عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٢٧﴾    [الحديد   آية:٢٧]
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا) أي على آثار نوح وإبراهيم ومن بعدهما من الذرية الذين جعل فيهم النبوة والكتاب. (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي واتبع الرسل بعيسى بن مريم وذكر عيسى لأنه آخر الرسل قبل الرسول الخاتم ولأنه ذكر الكتاب الذي أنزل إليه وذكر أتباعه وحالهم. واقتضى ذكره أيضا لأنه تفرد عن بقية الرسل بأنه ليس من ذرية إبراهيم من جهة الأب وإنما من جهة الأم. والمعروف في ذرية الشخص من ينتسب إليه من جهة الأب إلا أنه عده الله من ذريتهما في أية أخرى وهي قوله( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) - الأنعام (84-85). والله سبحانه ينسبه إلى أمه رداً على النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله. جاء في (التحرير والتنوير): وضمير الجميع في قوله (عَلَىٰ آثَارِهِمْ) عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب. فأما الذين كانت فيهم النبوة فكثيرون وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل. و(عَلَى) للاستعلاء، وأصل (قفي على أثره) يدل على قرب ما بين الماشيين أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول. وشاع ذلك حتى صار قولهم (على أثره) بمعنى بعده بقليل أو متصلاً شأنه شأن سابقه ... وفي إعادة (قفينا) وعدم إعادة (على آثارهم) إشارة إلى بعد المدة بين آخر رسل بني إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل بني إسرائيل كان يونس بن متى أرسل إلى أهل نينوى أول القرن الثامن قبل المسيح (1). وقد تقول: لقد قال ههنا (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقال في المائدة: (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) - (46) فقال في المادة (عَلَىٰ آثَارِهِمْ) ولم يقل مثل ذلك في الحديد. فما السبب؟ والجواب أن الأمر مختلف فإن آية الحديد في تقفية الرسل. وآية المائدة في تقفية الربانيين والأحبار. قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ) ثم قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فالربانيون والأحبار لم ينقطعوا فقفى على آثارهم بعيسى بن مريم. أي ليس بينهم وبينه مدة فاصلة بخلاف ما بينه وبين الرسل فإن بينه وبينهم مدة ليست بالقليلة. (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) الرأفة أخص من الرحمة وأرق (2). جاء في (تاج العروس): الرأفة أشد الرحمة أو أرقها... والذي في المجمل: أنها مطلق الرحمة وأخص ولا تكاد تقع في الكراهية، والرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة. وقال الفخر الرازي: الرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة من دفع المكروه وإزالة الضر وإنما ذكر الرحمة بعدها ليكون أعم وأشمل (3). فالرأفة تتعلق بدفع الأذى والضر فهي رحمة خاصة والرحمة عامة في ذلك وغيره. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) - الأنبياء (۱۰۷) وقال: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ) - الروم (36) وقال : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) - النحل (۸۹) وقال : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) - الأعراف (204) وقال: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ) - الأنعام (157) وقال (أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ) - الأعراف (49) وقال (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) - هود (۲۸) وقال (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) - الكهف (65) فذلك ونحوه لا تصح فيه الرأفة فالرحمة أعم. وحيث اجتمعت الرأفة والرحمة قدمت الرأفة على الرحمة. (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي وابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم إلا أنهم ابتغوا بابتداعها رضوان الله غير أنهم لم يرعوها حق الرعاية فهم لم يقوموا بها حق القيام. جاء في (الكشاف) في قوله (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) : وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره (وابتدعوا رهبانية) (ابتدعوها) يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) . لم نفرضها نحن عليهم. (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ) كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه. (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ) يريد أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى. (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها و(ابْتَدَعُوهَا) صفة لها في محل النصب أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم بمعنى وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه. فما رعوها جميعاً حق رعايتها ولكن بعضهم. فآتينا المؤمنين المراعين منهم الرهبانية أجرهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يرعوها (4). والظاهر أن التفسير الأول أرجح من وجهين: الوجه الأول: أنه قال (ابْتَدَعُوهَا) ومعنى (ابْتَدَعُوهَا) أنه لم يكتبها عليهم. والوجه الثاني: أنه قال: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ، والرهبانية أمر بدني سلوكي وليس قلبياً فلا يصح عطفها على ما قبلها (5) والله أعلم. وفي الإخبار عنهم بقوله (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) ذم من وجهين: الوجه الأول: أنهم ابتدعوا الرهبانية. والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو كان ذلك لغرض رضوان الله فإن رضوان الله يتوصل إليه بما شرع هو لا بابتداع البشر كائناً من كان. والوجه الثاني أنهم لم يقوموا بما عاهدوا عليه أنفسهم حق القيام ولم يلتزموا بما شرعوه تقرباً لله - كما زعموا - فهم كالناذر الذي لم يوف بنذره. جاء في (تفسير ابن كثير): (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) فيه قولان: أحدهما أنهم قصدوا بذلك رضوان الله ... والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) أي فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل (6). (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ 9 دل قول ربنا هذا على أن مناط الأمر هو الإيمان وليس غير ذلك من رهبانية مبتدعة، فهو لم يقل (فآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم) لئلا يظن أنه يرضى عن الابتداع لأي غرض كان حتى لو قصد بذلك رضوان الله وإنما مناط الأمر ورأس النجاة هو الإيمان. كما لم يقل كما قال في الآية السابقة (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) لئلا يظن أن الذين ابتدعوا الرهبانية أو قسماً منهم يوصف بالهداية ولئلا يحتج محتج بأن قسماً من الابتداع فيه هداية وإنما قسمهم على قسمين: من آمن منهم فلهم أجرهم. وقسم أخر فاسق، وذكر أن الفاسقين كثير. قد تقول: لقد قال في موطن آخر (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) - المائدة (46).وواضح أن بين الآيتين تشابها واختلاف فمن ذلك: 1- أنه قال في آية الحديد (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقال في المائدة: (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وقد ذكرنا سبب الاختلاف بين التعبيرين. ۲- قال في المائدة (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) ولم يقل مثل ذلك في آية الحديد. 3- قال في المائدة (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) وقال في الحديد (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) ولم يزد على ذلك. 4- ذكر في آية الحديد أتباع عيسى عليه السلام وحالتهم. وذكر في آية المائدة صفة الإنجيل فقال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) فما سبب الاختلاف؟ فنقول: لقد اقتضى كل تعبير السياق الذي ورد فيه: ١- فإنه قال في المائدة (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لما تقدم ذكر التوراة قبل هذه الآية ففال (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ.. ) (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ... ) (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ....) [43 – 45]. ولم يجر في سياق آية الحديد ذكر لموسى ولا للتوراة فناسب ذكر ذلك في المائدة دون الحديد. ۲- وقال في المائدة . (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لما ذكر قبله التوراة وقال (فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) فقد قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) فناسب ذكر ذلك في الإنجيل أيضاً. ولم يجر ذكر للتوراة في الحديد كما أسلفنا. 3- ذكر الكتب السماوية في المائدة وضرورة الحكم بها فقد ذكر التوراة والإنجيل ثم ذكر القرآن بعد ذلك فقال (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ...) - (48) وطلب من أهل كل كتاب أن يحكموا بما أنزل إليهم فناسب أن يختم الآية بصفة الإنجيل فقال (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) وجرى في الحديد ذكر حال الذرية والأتباع وهو السياق الذي وردت فيه آية الحديد فقد قال قبل هذه الآية: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ثم ذكر أتباع عيسى وحالهم ثم انتهى إلى خطاب المؤمنين بسيدنا محمد وما أعد لهم. فناسب ختام كل آية السياق الذي وردت فيه. والحمد لله رب العالمين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 298 إلى ص 302. (1) التحرير والتنوير 27/420 – 421. (2) لسان العرب (رأف). (3) تاج العروس (رأف). وأنظر التحرير والتنوير 27/421. (4) الكشاف 4/67 – 68. (5) أنظر التحرير والتنوير 13/423. (6) تفسير ابن كثير 4/373.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٨﴾    [الحديد   آية:٢٨]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) خطاب للمؤمنين عامة من أهل الكتاب، وللمؤمنين بمحمد. فالمؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد فإن أمارات صدقه ظاهرة وإن نعته موجود في كتبهم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا يمنعهم الكبر وحظ الدنيا أو الحسد أو غير ذلك من الإيمان به. والمؤمنون به من المسلمين عليهم أن يتقوا الله ويثبتوا على الإيمان برسوله. وهذا نظير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - النساء (136) أي اثبتوا على ذلك. (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي نصيبين، وذلك عام يشمل مؤمني أهل الكتاب والمسلمين. أما مؤمنو أهل الكتاب فقد ذكر ذلك لهم في قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) - القصص (52 – 54). وأما المسلمون فقد ذكر ذلك ربنا فيهم في الآية التالية وهي قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فدل ذلك على أن ذلك من فضل الله عليهم. بل ذهب قسم من المفسرين إلى أن هذه الآية إنما هي في المسلمين يبين ذلك الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له فعملت اليهود إلى نصف النهار. وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين. قال فيه: واستكملوا أجر الفريقين كليهما أي استكملوا مثل أجر الفريقين أي أخذوا ضعف كل فريق (1). وجوز صاحب الكشاف أن يكون الخطاب لهما جميعاً وهو الذي نرجحه. جاء في (الكشاف): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يجوز أن يكون خطاباً للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم. فإن كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ) الله كفلين أي نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ) يوم القيامة (نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهو النور المذكور في قوله (يسعى نورهم)، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ليعلم (أَهْلُ الْكِتَابِ) الذين لم يسلموا، و(لا (مزيدة. (أَلَّا يَقْدِرُونَ) (أن) مخففة من الثقيلة أصله: أنه لا يقدرون (عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ) أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلاً قط. وإن كان خطاباً لغيرهم فالمعنى اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله (2). وقال ههنا (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ولم يقل (كفلين من الأجر) أو (يؤتكم أجركم مرتين) كما قال في آية القصص التي ذكرناها وكما قال في نساء النبي (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) - الأحزاب (۳۱) فذكر في آية الحديد الرحمة وذكر هنالك الأجر ذلك لأن الأصل في معنى الأجر أن يكون الجزاء على العمل (3). وفي هذه الآية أعني آية الحديد لم يذكر عملاً وإنما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) ، فكان ذكر الكفلين من الرحمة أنسب بخلاف آية القصص فإنه ذكر عملاً فقد قال (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وقال بعدها (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) - القصص (55). وكذلك في آية الأحزاب فإنه ذكر الأجر بمقابل العمل (مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فناسب ذكر الرحمة في آية الحديد كما ناسب ذكر الأجر في آيتي القصص والأحزاب والله اعلم. (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ذكر صاحب الكشاف أن ذلك يوم القيامة والذي يظهر أن ذلك عام في الدنيا ويوم القيامة كما قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) - الأنعام (۱۲۲) وكما قال (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ) - الحديد (9). وقد تقول: ولم لم يقل ههنا (ويجعل لكم نوراً تمشون به في الناس) كما قال في آية الأنعام؟ والجواب أن السياق مختلف فيهما فإن آية الحديد كما ذكرنا عامة في الدنيا ويوم القيامة بل استظهر بعض المفسرين أن ذلك في يوم القيامة، ويوم القيامة لا يكون المشي بالنور في الناس بل هو نور خاص بكل مؤمن لا يتعدى غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه اكتنف آية الأنعام ذكر الناس ومعاملاتهم وافتراءاتهم وضلالهم وإضلالهم وما إلى ذلك. فهي في سياق الناس وأحوالهم فناسب ذكرهم في الآية بخلاف آية الحديد فإنها ليست في مثل هذا السياق وإنما نقدمها ذكر الرهبانية. والرأفة والرحمة فأطلق المشي سواء كان في معاملات الناس وأحوالهم أم في الاعتقاد. (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سبق ذكر المغفرة والرحمة في الآية وذلك في قوله (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) وقوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) فناسب قوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . قد تقول: ولم قدم المغفرة على الرحمة فقال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) مع أنه سبق ذكر الرحمة ذكر المغفرة في الآية فقال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ثم قال (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ؟ فنقول: حيث اجتمع الاسمان الكريمان الغفور الرحيم في القرآن الكريم قدم اسمه الغفور إلا في موطن واحد وهو قوله في سورة سبأ (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) - سبأ (۲). ومما قيل في سبب ذلك أن آية سبأ لا تختص بالإنسان وإنما هي عامة فقدم الرحمة لأنها عامة لا تختص بالإنسان فإن الرحمة قد تكون بالحيوان أيضاً أما المغفرة فهي خاصة بالإنسان فقدم الرحيم على الغفور. ومن الملاحظ أيضاً أنه في جميع المواطن التي ورد فيها هذان الاسمان الكريمان تقدم قبلهما ذكر للإنسان في صورة من الصور إلا آية سبأ فإنه لم يتقدمها ذكر للإنسان . قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فلم يذكر أمراً يتعلق بالإنسان. وقد ذكر بعد الآية أصناف الناس فقال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ...) فلما أخر ذكر الناس أخر ما يتعلق بهم وهو المغفرة. فقدم ما يتعلق بالمتقدم وأخر ما يتعلق بالمتأخر، والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 302 إلى ص 305. (1) ينظر التحرير والتنوير 27/427 – 428. البحر المحيط 10/116. روح المعاني 27/295 – 296. (2) الكشاف 4/68. (3) أنظر لسان العرب (أجر). القاموس المحيط (أجر)
  • ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢٩﴾    [الحديد   آية:٢٩]
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) أي إن إيتاء الكفلين من الرحمة والمغفرة وجعل النور إنما يكون بالإيمان بالرسول الخاتم محمد ولا يكون بغير ذلك وإن من لم يؤمن بمحمد فهو محروم ليس له شيء من ذلك ولا ينفعه إيمانه بمن قبله من الرسل حتى يؤمن بمحمد. وقد أخبرهم بذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يستطيعون على شيء من فضل الله فيمنعونه من غيرهم أو يظنون أن فضل الله منحصر فيهم وإنما الفضل بيد الله سبحانه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقال (عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ولم يقل (علی فضل الله) ليدل على أنهم لا يقدرون على أي شي: مهما قل. و(لا) في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ) مزيدة تفيد التوكيد أي ليعلم أهل الكتاب ذلك علماً مؤكداً ولا تستبد بهم ظنونهم وأهواؤهم. و(لا) تزاد بعد (أن) للتوكيد إذا كان اللبس مأموناً والمعنى متضحاً. جاء في (تفسير الرازي): إن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا. والكتاب والشرع ليس إلا لنا. والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية. والغرض منها أن يزيل عن قلوبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم. فقال إنما بالغنا في هذا البيان وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً (1). وجاء في (روح المعاني): أي ليعلم أهل الكتاب القائلون : [المؤمنون] بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئاً من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئاً ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقولهم: (من لم يؤمن بكتابكم فله أجر) باطل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) - القصص (54). فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: لنا أجران ولكم أجر. فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ...... إلخ. فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب. وقال الثعلبي: فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ........ إلخ. وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم (2). قد تقول: لقد قال في مكان آخر (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) - آل عمران (174). بالتنكير وقال ههنا (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) بالتعريف. فما السبب؟ فنقول: إن السياق مختلف في كل منهما. فقد قال في آل عمران (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) - آل عمران (173-174). فهي في نجاة المؤمنين في معركة أحد وأنهم لم يمسسهم سوء بعدها . أما سياق آية الحديد فهي في المغفرة والرحمة والنور فكان الفضل أعظم. فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 305 إلى ص 307. (1) تفسير الرازي 29/248 – 249. (2) روح المعاني 27/296 – 297.
  • ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾    [يس   آية:٤٩]
بنامج لمسات بيانية سوة يس أية 49
روابط ذات صلة:
  • ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴿٥٠﴾    [يس   آية:٥٠]
(فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) قال إنهم لا يستطيعون التوصية ولم يقل (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ، فأنت تقول (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية، فقولك (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك. وذكر التوصية لأنه أراد العموم فهم لا يستطيعون أن يوصوا آية توصية مهما كانت ولو قال (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة فتنكيرها أفاد العموم. (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء ولا أن يعودوا إليهم فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما. ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل (يرجعون)عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم). ولم يقل (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام. فإنه لو قال (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصاً بالتوصية وقد يستطيعون غيرها كما تقول (ما شعراً قلت) أي قلت غيره فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره، ونحوه أن تقول (ما زيداً أكرمت) أي أكرمت غيره. أما هنا فنفي التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل. وقوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) نفي الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله أي لا يرجعون إليهم بل إلينا، ولو قال (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه. وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) ونظير التقديم في آخر السورة (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) . هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآي من هذا التقديم والتأخير. جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من لا يوصي قد يستطيعها. (الثاني) التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟ (الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على إنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس. (الرابع) التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. (الخامس) قوله (ولا إلى أهلهم يرجعون) بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها. وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة. وفي قوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية. وثانيهما: أنهم إلى أهله لا يرجعون، يعنى أنهم يموتون ولا رجوع إلى الدنيا، ومن يسافر سفراُ ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (1) وجاء في (روح المعاني): "(وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) إذا كانوا خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه " (2). إن هذه الصيحة تأخذ الجميع من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيداً عن أهله وبيته، وناسب ذلك قوله (وهم يخصمون) أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم. وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها فناسب ذلك ما ذكر. ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية فهذا أقرب إلى الشخص وذلك أن يوصى من حوله ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴿٥١﴾    [يس   آية:٥١]
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) يعنى النفخة الثانية التي تبعث الموتى من قبورهم، أما النفخة الأولى فقد عبر عنها بالصيحة في قوله (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ) ، والنفخة في الصور صيحة غير أنه عبر عنها بالنفخة مرة وبالصيحة مرة. وقد عبر عن الأمرين في سورة الزمر بالنفخة فقال (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) الزمر 68. وقد ذكرنا أنه عبر عن ذلك في يس بالصيحة لأنهم في حال اختصام وصخب فذكر الصيحة التي تقطع الصخب والضجيج، وليس نحو ذلك في الزمر. فذكر أنه نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا هم يخرجون من أجداثهم يسرعون إلى ربهم، ومعنى (ينسلون) يسرعون. وقد تقول: ولكنه قال في الزمر (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) أليس في ذلك اختلاف؟ فنقول: ليس ثمة اختلاف وإنما هو تصوير مشهد يقتضيه السياق وإيضاح ذلك: 1- أن قوله (قيام) لا يناقض المشي، فالماشي قد يكون قائماً وقد يكون غير قائم كما قال تعالى (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) – الملك 22 وقال (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) – النور 45. 2- وحتى لو كانت الحالتان تختلف أحداهما عن الأخرى فقد ذكر إحدى الحالتين في موطن والأخرى في موطن آخر كما تقول (درسته تلميذاً صغيراً فإذا هو طالب في الكلية) و(درسته تلميذاً صغيراً فإذا هو أستاذ في الجامعة) و(درسته تلميذاً صغيراً فإذا هو وزير للتربية) ولا ينافي أحدهما الآخر. 3- أن قوله (من الأجداث) يشير إلى مكان بدء الانطلاق فلا ينافي ذلك أن يكون قبل الانطلاق واقفاً أو جالساً، كما تقول (انطلق المتسابقون من المدرسة إلى المستشفى) فأنت ذكرت بدء الانطلاق ولم تذكر ما قبله ولا يناقض ذلك أي وضع كانوا عليه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) : "أي نفخ فيه مرة أخرى كما قال تعالي (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) وفيه مسائل: (المسألة الأولى) قال تعالى في موضع آخر (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) وقال ههنا (فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) والقيام غير النسلان، وقوله في الموضعين (فإذا هم) يقتضي أن يكونا معاً، نقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما) أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم، ولا ينافي النظر. (وثانيهما) أن السرعة مجيء الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: مكر مفر مقبل مدبر معاَ كجلمود صخر حطه السيل من عل" (1) وجاء في (روح المعاني): "ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي أو لتقارب زمان القيام ناظرين وزمان الإسراع في المشي" (2) أما اختيار كل تعبير فذلك لمناسبة السياق الذي ورد فيه. فقد قال في الزمر (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )ذلك أنه ذكر الصعقة في النفخة الأولى فقال (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) والصعقة تعنى الغشية وتعنى الموت فذكر في النفخة الثانية ما ينافي الغشية والموت فقال (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) . وقال في (يس) إنهم إلى ربهم ينسلون ذلك لأنهم كانوا في النفخة الأولي ينسلون إلى الدنيا ويختصمون فيها وهم مجتمعون لشؤونها فقد قال (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) والاختصام لا يكون إلا مع الاجتماع، فذكر في النفخة الثانية أنهم ينسلون إلى ربهم ويجتمعون للخصومة عنده، فناسب كل تعبير مكانه. لقد قال (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) فعبر عن الحدث المستقبل بالفعل الماضي للدلالة على أنه محقق الوقوع بمنزلة ما مضي من الأحداث. ثم قال (فإذا) فجاء بالفاء مع (إذا) الفجائية ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب أي يخرجون فجأة من دون تراخ أو مهلة من الوقت ففي عقب النفخة مباشرة من دون تلبث يخرجون من الأجداث ينسلون إلى ربهم، ولم يأت بثم مع إذا الفجائية كما في قوله تعالي (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) –الروم 20 ذلك لأن (ثم) تفيد التراخي في الزمن، فبين أنه في عقب النفخة مباشرة يخرج الموتى من مراقدهم. وقال مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ فقدم (من الأجداث) وهو مبدأ النسلان، ثم ذكر بعده (إلى ربهم) وهو انتهاء الغاية، فقدم بدء الغاية وذكر النهاية بعده وهو التعبير الطبيعي وهو كما تقول (انطلق من المكان الفلاني إلى السوق). وقدم الجارين والمجرورين على الفعل للاهتمام والقصر فإنه أعجب شيء أن يخرج الميت من قبره مسرعاً إلى غاية مرسومة له، فكيف تخرج هذه العظام النخرة والتراب المختلط مما هب ودب مسرعة تعدو إلى غايتها. وقد ذكر أن إسراعهم إنما هو إلى ربهم الذي هو مالك أمرهم وسيدهم لا إلى جهة أخرى فهم ينسلون إلى ربهم حصراً. واختيار لفظ (الرب) أنسب شيء ههنا ذلك أن الخارجين من الأجداث قسمان: قسم أطاع ربه وسيده فهو ذاهب إلى ربه الذي أطاعه وهو الأرحم به ذلك أنه هو الذي أنعم عليه في الدنيا وغذاه بالنعم فهو أرحم به الآن وأكرم وهو يلتجئ إليه كما يلتجئ العبد إلى سيده والضعيف إلى متولي أمره. وقسم عصى ربه الذي غذاه بالنعم وأساء إلى من أحسن إليه فهو يعاد إلى ربه الذي أحسن إليه وقابله بالإساءة، وشر الإساءة أن تسئ إلى من أحسن إليك، فهي شر إعادة وأسوأ رجعة، فكان ذكر الرب أنسب شيء ههنا. جاء في (التفسير الكبير): "الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظاً دالاً على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟ قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون لأن من أساء واضطر إلى التوجه إلى من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألماً وأكثر ندماً من غيره" (3) وجاء في (روح المعاني): " وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة إلى من أحسن إليهم حين اضطروا إليه" (4) وهذا الإسراع إلى ربهم لا اختيار لهم فيه وإنما هم أحضروا إليه إحضاراً يدل على ذلك قوله تعالى (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) ، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (محضرون دل على أن كونهم ينسلون) إجباري لا اختياري" (5). ثم لننظر من ناحية أخرى أنه ذكر في هذه الآية جهة الرجوع التي لم يذكرها في الآية السابقة، فقد قال في الآية السابقة (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وقد ذكرنا أن قوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) يعنى أنهم يرجعون إلى غير أهلهم، وهنا عين الجهة التي يرجعون إليها فقال (إلى ربهم ينسلون) أي يرجعون إلى ربهم حصراً. ومن هنا يتبين أن هذه الآية ارتبطت بالآية السابقة من جهتين: الجهة الأولى أن قوله في الآية السابقة (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) لا يدل على أن تلك الصيحة أماتتهم تصريحاً ذلك أنه قد يحال بين الحي والتوصية وبينه وبين الرجوع إلى أهله، فلا يستطيع توصية ولا يرجع إلى أهله وذلك حال كثير من المساجين، فلما قال (من الأجداث) علم من هذه الآية أنهم ماتوا. والجهة الأخرى أنه ذكر جهة الرجوع فإنه لما قال (ولا إلى أهلهم يرجعون) ذكر في هذه الآية أنهم إلى ربهم ينسلون، فكان في هذه الآية توضيح ما حدث لهم وتعيين جهة الرجوع فقوله (من الأجداث) مقابل قوله (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وتقديم الجار والمجرور في قوله (إلى ربهم ينسلون) نظير التقديم في قوله (ولا إلى أهلهم يرجعون). ان هذه الآية نظير قوله تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) ، فإنها بينت الآية قبلها وهي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ففي كلتا الآيتين أعنى قوله (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لم يصرح بما حصل وإنما أشار إلى ذلك في الآية بعدها. قال تعالى في سورة يس: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ٥١﴾ [يس: 51]. سؤال: لماذا قال ﴿مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ﴾ ولم يقل (من القبور)؟ الجواب: الأجداث هي القبور إلا إنه – والله أعلم – كان لاختيار الأجداث ههنا وفي موطنين آخرين سبب، ذلك أن الأجداث جمع جَدَث وهو القبر، ولفظة (الجدَث) قريبة في اللفظ والاشتقاق من لفظ (جَدَثة) وليس بينهما إلا زيادة الهاء في الآخر. والجَدَثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم. وصوت خروج الموتى من الأجداث مُسرعين شبيه بصوت الحافر والخف عند السير والعَدْو، وقد خصّ استعمال الأجداث بحالة الخروج من القبور مُسرعين إلى المحشر. قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ٧﴾ [القمر: 7]، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ٤٣﴾ [المعارج: 43]، ولم يستعملها في حالة السكون بخلاف لفظة: (القبور) فإنه استعملها في حال السكون والهمود، كقوله تعالى: ﴿قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ١٣﴾ (الممتحنة :13)، وقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ٢٢﴾ (فاطر: 22). واستعملها في حال بعثرتها وبعثرة ما فيها فقال: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ٤﴾ [الانفطار: 4]، وقال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ٩﴾ [العاديات: 9]. ومع ذلك فإن هناك فرقاً بين الحالتين، فقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ لا يدل إلا على بعثرة القبور، كما تقول: (بُعثرت الصناديق)، و (بعثرت الحاجات)، ولا يدل على السير والحركة، وإن كان المقصود من بعثرة القبور ذلك. وكذلك قوله: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ فإنه يدل على بعثرة ما فيها كما تُبعثر الأشياء من مكانها، ولا يدل ذلك من حيث اللفظ إلا على البعثرة، ولا يدلُّ على السَّيْر والحركة، بخلاف ما ورد في استعمال الأجداث؛ فإنها كلها تدل على حركة الخارجين منها والإسراع في السير، فقوله: ﴿وفَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ معناه: يسرعون. وكذلك قوله: ﴿يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ﴾، وقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ٧ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ٨﴾ [القمر: 7-8] أي: مُسرعين. فإنها كلها تدل على الإسراع في السير، وذلك نظير صوت الحافر والخف عند السير. وفيها دلالة جمالية أخرى: ذلك أن المعنى (الجدثة) كما ذكرنا مضغ اللحم، فكأن المعنى يخرجون بعدما أكلتهم الأرض ومضغت لحومهم وليس في لفظ القبور مثل ذلك المعنى، والله أعلم.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٤٩﴾    [البقرة   آية:٤٩]
  • ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٦﴾    [إبراهيم   آية:٦]
برنامج لمسات بيانية ما الفرق بين ( يذبّحون)فى الآية (49)من سورة البقرة و(ويذبّحون) فى الآية (6)من سورة إبراهيم ؟ في سورة البقرة قال تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)) وفي سورة إبراهيم قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)). في البقرة جعل سوء العذاب هو تذبيح الأبناء (بَدَل)، (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب)، ما هو سوء العذاب؟ (يذبحون أبناءكم)، هذه بدل من يسومونكم، هذه الجملة بدل لما قبلها فسّرتها ووضحتها، البدل يكون في الأسماء والأفعال وفي الجُمَل، إذن (يذبّحون أبناءكم) تبيين لسوء العذاب فنسميها جملة بَدَل. في سورة إبراهيم قال (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) إذن هنا ذكر أمران سوء العذاب بالتذبيح وبغير التذبيح، سيدنا موسى  يقول لبني إسرائيل أن الله سبحانه تعالى أنجاهم من آل فرعون من أمرين: يسومونهم سوء العذاب هذا أمر والتذبيح هذا أمر آخر. كان التعذيب لهم بالتذبيح وغير التذبيح باتخاذهم عبيداً وعمالاً وخدماً فيعذبونهم بأمرين وليس فقط بالتذبيح وإنما بالإهانات الأخرى فذكر لهم أمرين. إذن يسومونكم سوء العذاب هذا أمر، ويذبحونكم أبناءكم هذا أمر آخر، إذن بالتذبيح وفي غير التذبيح، سوء العذاب هذا أمر ويعذبونهم عذاباً آخر غير التذبيح. موسى  يذكِّرهم بنعم الله عليهم ( اذكروا نعمة الله عليكم) فيذكر لهم أموراً. ربنا تعالى قال في سورة البقرة (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) وفي إبراهيم قال على لسان سيدنا موسى (إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أنجاكم ولم يقل هنا نجّاكم. هناك فرق بين فعّل وأفعل، نجّى يفيد التمهل والتلبّث والبقاء مثل علّم وأعلم، علّم تحتاج إلى وقت أما أعلم فهو إخبار، فعّل فيها تمهل وتلبّث. موسى يعدد النعم عليهم فقال (أنجاكم) فأنهى الموضوع بسرعة.كما قال (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) البقرة)لأنهم لم يمكثوافي البحر طويلاً فقال أنجيناكم.حتى في إبراهيم قال (فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ (24) العنكبوت)لم يقل نجّاه لأنه لم يلبث كثيراً في النار. سؤال: عندما عدّد الله تعالى النعم على بني إسرائيل (إذ نجيناكم) معنى هذا أنه أمهلهم في العذاب فترة؟ هم بقوا فترة وهذا واقع الأمر أما سيدنا موسى  حينما كان يعدد قال (أنجاكم) يعني خلّصكم منها. سؤال : ربما يقول قائل حينما تأتي الآية (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)) تقولون إنها بَدَل وعندما تأتي الآية (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)) تقولون إن هذه غير تلك؟ الواو عاطفة، وأظن أن الذي في الدراسة الابتدائية يعلم أن الواو عاطفة. ربما يقول أن السياق واحد وإنما التعبير مختلف وهذا لا يوحي بملاحظة أو علامة استفهام أمام هذا التغير. حتى في واقع الحياة أنت تذكر لشخص أموراً ولا تذكر أموراً أخرى، يعني تذكر أموراً لا تحب أن تشرحها كثيراً وفي موقف آخر تقولها. الآيات تتكامل مع بعضها وتضيف إطاراً آخر حتى تكتمل ملامح الصورة ولا تتعارض ولو تعارضت لقال لايذبحون أبناءكم.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿٦٥﴾    [البقرة   آية:٦٥]
برنامج لمسات بيانية سورة البقرة أية 65
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾    [البقرة   آية:٦٧]
  • ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٥﴾    [الصف   آية:٥]
برنامج لمسات بيانية سورة البقرة أية 67
روابط ذات صلة:
  • ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٥٢﴾    [الروم   آية:٥٢]
برنامج لمسات بيانية آية (52) : * في سورة النمل (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (81)) وتعاد نفس الآيات في سورة الروم (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (53)) فما دلالة هذا الاختلاف؟ ما هو القصد من إعادة آيات كاملة في القرآن في سورة مختلفة وما هو تأثير استخدام الفاء في سورة الروم وكيف تغير المعنى بها؟ وما الفرق في المعنى في سياق السورتين؟ لو قرأنا الآيتين يتضح الأمر. الآية الأولى في الروم (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) الروم)، في النمل قال (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)) إذن آية الروم في سياق الكافرين والتهديد والعقوبة (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا) هذا تهديد، آية النمل في الكلام عن المؤمنين والهدى والرحمة (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (77)) إذن اختلف السياق. فلما كان كذلك إذن في آية الروم اقتضى أن يكون هنالك توكيد أكثر لأن فيها عقوبة فجاء بالفاء الدالة على السبب وإنّ الدالة على السبب جاء بحرفين يدلان على السبب والتعليل، (إنّ) تفيد التعليل (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ (103) التوبة) يعلل، (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) الإسراء) (إنّ) تأتي للتعليل أحياناً والفاء كثيراً ما تأتي للتعليل والسبب (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) طه)، تقول "لا تأكل هذا فهو يضرك"، (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106) يونس) الفاء للسبب والتعليل وإنّ للتعليل فإذن جمع حرفين للتعليل الفاء وإنّ هذا في الموطن الذي استدعى هذا التأكيد وهو سياق التهديد والعقوبة عندما قال (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) الروم) هذه ليست مثل (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (77) النمل) أيها تحتاج توكيد أكثر؟ الموقف الذي في مقام التهديد والعقوبة، فجاء بالحرفين الدالّين على السبب (فإنك) وفي الأخرى جاء بحرف واحد (إنك) بحسب ما يقتضيه السياق والمقام.
روابط ذات صلة:
إظهار النتائج من 8121 إلى 8130 من إجمالي 12325 نتيجة.