(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئاً باللعب واللهو منتهياً بالجد.
نبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحياناً على نقيض الجد كقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ) - التوبة (65) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) - الزخرف (83) وقوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) - الدخان (9) وقوله( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) - الأنبياء (55).
ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب. فاللهو يقع للصغير والكبير.
ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن.
وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم.
ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها وهو المقصد الأهم في الحياة إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيها يجدّون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة.
وقدم الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر. وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): لعب: فهو باطل كلعب الصبيان ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان. ثم أتبع ذلك عظم بما يلهى في الدنيا فقال (وَزِينَةٌ) : أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان. وأتبعها ثمرتها فقال (وَتَفَاخُرٌ) ، أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض (1).
وجاء في (تفسير الرازي): المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه تعالى وصفها بأمور:
(أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم جداً. ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و (ثانيها) أنها لهو وهو فعل الشبان ... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة (2).
جاء في (التحرير والتنوير): وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم.
فإن اللعب تطورين: الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب. والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة والتكاثر طور الشيخوخة...
واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل ولذلك قال قوم إبراهيم له (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)...
واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد يقال: لها عن الشيء أي تشاغل عنه...
ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب.
والزينة تحسين الذات والمكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسراً له. وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة...
والتفاخر الكلام الذي يفخر به. والفخر حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأنه شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بَيْنَكُمْ ) ....
والتكاثر تفاعل من الكثرة وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه (3).
وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها. قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) - الأنعام (32).
وقال: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) محمد (36) وقال: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64).
فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو.
فالزينة قد تلهي والتفاخر قد يلهي والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهى. فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ) - الكهف (46) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ - ) المنافقون (9) وقال( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر (1، 2).
وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصداً صحيحاً كما ورد في القرآن مما سماه لعباً.
ولا فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها. ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئاً آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أموراً أخرى لا تتعلق بوصف الحياة.
وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64) وذلك لأن السياق يقتضى هذا التقديم ذلك أنه تقدم الآية قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ ) - (62) والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب ولذا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) - المنافقون (9) فالذي بسط له رزقه ملته بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملته بالحصول عليه.
ثم قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا به الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (36) ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة. فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم أية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب.
(كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)
شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته، والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمة. وقال بعضهم إن الكفار هم الزراع لأن الزارع قد يسمى كافراً لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض أي يغطيه (4).
ويترجح عندي المعنى الأول فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجاباً بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيراً.
وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال (... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) - الفتح (29).
واختيار الزراع هنا أنسب كما أن اختيار الكفار هناك أنسب ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محدودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار بخلاف ما في سورة الحديد.
ثم إنه قال في آية الفتح (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار.
ثم إنه قال (الزُّرَّاعَ) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود لأن الزارع يزرع ما ينتفع به وينتفع به الآخرون بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب.
(ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ )
ذكر مآل الزرع وناسب ذلك ذكر الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ولم يقل (ثم يكون مصفرًا) كما قال (ثُمَّ يَهِيجُ) و(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ) بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفراً وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) - الحجر (16)، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية.
وقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) أي هذا مآله ولم يقل (ثم تراد حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية وإنما أراد أن يبين أن يكون كذلك إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال. فقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالاً ولا يتفاخر أو يتكاثر به.
بل سيذهب اللعب واللهو معه فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لديه حطاماً؟
وقد تقول: ولم لم يقل (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟
والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين.
ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - (21). فالله هو الذي أنزل من السماء ماء. وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض. وهو الذي أخرج به الزرع. فناسب أن يقول (فيَجْعَلُهُ حُطَامًا) لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطاماً.
وليس كذلك التعبير في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً فلم يسند حدثاً إلى نفسه سبحانه فناسب كل تعبير موضعه.
(وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ)
قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ما ليس محموداً على العموم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان. فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة أو النار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) - مريم (71). ومن الناس من يعذب أولاً ثم يدخل الجنة.
ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة على سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا و(مَغْفِرَةٌ) عظيمة من الله و(رِضْوَانٌ) عظيم لا يقادر قدره.
وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب (لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً(5).
وقال (مَغْفِرَةٌ) ولم يقل (غفران) ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) - البقرة (285)، وأما المغفرة فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك.
قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ ) - البقرة (221)، وقال(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ ) - البقرة (268) وقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) - الرعد (6).
وقد تكون المغفرة من غير الله قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ ) - البقرة (263).
وقال (رِضْوَانٌ) ولم يقل (مرضاة) لأن الرضوان معناه الرضا الكثير ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى (6).
قال تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) - آل عمران (162) وقال (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ) - التوبة (21) وقال: أَ( فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ) - التوبة (109). وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره قال تعالى (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ ) - التحريم (1) وقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ) - البقرة (207).
ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره. قال تعالى في المرضاة: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) - البقرة (265) - وقال( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) - النساء (114).
وقال في الرضوان (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ) - التوبة (21) - هذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) - الحديد (27) وقال (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) - الفتح (29).
ومن هذا يتبين أن المغفرة:
1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره فهي عامة من حيث الغافر.
2- انها عامة في غير الطلب فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه
خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة وخاص في الغافر وهو الله.
وأن المرضاة:
۱- خاصة في ابتغاء الرضا فهي لم تستعمل في غيره.
۲- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا فهو الله أو غيره.
وأن الرضوان:
1- خاص في أنه من الله.
۲- عام في ابتغاء الرضا وغيره فهو عام من حيث الدلالة.
فخصص المغفرة وقال وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لتقابل الرضوان لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة. فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله عامين من حيث الدلالة. والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 275 إلى ص 281.
(1) نظم الدرر 7/452.
(2) تفسير الرازي 29/233 – 234.
(3) التحرير والتنوير 27/401 – 403.
(4) أنظر تفسير اليازي 29/235، الكشاف 4/65.
(5) روح المعاني 27/283 – 284.
(6) مفردات الراغب. مادة: (رضي).
برنامج لمسات بيانية
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
أي إذا طلب منهم الإنفاق مما رزقهم الله امتنعوا واحتجوا بأن الله هو الذي أفقرهم ولو شاء أن يغنيهم لأغناهم فكيف يجيعهم ربهم ونحن نطعمهم؟ إن طلبكم هذا مخالف لمشيئة الله وهو ضلال ظاهر.
والظاهر أن المقصور بقوله (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إطعام المحتاجين بدليل قولهم أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ) إلا إنه أخرجه مخرج العموم في الطلب والخصوص في الجواب، ذلك أن قوله (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) يدخل فيه الإطعام وغيره من أفعال الخير فكان الطلب عاماً.
غير إنهم امتنعوا عن أي شيء من الإنفاق حتى إطعام المحتاج وهو ما تدعو إليه المروءة فدل امتناعهم عن هذا امتناعهم عما هو أكبر وأعظم وفي هذا مبالغة في الامتناع عن الإنفاق، جاء في (التفسير الكبير) "ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق، فلم قالوا: أنطعم؟
نقول فيه بيان غاية مخالفتهم ذلك لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وقالوا لا نطعم، وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيداً ديناراً يقول (لا أعطيه درهماً) مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك ههنا" (1)
وجاء في (البحر المحيط): "أمروا بالإنفاق مما رزقكم الله وهو عام في الإطعام وغيره فأجابوا بغاية المخالفة لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق العام فكأنهم قالوا لا ننفق ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم وهو الإطعام الذي به يفتخرون، وهذا على سبيل المبالغة كمن يقول لشخص أعط لزيد ديناراً فيقول: لا أعطيه درهماً، فهذا أبلغ من لا أعطيه ديناراً (2).
والملاحظ من الآيتين إنهم أمروا بالاتقاء وذلك قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) وهو أمر عام يتعلق بالعبادة الفردية والحياة الشخصية ويتعلق بالآخرين فإن وجوه الاتقاء متسعة.
وأمروا بالإنفاق في وجوه الخير وذلك قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) وهو أمر يتعلق بالآخرين، ومنه إطعام المحتاجين الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة، وهذا يدلنا على أن أوامر الله قسمان: قسم يتعلق بالقيام بحقوق الله وهو يدخل في التقوى، وقسم يتعلق بحقوق العباد ومنه الإنفاق.
وقد امتنعوا عنهما جميعاً، جاء في (روح المعاني): "والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى آثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف لأنها كلها ترجع إلى أمرين: التعظيم لله تعالى والشفقة على خلقه سبحانه" (3).
والملاحظ من الآية:
1- إنها بدأت بأداة الشرط (إذا) فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) إشارة إلى أن هذا القول قد قيل لهم فعلاً بل إنه لقد قيل لهم كثيراً لما سبق أن ذكرنا في دلالة (إذا) في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا).
2- وقد بنى الفعل (قيل) للمجهول في الآيتين فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) لأكثر من سبب:
من ذلك أن القائل معلوم وهم المؤمنون.
ومن ناحية آخري إنه لا يتعلق غرض بذكر القائل فإنه لا يتغير الحكم بتغيير القائل فإن المقصود هو المقول وليس القائل.
ومن ذلك الإشارة إلى ضرورة النظر في المقول لا في القائل، فالقول الحق ينبغي الأخذ به أيا كان قائله، فهو توجيه إلى الأخذ بالقول الحق دون النظر إلى قائله وهو بمعنى (خذ الحكمة ولا تضرك من أي وعاء خرجت) .
ثم إنه لو ذكر القائل لظن أن هذا الموقف من الكفرة بسبب القائل ولو كان القائل شخصاً آخر لتغير الموقف، فإن الناس كثيراً ما يرفضون القول من قائل ويقبلونه من قائل آخر، فلو ذكر القائل لظن أن رفضهم بسبب القائل، فبين أن موقفهم هذا إنما هو من المقول لا من القائل.
3- وقد جاء بمن التبعيضية للدلالة على أنه طلب منهم إنفاق شيء مما أنعم الله به عليهم ليسهل ذلك عليهم.
4- أسند الرزق إلى الله، أي أن الله هو الذي رزقكم وتفضل عليكم، فأنفقوا شيئاً مما أعطاكم وتفضل عليكم "أي أعطاكم سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق على منهاج قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وتنبيهاً على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك الإتيان بمن التبعيضية" (4).
5- بين القائل والمقول له في الآية بعد البناء للمجهول فقال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ).
فبين قوله (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا ) أن القائل (انفقوا)هم المؤمنون وأن الذين قيل لهم هم الكفار، ولذا ذكر أن الذين كفروا ردوا على المؤمنين قولهم.
ومن هذا يتضح أن الآية بنيت على الإيضاح بعد الإبهام.
فقد قال (قيل) فبنى الفعل للمجهول ثم بين القائل بقوله (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا ) .
وقال (لهم) فذكر الضمير ثم أوضح الضمير بأنه يعود على الذين كفروا (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
ثم قال (أنفقوا) وهو عام ثم بين المقصود بالإنفاق ههنا وهو إطعام المحتاجين.
6- لم يبين القائل في الآية الأولى وهي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقد بينه في هذه الآية ذلك لأن القائل في الآية الأولى معلوم وهو لا يحتاج إلى إيضاح، فإنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا مؤمن ولا يصدر عن كافر وذلك لأن الكفار لا يؤمنون بالآخرة ولذا ذكر بعد ذلك قولهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
أما الآية الثانية وهي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فيحتاج القائل إلى تبيين ذلك لأن هذا القول قد يصدر عن شخص غير مسلم يقوله مروءة ذلك أن الله حكى عن كفار قريش أنهم يؤمنون بأن الله هو الذي يرزق الخلق قال تعالى (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) – يونس31.
فبين أن الذي قال هذا القول ودعا إلى الإنفاق هم المؤمنون.
فكان كل تعبير أنسب في مكانه هذا علاوة على أنه ذكرنا أن الآية الأولى بنيت على الإيجاز وهذه بنيت على البيان بعد الإبهام.
واستبان من ذلك أن الذي يدعو إلى الخير والمكرمة إنما هو المؤمن، وأن المشفق على خلق الله الطالب لإعانتهم وإغاثتهم إنما هو المؤمن، فالمؤمن منبع كل خير ويمن وبركة.
7- لم يبين وجوه الإنفاق في الآية بل أطلقها فقال ( أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) ذلك ليشمل وجوه الخير كلها وليشمل عموم خلق الله مؤمنهم وكافرهم فهو لم يقل (أنفقوا على المؤمنين) بل أطلق ذلك ليشمل الجميع فتتسع دائرة الخير.
8- لما أسند الرزق إلى الله بقوله (مما رزقكم الله) أسندوا الإطعام إليه فقالوا (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) ففكأنهم قالوا: الله الذي رزقنا هو الذي حرمهم.
9- لم يذكر اللام في جواب (لو) فلم يقل (لو يشاء الله لأطعمه) ذلك أن الإطعام سهل ميسور فلا يحتاج إلى توكيد، والملاحظ في القرآن الكريم أن المنزوع اللام من جواب لو أقل توكيداً مما ذكرت فيه اللام.
فيؤتى باللام فيما هو أكد، فما كان أصعب في ميزان البشر يؤتى معه باللام وما كان أيسر تنزع منه اللام مع أنه من المعلوم أن ليس شيء أصعب على الله من شيء.
قال تعالى (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) فجاء باللام لأن الهداية صعبة، وقال (لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) فلم يذكر اللام لأن الإهلاك مقدور عليه وليس كالهداية، وقال (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ) وهذا صعب عسير فجاء باللام غير أنه قال (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) فلم يذكر اللام لأنه مقدور عليه من كثير من الناس وليبينوا أن ذلك من الأمور اليسيرة على الله فلو شاء ذلك فعل ولكن الله لم يشأ ذلك فكيف نطعمهم نحن؟
برنامج لمسات بيانية
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
أي متى يوم القيامة الذي توعدوننا به وتحذروننا منه إن كنتم صادقين في قولكم؟
والوعد المذكور هنا هو ما أشارت إليه الآية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ).
جاء في (التفسير الكبير): "ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله (هذا الوعد) إلى أي وعد؟
نقول: هو ما في قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ) من قيام الساعة، أو نقول هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب" (1)
وجاء في (البحر المحيط):" أي متى يوم القيامة الذي أنتم توعدوننا به أو متى هذا العذاب الذي تهددوننا به، وهو على سبيل الاستهزاء، فهم لما أمروا بالتقوى ولا يتقى إلا مما يخاف منه وهم غير مؤمنين سألوا متى يقع هذا الذي تخوفونا به استهزاء" (2)
وقال (ويقولون) بالمضارع ولم يقل (وقالوا) للدلالة على استمرارهم على هذا القول ولم يقولوا ذلك مرة واحدة.
ولم يقل (ويقول الذين كفروا للذين آمنوا متى هذا الوعد...) كما قال في الآية السابقة (قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) ذلك لأنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا كافر وهو موجه إلى الذين آمنوا، لأن المؤمنين يؤمنون باليوم الآخر ولا يؤمن به الذين كفروا.
برنامج لمسات بيانية
(مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ)
معنى النظر ههنا وقوع الشيء من غير ترقب له فلا يرونه إلا واقعاً، وقد فسره المفسرون بالانتظار ولما كان الكفار غير منتظرين للصيحة بل ينكرونها فسروها بالانتظار الفعلي، جاء في (التفسير الكبير): "(ما ينظرون إلا صيحة واحدة) أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة .. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول: الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه" (1)
وجاء في (البحر المحيط): "ما ينظرون أي ما ينتظرون ولما كانت هذه الصيحة لابد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها" (2)
والحق أن ثمة فرقاً بين (ينظرون) و(ينتظرون)
فمعنى (ينظرون) يرون الأمر واقعاً بغتة من غير ترقب له أو توقع، أما الانتظار فهو ترقب وقوع الأمر.
وأكثر الاستعمال القرآني على هذا فهو يستعمل (النظر) لما يفاجئ من الأحداث والانتظار لما فيه ترقب وتوقع.
قال تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) الزخرف 66
فذكر إنها تأتيهم بغتة أي من غير ترقب.
وقال (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) محمد 18 وهي مثل ما قبلها.
وقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) الأعراف 53
والكلام واضح أنه في اليوم الآخر وهو يأتيهم من غير ترقب له أو انتظار لأنهم كافرون به كما يدل على ذلك الكلام.
في حين قال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الأحزاب 23 أي منهم من ينتظر ذلك ويترقبه.
وقال: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) السجدة 30 فأمره بالانتظار وهو الترقب.
وقال هود لقومه (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) الأعراف 71
فهو قد توعدهم وتهددهم وأمرهم بانتظار ذلك وترقبه.
ثم إن بناء كل من الفعلين يقوى ما ذكرناه فإن بناء (انتظر) أطول من (نظر) وذلك يدل على زيادة الانتظار وطوله إذ كثيراً ما يناسب اللفظ المعنى.
ومعنى الآية – أي آية يس- أنهم لا ينظرون إلا صيحة واحدة تبغتهم وهم يختصمون في حياتهم ومعاشهم، والمقصود بالصيحة هذه صيحة القيامة.
واختار (ينظرون) على (ينتظرون) لأن في ذلك فزعاً أكبر فإن الذي تفجؤه الصيحة يرجف فؤاده ويفزع أكثر ممن ينتظرها "لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيجاف أعظم" (3)
وذكر الصيحة ههنا كما ذكرها في أصحاب القرية فإن كلاً من الصنفين لم يتق ما بين يديه وما خلفه فلم يرحمه ربه وأخذته الصيحة، غير أن هناك فرقاً بين البناء في الآيتين:
فقد قال في أصحاب القرية (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) بالفعل الماضي لأن الصيحة قد وقعت.
وقال ههنا (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) بالفعل المضارع لأنها لم تقع وقال في أصحاب القرية (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) .
وقال ههنا (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) وذلك أنه لما قال إن الصيحة تأخذهم أي كأنها تأخذهم من أهلهم قال (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) لأن الصيحة أخذتهم بعيداً عن أهلهم ولم يقل مثل ذلك مع قوله (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) لأنها أخمدتهم جميعاً هم وأهلهم.
وناسب ذلك أيضاً قوله (وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي يختصمون في أمور الدنيا ومعنى ذلك أنهم ليسوا بين أهلهم ولا في مساكنهم فناسب أن يقول (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) .
ومعنى (يخصمون) (يختصمون) غير أنه أبدل من التاء صاداً وضعفها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين فصار يخصمون، وسبب هذا الإبدال والتضعيف – والله أعلم- إن التضعيف يدل على المبالغة فأبدل وضعف للدلالة على المبالغة في الاختصام، أي أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في الاختصام مبالغون في أمور الدنيا لا يشغلهم عن ذلك شاغل فتأخذهم الصيحة فلا يستطيعون توصية ولا ينطقون بشيء، جاء في (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني): "وأصل (يخصمون) يختصمون فأبدلت التاء صاداً وأدغمت في الصاد فصار (يخصمون)، والتضعيف يفيد القوة والتكثير والمبالغة.
فأفاد ههنا المبالغة في الاختصام، والمعنى أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في معاملاتهم منشغلون في خصومات الدنيا على أكثر ما يكون وأشد ما يكون غير منشغلين بشيء آخر عن الدنيا، فالساعة لا تقوم على رجل يقول: لا إله إلا الله.
وفي الحديث (شرار الخلق الذي تدركهم الساعة وهم أحياء) فتصيح الساعة صيحة تقطع الاختصام فلا يكون نبس ولا حركة ولا خصومة ولا كلام بل صمت مطبق وسكون مطلق (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) ، فعبر عن ذلك بقوله (يخصمون)، ولا يدل الأصل (يختصمون) على هذه المبالغة والقوة ... في حين قال (ثُمَّ إِنَّكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) الزمر 31 من غير إبدال، ذلك أن الاختصام أمام رب العالمين لا يكون مثل الاختصام في الدنيا، فاٌختصام في الدنيا عام يشمل المخاصمات التي تستدعى القضاء والفصل بين المتخاصمين كما يشمل غيرها مما لا يستدعى قضاء ولا فصلاً.
أما الاختصام عند الرب فهو مما يستدعى القضاء والفصل، فبالغ في البناء فيما استعمله في الدنيا بخلاف ما استعمله في الآخرة والله أعلم" (4)
واختيار الصيحة هو المناسب في هذا المقام إذ هي التي تقطع الاختصام والقيل والقال فبينما هم يختصمون في معاملاتهم وهم في صخب الدنيا إذ تأتيهم الصيحة فتقطع ذلك كله كما يكون في مكان ما ضجيج وصخب فتقطع ذلك بصيحة واحدة
فإذا هو صمت مطبق وسكون رهيب.
وذكر أن الصيحة واحدة ذلك لأنهم لا يحتاجون إلى آخري فإن الصيحة الواحدة تأخذهم جميعاً فلا حاجة إلى ثانية، ثم إنه إذا تتابعت الصيحات ألفها السامع فلا تكون لها تلك الرهبة، أما هذه فصيحة واحدة ليس لها نظير تخلع قلوبهم فيموتون جميعاً.
أما الصيحة الثانية فلجمعهم عند رب العالمين
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
يعني إذا كان كل ما فاتكم مقدراً مدوناً قبل فوته فلم الأسى عليه؟ وإذا كان كل ما أصابكم من خير مقدراً مدوناً قبل وصوله إليكم فلم الاختيال والفرح المبطر. ولم الفخر بما قدره الله لك وأتاك إياه؟
وإذا كانت الدنيا كلها بما فيها من متاع وزينة وأموال زائلة وأن ذلك كله سيكون حطاماً وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور فلم الأسى على ما فات والفرح بما أوتيت وهو خارج من يدك لا محالة؟
وفي الإعلام بذلك توطين للنفس على قبول ما يحصل لها من ضر وعدم الاختيال والفخر على عباد الله بما آتاه الله من النعم. وإراحة لها من القلق والتسليم والرضا بقضاء الله وقدره.
وفي ذلك الخير كل الخير للمؤمن. جاء في (الكشاف): (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي. لأن من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس...
فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح.
قلت: المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين والفرح المطغي الملهي عن الشكر . فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام. والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما (1). وقدم الأسى على الفرح لما تقدم من ذكر للمصيبة.
وقد تقول: لقد قال تعالى في آل عمران (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) - (۱۰۳). وقال۔ ههنا (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) فقال في آل عمران (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) وقال ههنا (لِكَيْلَا تَأْسَوْا) فما الفرق؟
فنقول: إن كلا الفعلين يفيد الحزن إلا أن في كلمة (حزن) شدة ومشقة أكبر. فالحزن في النفس قريب من معنى الحزن في الأرض كلاهما فيه شدة ومشقة. فـ (الحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي هو الخشونة والغلظ في الأرض. و(الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي هو ما يشق على النفس ويغلظ عليها. ولما كان الحزن في النفس أشد على الشخص وأشق من الغلظ في الأرض جعلت العرب الضمة وهي أثقل من الفتحة للثقيل والفتحة لما هو أخف فناسبت بين الحركة والوصف.
والحزن في آية آل عمران أشق واشد معاً في آية الحديد ذلك أن السياق في آل عمران هو فيما حصل للمسلمين في معركة أحد من غم وحزن وهزيمة فقال (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ)
فالحزن في أحد على أمرين: على ما فاتهم من الغنائم. وعلى ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجراح فقال (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ)
أما في آية الحديد فالحزن على ما فات من الخير فقط لأنه قال بعدها (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) أي بما آتاكم من الخير والنعم. فكان الحزن في آل عمران أشق وأشد فاستعمل الحزن الشديد الثقيل لما هو أثقل والذي هو أخف منه لما هو أخف. والله أعلم.
جاء في (المفردات) للراغب: "الحُزن والحزُن خشونة في الأرض وخشونة في النفس لما يحصل فيه من الغم ويضاده الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم قيل: خشنت بصوره إذا حزنته (2).
(وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ)
أي بما آتاكم الله من الخير فأسند إيتاء الخير إليه سبحانه، ولم يقل (بما أتاكم) كما قال (عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ) فأسند الفوت إلى الشيء الفائت ولم يسنده إلى الله فلم يقل مثلاً (لكيلا تأسوا على ما فوته عليكم) أو (على ما أفاته عليكم) بل قال (عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ) .
فأسند الخير إلى نفسه وفوته إلى غيره، وهو الخط التعبيري الواضح في القرآن الكريم فإنه يسند الخير والنعم إلى نفسه سبحانه بخلاف السوء (3) وهو نظير قوله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا - الإسراء (۸۳) فإنه أسند النعمة إلى نفسه فقال : (أَنْعَمْنَا) بخلاف السوء فإنه أسنده إلى الشر فقال : (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ) ولم يقل (مسسناه بالشر).
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
أي متباه بما عنده متكبر على الخلق كثير الفخر عليهم، وكلا الوصفين مختال وفخور يفيد المبالغة أحدهما في السلوك وهو الاختيال والآخر في القول وهو الفخر فذم الشيء من الصفات في القول والسلوك. وقد ذكرنا في تفسيرنا لسورة لقمان سبب توكيد ما جاء في لقمان بإن أعني قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وعدم توكيده ههنا وذكرنا أموراً أخرى فلا نعيد القول فيه.
وذكر هذين الوصفين بعد قوله (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) ، لأن النعم قد تؤدي إلى الاختيال والفخر. فالإنسان قد تبطره النعمة ويدعوه الفرح الزائد بها إلى الاختيال والفخر. وذكره ربه بأن الله هو الذي أتاه ذاك فلا ينبغي أن يختال ويفخر عليهم فإن الله الذي آتاه الخير لا يحب ذاك.
وفي هذا تهديد للمختالين الفخر، جاء في (تفسير الرازي): (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر. وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم (4).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 287 إلى ص 289.
(1) الكشاف 4/66.
(2) مفردات الراغب (حزن) 123.
(3) أنظر معاني النحو 2/494 وما بعدها.
(4) تفسير الرازي 29/240.
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ ) - النساء (۸۹).
و(لَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفا وتنكيراً. ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة نظير قولهم في قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ)
ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه، وقال (هُوَ الْغَنِيُّ) : ولم يقل (غني) لأنه لا غني على الحقيقة سواه فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر.
وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) - لقمان (۱۲) فلم يعرف الغني فما السبب؟
فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكاً له ولم يذكر أنه أتى الناس شيئاً فلم يعرف الغني. أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي أتانا فقال: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) . فإذا كان الإنسان يرى أنه استغني أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله. فالله إذن هو الغني وحده.
وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26) فإنه لما ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل.
ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه.
جاء في (الكشاف): (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل من قوله (كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمة في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم وذلك كله
عدنان بن عبد السلام
الأسعد
نتيجة فرحهم وبطرهم عند أصحابهم. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه (1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 291.
(1) الكشاف 4/66.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)
البينات هي المعجزات الظاهرة والدلائل والحجج التي تدل على النبوة (1) وذلك كعصا موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك من الآيات البينات التي تدل على صحة النبوة وصدق المرسلين.
وَ(الْمِيزَانَ) هو كل ما يتميز به الحق من الباطل والعدل من الظلم والزائد من الناقص، ومنه الآلة المعروفة بين الناس.
جاء في (تفسير الرازي): (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) ... أنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة... والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص (2). وجاء في (تفسير ابن كثير): (الْمِيزَانَ) وهو العدل... [وقيل] وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة (3).
وجاء في (روح المعاني): (بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالحجج والمعجزات...و(الْمِيزَانَ) الآلة المعروفة بين الناس .. وإنزاله إنزال أسبابه (4).
وجاء في (التحرير والتنوير): الميزان مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما... وهذا الميزان تبينه كتب الرسل فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر(5).
وقدم البينات على الكتاب لأنها هي التي تشهد بصحته وتدعو إلى قبوله والإيمان به والأخذ بتعاليمه.
وقدم الكتاب على الميزان لأن فيه بيان الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف على العموم ومنها إقامة الوزن بالقسط. ويشمل أحكام المعاملات وغيرها كالعقائد وبيان ما يصلح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة فهو أهم وأثره أعم وأشمل.
(لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ)
علة لإنزال الميزان كما يصح أن يكون علة لما تقدم من إنزال الكتاب والميزان وهو ما يترجح في ظني فإن القسط يكون في الوزن وغيره من الأحكام قال تعالى (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) ۔ المائدة (42) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - المائدة (8) وهذا في غير الوزن.
جاء في (البحر المحيط): (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) الظاهر أنه علة لإنزال الميزان فقط ويجوز أن يكون علة لإنزال الكتاب والميزان معاً لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء من سائر التكاليف فإنه لا جور في شيء منها ولذلك جاء (أشهد الله أنه لا إله إلا هو وأولو العلم قائماً بالقسط)(6).
وقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) ولم يقل (ليقوم الناس بالعدل) مع أن من معاني القسط العدل ذلك أن استعمال (القسط) أنسب ههنا من (العدل) فإن (القسط) يأتي لمعنى الحصة والنصيب، يقال: أخذ كل واحد من الشركاء قسطه أي حصته. وكل مقدار فهو قسط في الماء وغيره. والقسط بالكسر العدل. والإقساط العدل في القسمة والحكم(7).
والعدل بما قام في النفوس أنه مستقيم ... والعدل المرضى قوله وحكمه ... [عن سعيد بن المسيب: إن العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم قال الله تعالى (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ) والعدل في القول قال الله تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ، والعدل الفدية ... والعدل في الإشراك(8).
وفي الآية استعمال (القسط) أنسب وذلك لذكر الميزان، فإن الغرض من الوزن أن يأخذ الشخص حصته ونصيبه وهو من معاني القسط. ولذا لم يرد في القرآن الكريم مع الوزن إلا لفظ (القسط) ولم يستعمل معه العدل. قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - الأنعام (152) وقال (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ ) - هود (85) وقال (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) - الأنبياء (47). وقال (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) - الرحمن (۹).
ومن أسماء الميزان (القسطاس) قال تعالى (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ) - الإسراء (35) وقال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) - الشعراء (۱۸۲).
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه ذكر الفعل (يقوم) فقال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) وقد ورد فعل القيام في القرآن مع لفظ (القسط) ولم يرد مع (العدل) قال تعالى: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ) - النساء (۱۲۷) وقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ) - آل عمران (۱۸) وقال (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) - النساء (۱۳۰) وقال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) - الرحمن (۹) فناسب ذكر القسط من أكثر من جهة.
(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)
ورود هذا التعبير بعد قوله (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) إشارة إلى أن الحق به حاجة إلى القوة لتحميه وتحفظه وأن الميزان وقيام الناس بالقسط إنما يكون بالبأس الشديد والقوة. قال عثمان رضي الله عنه: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). جاء في (روح المعاني): (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قال الحسن أي خلقناه ... (فِيهِ بَأْسٌ) ... وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس(9).
وقال (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) ولم يقل فيه قوة وذلك للدلالة على الردع بالقوة وبالحرب إذا اقتضى الأمر ذلك أن معنى البأساء الحرب والمشقة والضرب. و(البأس) معناه الشدة في الحرب. والبأس العذاب(10)..
قال تعالى (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ) - الإسراء (5) أي أشداء في الحرب. وقال (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ) - الفتح (۱۷).
وقال: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) - النساء (84). وقال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ) - البقرة (۱۷۷) أي حين القتال. وقال (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) - الأحزاب (18) أي الحرب. وقال (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ) - الأنعام (65). فأنت ترى أن البأس إنما يكون في الحرب أو نحوها.
أما القوة فهي عامة في الحرب وغيرها. قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ) - الروم (54). وقال (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ) - مريم (۱۲) وفي قصة سليمان قالوا نَحْنُ (أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) - النمل (33). أي أن معهم القوة وهم مع ذلك أشداء في الحرب. لأن الإنسان قد يملك القوة ولكن ليس ذا بأس في الحرب والقتال كمن يملك سيفاً ورمحاً وليست عنده الشجاعة والثبات في الحرب.
فقوله (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) بعد قوله (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ) للدلالة على أن الحق إنما يحمي بالقوة. جاء في (تفسير الرازي): والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية. والميزان إلى القوة العملية. والحديد إلى دفع ما لا ينبغي. ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ثم رعاية المصالح الجسمانية ثم الزجر عما لا ينبغي روعي هذا الترتيب في هذه الآية.
وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب. أو مع الخلق وهم إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان. أو مع الأعداء والمعاملة بالسيف والحديد.
وثالثها: الأقوام ثلاثة:
إما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون.
ويحترزون عن مواقع الشبهات.
وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون فلابد لهم من الميزان. واما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولابد لهم من الحديد والزجر...
وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف. والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك. والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف(11).
وذكروا في إنزال الحديد قولين: الأول: إنزاله من السماء. والقول الآخر: أن معنى الإنزال هو الإنشاء والتهيئة والخلق كقوله تعالى (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ) - الزمر (6)(12).
ويذهب المحدثون إلى القول الأول فهم يقولون: إن الحديد إنما أنزل من السماء ولا مانع من أن يكون القولان صحيحين فالله خلقه وأنزله. والله أعلم.
(وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم(13). ونكر المنافع للإطلاق.
وذكر أن المنافع للناس ولم يذكر أن إنزال الحديد للناس فهو لم يقل (وأنزلنا الحديد للناس فيه بأس شديد ومنافع لهم) لأن المعني سيكون أنه أنزل الحديد للناس ليقتتلوا وليذيق بعضهم بأس بعض. وليس هذا هو المقصود. فذكر أن المنافع للناس دون البأس الشديد وإنما البأس الشديد ليقوم الناس بالقسط ولنصرة الحق والعدل وإشاعته.
(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ)
هذا تعليل لكل ما تقدم من إنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد ليعلم الذين ينصرونه في كل ذلك من دعوة إلى الله وتبيين لأحكامه وطاعة له وجهاد في سبيله فإن ذلك كله نصر لله ورسله.
وقوله (بِالْغَيْبِ) للدلالة على إخلاصهم في نصرتهم لله ورسله فهم ينصرونه سواء علم بهم عباد الله وأبصروهم أم لم يعلم بهم أحد غير خالقهم فهم ينصرونه على كل حال. جاء في (البحر المحيط): (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) علة لإنزال الكتاب والميزان والحديد. (من ينصره ورسله) بالحجج والبراهين المنتزعة من الكتاب المنزل، وبإقامة العدل وبما يعمل من آلة الحرب للجهاد في سبيل الله(14).
وجاء في (الكشاف): (وليعلم الله من ينصره ورسله) باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين (بِالْغَيْبِ) غائباً عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه(15).
(إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
ختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ليبين أنه غير محتاج إلى من ينصره فإن الله قوي عزيز ولكن ليتعلق بذلك الجزاء في الآخرة.
وقد تقول: لقد قال ههنا (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) فأكد قوته وعزته بإن. وقال في مكان آخر (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (40) فأكدهما بإن واللام فما الفرق؟
فنقول: إن كل تعبير مناسب للسياق الذي ورد فيه وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى في سورة الحج: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) - الحج (39-40).
فأنت ترى أن الكلام هو في سياق الإذن للمؤمنين بالجهاد وقتال الأعداء بعدما أخرجوا من ديارهم وقوتلوا ظلماً. وقد ذكر أن الله قادر على نصرهم وقد وعدهم بالنصر فقال مؤكداً ذاك (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) . ولا شك أن النصر محتاج إلى قوة فأكد قوته وعزته بـ (إن) واللام، وقد ناسب تأكيد النصر تأكيد القوة.
وليس السياق كذلك في الحديد. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
فأنت ترى أنها ليست في سياق الجهاد والقتال ولا في سباق نصر الله للمؤمنين. بل في سياق نصر المؤمنين لدعوة (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ) فالأولى في نصره هو لجنوده المستضعفين فأكد قوته. والثانية في نصر المؤمنين لدعوته؛ فزاد في المقام الذي يقتضي زيادة التأكيد(16).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 296.
(1) أنظر تفسير الرازي 29/241. روح المعاني 27/288.
(2) تفسير الرازي 29/241 – 242.
(3) تفسير ابن كثير 4/372.
(4) روح المعاني 27/288.
(5) التحرير والتنوير 27/416.
(6) البحر المحيط 10/113.
(7) لسان العرب (قسط) – دار صادر – 7/377 – 378.
(8) لسان العرب (عدل) 11/430 – 431.
(9) روح المعاني 27/288 – 289.
(10) أنظر لسان العرب (بأس) 6/20.
(11) تفسير الرازي 29/242.
(12) أنظر تفسير الرازي 29/243، روح المعاني 27/288، الكشاف 4/66.
(13) الكشاف 4/66.
(14) البحر المحيط 10/114.
(15) الكشاف 4/66 – 67. وأنظر تفسير الرازي 29/244.
(16) التعبير القرآني 171 – 172.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
قدم النبوة على الكتاب كما قدم البينات على إنزال الكتاب في الآية السابقة فقال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) . والبينات هي الدلائل على النبوة والتي تقيم الحجج على الناس فقدمها على إنزال الكتاب وفي هذه الآية قدم النبوة على الكتاب وهو نظير التقديم في الآية السابقة.
(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
كان الأظهر أن يقال (فمنهم مهتد وكثير منهم ضالون) لأن الهدى يقابله الضلال كما هو مذكور في مواطن كثيرة من القرآن الكريم كقوله (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ) - المدثر (۲۱) وقوله (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ) - البقرة (16): غير أنه ذكر الفسق وهو الخروج عن الطريق المستقيم وذلك لأن الضلال قد يكون عن غير قصد وبغير علم كما قال تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) - الكهف (104) وقال (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) - الأنعام (۱۱۹). أما الفسق فهو الخروج عن الطريق وذلك بعد العلم به. وهذا أبعد في الضلال. ثم وصف الفاسقين بالكثرة ولم يصف المهتدين بالكثرة فقال: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) . وهذا ذم آخر،
جاء في (روح المعاني): (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) خارجون عن الطريق المستقيم. ولم يقل:
(ومنهم ضال) مع أنه أظهر في المقابلة لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه ومعرفته أبلغ من الضلال عنه ولإيذانه بغلبة أهل الضلال على غيرهم (1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 297 إلى ص 298.
(1) روح المعاني 27/290.