمرسلين، وقتلهم الرجل الصالح ظلماً، وذكر ظلم الموسرين للفقراء بأن منعوهم حقهم، ثم ذكر أن الصيحة تأخذهم وهم يختصمون فيما بينهم.
فقدم نفي الظلم الذي يقع بين العباد على العمل الذي هو عام ويدخل فيه الظلم وغيره.
وأما في سورة غافر فلم يرد ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع وتظالمهم فيما بينهم بل الكلام فيها على العقيدة، وليس في السورة موطن واحد ذكر فيه ظلم العبد للعبد حتى أنه في الآية الخامسة وهي قوله (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) لم يذكر الأخذ وإنما ذكر الهم بالأخذ.
فناسب تقديم الجزاء على نفي الظلم والله أعلم.
برنامج لمسات بيانية
(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)
يصح أن يكون هذا الكلام من جملة ما يقال للكفار وهم تتمة للكلام السابق فقد قيل لهم (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ثم ذكر لهم عن أصحاب الجنة فقال (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ..) وذلك زيادة لحسرتهم بأن يروا ما أعد لهم من أنواع العذاب ويخبروا بنعيم أهل الجنة.
كما يصح أن يكون هذا استئناف كلام جديد وإخباراً عاماً لنا عن أصحاب الجنة ونعيمهم لنقتدي بسيرتهم.
فهو على تقدير كونه خطاباً للكافرين يوم القيامة يكون تنديماً لهم وزيادة في حسرتهم، وعلى تقدير كونه إخباراً لنا عن نعيمهم في ذلك اليوم يكون باعثاً لنا لنكون منهم؟
وقد صيغ هذه الصيغة الاحتمالية لتحتمل الأمرين، فهو من ناحية تنديم للكافرين يوم القيامة، وهو من ناحية أخرى حث لأهل الدنيا فجمع بين الأمرين، ولو خاطب أصحاب الجنة قائلاً (يا أصحاب الجنة إنكم اليوم في شغل فاكهون... ) كما خاطب الكافرين بقوله (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لم يجمع هاتين الفائدتين، جاء في (روح المعاني): " قوله تعالى (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) على تقدير كون الخطاب السابق خاصاً بالكفرة من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم فإن الإخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة، وفي حكاية ذلك مزجرة لهؤلاء الكفرة عماهم عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين.
وعلى تقدير كونه عاماً ابتداء كلام وإخبار لنا بما يكون في يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب" (1)
لقد أخبر عن أصحاب الجنة بأنهم في شغل والشغل هو الأمر الذي يشغل المرء عما سواه فلا يلتفت إلى غيره إما لكونه موجباً للمسرة أو للمساءة، ولما قال (فاكهون) علم بأنهم مشغولون بالنعيم فلا يعنيهم أمر أهل النار ولا أهوال يوم القيامة ولا غير ذلك من الأمور.
ونكر الشغل ليدل على أن هذا الشغل ليس مما نعهد من الشغل ولا مما نعرف وإنما هو شغل آخر يكفي أن يقال إنهم فاكهون فيه، ولا يحسن التعريف ههنا لأن الشغل المذكور غير معلوم ولا معروف، فأنت إذا سألت شخصاً: أين أبوك؟ فقال لك: هو في الشغل، دل ذلك على أنه في الشغل المعهود الذي يشغله كل يوم أو مما يشغله في العادة.
فإن قال لك: هو في شغل، علمت أنه ليس في شغله المعهود وإنما هو شغل آخر طرأ له ولا تعلم أهو شغل في خير أم في مساءة، فقال تعالى إنهم فاكهون في شغلهم، جاء في (التفسير الكبير): "قوله (في شغل) يحتمل وجوها: (أحدها) في شغل عن هول اليوم بأخذ ما أتاهم الله من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله (فاكهون) يكون متمما لبيان سلامتهم، فالله لو قال (في شغل) جاز أن يقال هم في شغل عظيم من التفكر في اليوم وأهواله، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله يقول: أنا مشغول غن هذا بأهم منه، فقال (فاكهون) أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور.
و(ثانيها) أن يكون ذلك بياناَ لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل يكون معناه هم في عمل ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب" (2).
وجاء في (روح المعاني): "والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه لكونه أهم عنده من الكل إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة والمراد ههنا الأول وتنكيره للتعظيم كأنه شغل لا يدرك كنهه والمراد به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما يخطر بالبال ... وأفرد الشغل باعتبار أنه نعيم وهو واحد بهذا الاعتبار" (3)
إن هذا التعبير يحتمل أن يكون قد أخبر عن أصحاب الجنة بخبرين وهما أنهم في شغل وأنهم فاكهون فيكون (في شغل) خبراً أول و(فاكهون) خبراً ثانياً على النحو الآتي:
إن أصحاب الجنة (في شغل)، (فاكهون).
كما يحتمل أن يكون الخبر هو (فاكهون) و(في شغل) متعلقاً به، أي أنهم فاكهون في الشغل، أي:
أن أصحاب الجنة (فاكهون في الشغل) أي متمتعون بالشغل.
وبهذا جمع عدة معان وهي: أنهم في شغل، وأنهم فاكهون على العموم سواء كان ذلك في الشغل أم في غيره، وأنهم فاكهون في الشغل.
إنه يصح في العربية أن يقال (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين) فيكون الخبر (في شغل) و(فاكهين) حالاً من الجار والمجرور، غير أن ما قاله أولى ذلك لأنه لو قالها بالنصب لكان المعنى أنهم فاكهون عند شغلهم فيكون التمتع في الشغل، أما في غيره فهو مسكوت عنه فقد يكونون فاكهين أو غير فاكهين.
فجاء به مرفوعاً ليعم ذلك كل الأحوال والأوقات، جاء في (روح المعاني): "والجار مع مجروره متعلق بمحذوف وقع خبراً لإن و(فاكهون) خبر ثان لها، وجوز أن يكون هو الخبر و(في شغل) متعلق به أو حال من ضميره..
والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الإسمية قبل تحققها لتنزيل المترقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وفيه على تقدير خصوص الخطاب زيادة لمساءة المخاطبين" (4)
ومعنى (فاكهون) متنعمون متمتعون متلذذون بما يحصل لهم (5)، يقال (تفكهت بالشيء) أي تمتعت به (6).
وقد قدم (في الشغل) على (فاكهون) للاهتمام وذلك لبيان أنهم في الشغل فاكهون، إذ من المعتاد أن يتفكه الإنسان في الراحة من الشغل لا في الشغل، فذكر أنهم في شغل فاكهون إذ أن هذا الشغل ليس كالأشغال الأخرى التي ترهق المرء وتضنيه؟
هذا في الشغل فكيف في غيره مما يتفكه فيه الإنسان؟!
برنامج لمسات بيانية
( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ)
معنى (يدعون) يطلبون، ومعناه أيضاً يتمنون، يقال: ادع عليِّ ما شئت أي تمنّه (1) فلهم ما يطلبون وما يتمنون.
لقد قدم (لهم) على (فيها) وأخر الفاكهة وذلك أن الكلام عليهم فقد قال (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، هم وأزواجهم في ظلال) فناسب أن يقدم ما تعلق بهم، ثم قال (فيها) أي في الجنة، وهو نظير ما مر من قوله (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) وقوله (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) فقوله (لهم) يقابل (أصحاب الجنة) ويقابل (هم وأزواجهم) فإن الضمير في (لهم) يعود عليهم، وقوله (فيها) يقابل (في شغل) ويقابل (في ظلال) لأن ذلك فيها أي في الجنة.
لقد وردت في القرآن الكريم تعبيرات مختلفة من نحو هذا التعبير اختلف فيها التقديم والتأخير وذلك نحو قوله تعالى..
( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) –النحل 31
وقوله: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ) – الفرقان 16
فقدم في الآيتين (فيها) على (ما يشاؤون).
غير أنه قال في مكان آخر ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ق 35
فقدم (ما يشاؤون) وأخر (فيها)، وذلك بحسب ما يقتضيه المقام.
أما قوله تعالى في سورتي النحل والفرقان (لهم فيها ما يشاؤون) بتقديم (فيها) على (ما يشاؤون) فلأن الكلام كان على الجنة.
قال تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ) النحل 30،31
وقال: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ) الفرقان 15،16
فالكلام كما ترى على الجنة في الموطنين فقدم ضمير الجنة (فيها) على (ما يشاؤون).
أما آية (ق) التي فيها قدم (ما يشاؤون) على (فيها) فلأن الكلام على من سيدخل الجنة، قال تعالى (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) – ق 32-35.
فقدم (ما يشاؤون) على ضمير الجنة.
والضمير في (يشاؤون) كما هو معلوم يعود على من سيدخل الجنة، فناسب كل تعبير مكانه.
وقد تقول: لقد قال في آية يس هذه: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ)
وقال في سورة فصلت: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) -31 . فكرر (فيها) ولم يكررها في يس فما الفرق؟
والجواب أن آية يس فيمن هم في الجنة يتنعمون فيها هم وأزواجهم، أما آية فصلت فالكلام فيها قبل دخول الجنة وهو عند الموت قال تعالى
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)
فالملائكة تتنزل عليهم تبشرهم بالجنة فقال (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) فكرر (فيها) ليعلمهم أن كلا الأمرين إنما هو في الجنة، ولو قال (ولكم ما تدعون) لاحتمل أن يكون ذلك قبل دخول الجنة عند الخطاب فأعلمهم أن ذلك إنما يكون في الجنة.
أما آية يس فالكلام فيها على من في الجنة فقال (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) لأنهم فيها فلا يحتاج إلى ما كرر في آية فصلت والله أعلم.
وقد تقول: ولم قال في آية يس ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ) ؟ وقال في فصلت ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)؟
والجواب أن آية يس في أصحاب الجنة عموماً، أما آية فصلت فهي في صنف معين من أهل الجنة وهم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
ولاشك أن هؤلاء أعلى منزلة من عدد غير قليل من أهل الجنة، فإن الاستقامة هي الالتزام بالشرع عملاً وانتهاء والاستمرار على ذلك، وليس كل أهل الجنة كذلك فإن منهم من لم يستقم في حياته ولم يلتزم بحدود الشرع غير أن الله أدخله الجنة تفضلاً منه سبحانه.
فقال في الذين استقاموا (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) وقال في أصحاب الجنة عموماً (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ) فكان الجزاء للذين استقاموا أعلى فإن ذلك أعم من مجرد الفاكهة فالفاكهة ليست إلا جزءاً مما تشتهي النفس.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن هؤلاء الذين استقاموا على الشرع أبعدوا أنفسهم عن الشهوات وحرموها كثيراً مما كانت تطلب فأطلقها الله لهم في الآخرة بمقابل الحرمان في الدنيا فقال (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) .
وقد تقول: وما الفرق بين ما تشتهي وما تدعي؟
والجواب أن ما تدعيه معناه ما تريده وما تطلبه بالقول، وما تشتهيه هو ما تريده النفس سواء طلبته أم لم تطلبه.
فقد تشتهي النفس شيئاً ولا تطلبه لأسباب عدة، فذكر تعالى أن لهؤلاء الأمرين كليهما، فإذا اشتهت أنفسهم شيئاً كان لهم ذلك وإن لم يطلبوه، فإنه يكفي أن يخطر في أنفسهم خاطر رغبة في شيء فيحققه الله لهم وإن لم تجر ألسنتهم بذكره، ولهم أيضاً ما يطلبون فذكر ما يدور في النفس وما يطلبه اللسان والله أعلم.