عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴿٤﴾    [الصف   آية:٤]
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ذكر أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ولم يذكر غيرهم ممن يحبهم الله وذلك لأكثر من سبب. منها أن نزول الآية التي قرع الله فيها الذين يقولون ما لا يفعلون كان بسبب النكول عن القتال أو بسبب أمر يتعلق بالقتال فإنهم قالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبادرنا إليه فأعلمهم الله أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً، ثم إن جو السورة شاع فيه استنهاض المؤمنين للجهاد وطلب نصرة الله. فناسب ذكر هذا الصنف والله أعلم. ومعنى الآية أن الله تعالى يحب الذين يثبتون في الجهاد ويلزمون مكانهم كثبوت البنيان المرصوص. وقيل: المراد أن يكونوا في اجتماع كلمتهم واستواء نياتهم وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. والحق أن المعنيين مرادان فيراد ثباتهم في الحرب ولزوم مكانهم كما يراد اجتماع كلمتهم وموالاة بعضهم بعضاً. فالمراد أن يكونوا صفاً ثابتاً في نياتهم وأجسامهم. فإن تفرقت نياتهم وتشتت قلوبهم لم يكونوا صفاً وإن وقفوا في صف واحد، جاء في (الكشاف): (كَأَنَّهُمْ) في تراصهم من غير فرجة ولا خلل (بُنْيَانٌ) رص بعضه إلى بعض ورصف، وقيل يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص (1). وجاء في (التفسير الكبير): قال أبو إسحاق: أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. قال ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. وقيل ضرب هذا المثل للثبات. يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر (2). وقدم الجار والمجرور (فِي سَبِيلِهِ) على (صَفًّا) وذلك لتقدم النية وأهميتها قبل أن يدخلوا في الصف. ثم إن توحيد النية سبب لتوحيد الصف. فإن لم يكن القتال في سبيل الله فلا خير فيه. وقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ) ولم يقل (كأنهم بناء) ذلك أن القرآن فرق في الاستعمال بين البناء والبنيان فاستعمل البناء للسماء والبنيان لما بناه البشر. قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - البقرة (22) وقال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - غافر (64) في حين قال ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ ) - الكهف (21) وقال: ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) الصافات (97) وقال: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) - التوبة (109) ووصف البنيان بأنه مرصوص فقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) للدلالة على شدة تماسكه وقوته. م**ن كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 208 إلى ص 209. (1) الكشاف 4/ 97 – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. (2) التفسير الكبير 29/ 313.
  • ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٥﴾    [الصف   آية:٥]
(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ذكر قصة موسى ليتأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن قوم موسى آذوه مع علمهم أنه رسول الله إليهم. وفيها تحذير لمن يزيغ عن طريق الحق والهدى ولا يتبع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يزيغ الله قلبه كما فعل مع أصحاب موسى. قيل ومناسبة ذكر هذه القصة لما قبلها أن أصحاب موسى انتدبوا لقتال الجبابرة فعصوا رسولهم ونكلوا فشبه حالهم حال من تمنى القتال ثم لم كتب عليهم القتال تراجع. جاء في (تفسير أبي السعود): (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ) كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال... أي واذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد عصيان (1). وقيل إنه لما كان في صف الجماعة المؤمنة من قال ما لا يفعل وذلك يدخل في باب الكذب كان ذلك أذى لرسولهم في أن يرى من جماعته من يقول ما لا يفعل فذكر الذين آذوا موسى آمن به تأسية لرسوله وتقريعاً وتحذيراً لأولئك. جاء في (البحر المحيط): ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل وهو راجع إلى الكذب فإن ذلك في معنى الأذية للرسول عليه الصلاة والسلام إذ كان في أتباعه من عانى الكذب. فناسب ذكر قصة موسى وقوله لقومه (لِمَ تُؤْذُونَنِي) (2). وقد أطلق الأذى ليشمل كل نوع من أنواعه. وقد ذكر موسى عليه السلام أمرين كل منهما يدعو إلى الدفاع عنه ونصرته وعدم إيذائه: الأمر كونهم قومه فقد قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ) . وقوم الرجل في العادة يدفعون عنه وينصرونه لا يؤذونه وكان العرب في الجاهلية ينصرون أخاهم ومن كان من قومهم وإن كان ظالماً وعلى ذلك جرى مثلهم المشهور (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) والذي أعطى له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مفهوماً جديداً. والأمر الآخر أنهم يعملون أنه رسول الله وهذا يستدعي طاعته والدفاع عنه ونصرته لا إيذاءه، لكن بني إسرائيل آذوه مع هذين المانعين من الأذى المستلزمين للنصرة. وقد قال لهم (يَا قَوْمِ) تألفاً لهم واستصراخاً لداعي القربى واستثارة للمودة ليلين قلوبهم فيطيعوه ويكفوا عن أذاه كما يقول الرجل لأخيه يا أخي ولابنه يا بنيّ ولابن عمه يا ابن عم تذكيراً بالقربى واستثارة لداعي المودة. ومن الملاحظ في القرآن الكريم أن موسى في قسم من المواقف يناديهم بـ (يَا قَوْمِ) بل يذكر لهم الأمر مباشرة بحسب ما يقتضيه الموقف. فإذا كان الموقف يتطلب إثارة حميتهم وتليين قلوبهم أو كان في مقام تذكيرهم بالنعم التي أنعم الله عليهم بها ناداهم بـ (يَا قَوْمِ) . وإذا كان في موقف تقريع وذم وتذكيرهم بما يسوؤهم لم يقل لهم (يَا قَوْمِ) . قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ )- المائدة (20، 21). فذكرهم بنعمة النبوة والملك فيهم وكل واحد يعتز بالانتساب إلى القوم الذين جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكاً. ثم هو يستثير حميتهم ونخوتهم لدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فقال (يَا قَوْمِ) في الموقفين. في حين قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) - إبراهيم (6). فذكرهم بأيام ذلتهم حين كانوا يسامون العذاب ويذبحون أبنائهم ويستحيون نساءهم فلم ينادهم بـ (يَا قَوْمِ) فإن الشخص لا يفخر ولا يعتز بالانتساب إلى قوم الأذلاء. وقد تقول: ولكن الله قال (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) فنقول أيضاً قا لفي الآية السابقة (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). ففرق كبير بين النعمتين فتلك نعمة العزة والملك وهذه نعمة النجاة من الذلة. فوضع النداء حيث كان أحق به. وقال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) - البقرة (67). فلم يقل لهم (يَا قَوْمِ) ذلك أن هذا من مواقف الذم لهم والتشنيع عليهم وذكر سيئاتهم فقد قتلوا نفساً فادّرؤوا فيها فأراد الله أن يستخرج القاتل فذكر ما هو معروف من أمر البقرة مما لا يشرف قوماً ذكره. فلم يقل لهم (يَا قَوْمِ) بل أمرهم بذبحها ليستخرج القاتل. وقال بعد عودته من مناجاة ربه وقد عبدوا العجل من بعده واتخذوه إلهاً (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) - الأعراف (150 – 152). فلم يقل لهم (يا قوم بئسما خلفتموني من بعدي) وذلك لأن الموقف موقف غضب شديد وتأنيب وتوعد لهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وتخصيص طلب المغفرة له ولأخيه فلا يناسب أن يقول لهم (يَا قَوْمِ) وأن ينسبهم إليه. وقد تقول: ولكنه قال في هذا الموقف نفسه في موطن آخر (يَا قَوْمِ9 فقد قال في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) - (54). فما الفرق؟ والحق أن السياق والمقام في كل منهما مختلف عن الآخر؛ فإن ما في الأعراف كان في وقت الحدث وفي شدة الغضب، أما آية البقرة فإنها تذكر ما وقع بعد الحدث بمدة وبعد هدوء الغضب ودعوتهم إلى التوبة بل أنها وقعت بعد ما عفا الله عنهم فقد قال الله في سياق البقرة نفسه (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) - البقرة (51، 52) فذكر سبحانه أنه عفا عنهم فالمقامان مختلفان. فالمقام الأول في أثناء المعصية والثاني بعد العفو فناسب كل تعبير موطنه. هذا إضافة إلى أن السياق في البقرة على العموم في تعداد النعم على بني إسرائيل بخلاف ما في الأعراف. فإنه افتتح الكلام في البقرة على بني إسرائيل بقوله (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) - (40) وقال بعد ذلك قبل أن يذكر حادثة العجل (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) - (47) فموسى إذن يدعو بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم وعفا عنهم فناسب أن يقول (يَا قَوْمِ) بخلاف ما في الأعراف. وقد قال لهم في سورة الصف (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ) ثم قال (تُؤْذُونَنِي ) ولم يقل (لم آذيتموني) للدلالة على استمرار الأذى له عليه السلام. وقال (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ ) فقال (إِلَيْكُمْ) ليدل على أنه رسالته ليست عامة للبشر وإنما هي لبني إسرائيل خاصة. وهو شأن الرسل قبل سيدنا محمد. (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ ) أي فلما مالوا عن الحق أمال الله قلوبهم عنه فكان ذلك جزاء وفاقاً بسبب زيغهم فإن الله لا يظلم أحداً. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) اختار وصفهم بالفسق لأنه هو المناسب ذلك أن معنى (فسق) خرج عن الطريق الحق وأصل المعنى من (فسقت الرطبة) إذا خرجت من قشرها. فهم خرجوا عن الطريق الحق ومالوا عنه فكان وصفهم بالفسق أنسب لأن الفسق خروج عن الطريق أيضاً. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 209 إلى ص 213. (1) تفسير أبي السعود لأبي السعود محمد العمادي ج7/ 243. (2) البحر المحيط لأبي حيان ج10/ 165
  • ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿٦﴾    [الصف   آية:٦]
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ). نسب عيسى إلى أمه ليدل على أنه ليس ابن الله كما يقول الأنصاري وقال يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ولم يقل لهم يَا قَوْمِ كما قال موسى لأنه ليس له نسب فيهم فإن قوم الرجل من كان أبوه منهم وليس لعيسى أب. ولم يرد مرة في القرآن الكريم أن ناداهم (يَا قَوْمِ) . كما أن موسى لم يرد مرة أن ناداهم (يا بني إسرائيل) فإن بني إسرائيل قومه. ونسبة عيسى إلى أمه تمهيد لعدم مناداتهم بـ (يَا قَوْمِ) فإنه لا يحسن أن ينسبه إلى أمه ثم يقول لهم (يَا قَوْمِ) جاء في (الكشاف): وقيل إنما قال (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولم يقل (يَا قَوْمِ) كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه (1). وقال (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) فخص رسالته بهم كما قال موسى قبله ليدل على أن رسالته لبني إسرائيل خاصة. وقوله (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) تصديق بنبوة موسى وقوله (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ ) تبشر بالنبي الخاتم سيدنا محمد. ومن أسمائه (أحمد) أيضاً عليه السلام. وجاء بقوله (مُصَدِّقًا) و(مُبَشِّرًا) منصوبين على الحال ولم يجئ بهما مرفوعين على تعدد الأخبار وذلك ليدل على أن ذلك مما أرسل به. فإن مصدقاً ومبشراً حالان والعامل فيهما (رسول الله). فدل ذلك على أن هذين من أمور الرسالة التي أرسل بها. ولو قالهما بالرفع لم يفد ذلك تنصيصاً بل لأفاد أنه أخبر عن نفسه بذلك. وقال (مِنْ بَعْدِي) ولم يقل (بعدي) ليدل على أنه ليس بينهما نبي، وذلك لأن (من) تفيد ابتداء الغاية في البعدية. وأما (بعد) من دون (من) فتحتمل البعدية القريبة والبعيدة. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . هذا يحتمل أن يكون المقصود به عيسى عليه السلام أي لما جاءهم بالبينات الدالة على صدق رسالته وصدق بشارته وهي المعجزات المؤيد بها من نحو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغيرها من الآيات قالوا هذا سحر مبين. كما يحتمل أن يكون المقصود به محمداً (صلى الله عليه وسلم) أي لما جاءهم بالبينات الدالة على صدقه (صلى الله عليه وسلم) وأنه هو المقصود بالبشارة قالوا هذا سحر مبين. فإن من أرسل إليهم عيسى قالوا لما جاءهم بالبينات هذا سحر مبين. وكذلك قوم محمد (صلى الله عليه وسلم) قالوا القول نفسه. قال تعالى في عيسى ( وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) - المائدة 110. وقال في محمد (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) - سبأ (43). وقال فيه أيضاً (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) - الصافات (12 – 15). جاء في (التفسير الكبير) في قوله (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) قيل هو عيسى وقيل هو محمد (2). وجاء في (البحر المحيط): الظاهر أن الضمير المرفوع في (جَاءَهُمْ) يعود على عيسى لأنه المحدث عنه وقيل يعود على أحمد (3). لقد ذكر في الآيات التي مرت ثلاثة أقوام: (عدنان بن عبد السلام الأسعد) الأول هم من آمن من قوم محمد وهو قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) … والثاني هم قوم موسى، والآخرون وهم المكذبون سواء كانوا ممن أرسل إليهم عيسى أو ممن أرسل إليهم محمد. ورتبهم بحسب الإيمان والطاعة فالأولون هم أفضلهم وأطوعهم لله ثم قوم موسى ثم من كفر. هذا إضافة إلى أن هذا الترتيب يتناسب مع مفتتح السورة وهو قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . فإنه بعد أن ذكر المسبحين في السماوات والأرض بدأ بمن يسبحونه في الأرض طوعاً واختياراً وهم المؤمنون بمحمد وهم أكثر المذكورين تسبيحاً له فهم يسبحون الله في صلواتهم وأدبار السجود وفي غير ذلك من الأوقات. ثم انتقل إلى قوم آخرين أقل تسبيحاً وأنأى عن الطاعة، وهم قوم موسى، ثم الذين عصوا وافتروا على الله الكذب وقالوا (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . فبدأ بأطوع الجماعات والعباد ثم الذين يلونهم في الطاعة. ثم من هم أبعد عن الطاعة والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 213 إلى ص 215. (1) الكشاف 4/ 98. (2) التفسير الكبير 29/ 315. (3) البحر المحيط 10/ 166.
  • ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾    [الصف   آية:٧]
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). أي ليس ثمة أظلم ممن يفتري على الله الكذب وهو يدعي إلى الإسلام دين الله الحق فيقول إن محمداً ليس هو المقصود بالبشارة أو هو ساحر كذاب. مع علمه بأنه صادق وأن الذي جاء به هو الدين الحق فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم. فهم يظلمون أنفسهم لأنهم يحرمونها الهدى ويوردونها موارد الهلكة ويدخلونها دار البوار. ويظلمون غيرهم لأنهم يكونون سبباً لمنعهم من الدخول في دين الله فيحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم. ويظلمون الرسول بنسبته إلى الكذب. جاء في (التحرير والتنوير) في قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) : وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنسبته إلى ما ليس فيه إذ قالوا هو ساحر. وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة... وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل (1). وقال (وَمَنْ أَظْلَمُ) … فأخرجه مخرج الاستفهام ولم يقل (ولا أظلم مم أفترى...) أو نحو ذلك وذلك ليشارك السامع بالإجابة وليقرر بنفسه أن لا أظلم ممن أفترى على الله الكذب فيقول: لا أحد أظلم منه، فإنه بدل أن يخبر الله بذلك فيقول (ولا أظلم ممن أفترى على الله الكذب) يقرر السامع ذلك بنفسه. وقال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فجعل نفي الهداية ختاماً للآية لأنه قال (وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ ) أي يدعي إلى الهدى فناسب نفى الهدى عنه كما قال في أصحاب موسى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لأنهم زاغوا عن الطريق الحق أي مالوا عنه فضلوا فنفى الهدى عنهم ووصفهم بالفسق. وقد تقول ههنا سؤالان: الأول: لم لم يؤكد نفي الهداية كما أكده في موطن آخر. فقد قال في سورة الأنعام (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) - (144). فأكد نفي الهداية بإن فقال (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والسؤال الآخر هو أنه قال في خاتمة هذه الآية( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) في حين ختمها في آيات متشابهة بغير هذه الخاتمة فقد قال في سورة الأنعام (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) - (21) فختمها بنفي الفلاح عنهم. وقال في مكان آخر (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) - يونس (17) فسماهم مجرمين لا ظالمين. وفي موطن آخر سماهم كافرين فقال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) – العنكبوت (68) وأحياناً لا يعقب بشيء بل يكتفي بقوله (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) كما ورد في الكهف – الآية (15) فما السبب في ذلك كله؟ والجواب أن كل تعبير إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام فإذا احتاج الكلام إلى مؤكد أكد وإن لم يقتض التوكيد لم يؤكد. وإذا اقتضى أن يصفهم بصفة ما وصفهم بها على حسب ما يقتضيه السياق. وإليك إيضاح ذلك. قال تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) - الأنعام (144). فأكد نفي الهداية بـ (إن) وذلك لأنه زاد على آية الصف قوله (لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) فاقتضى ذلك تأكيد نفي الهداية لهؤلاء الذين يضلون الناس بغير علم. هذا إضافة إلى أنه عرّف (الكذب) في آية الصف ونكّره في آية الأنعام فقال في الصف( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) وقال في الأنعام (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا). ومن المعلوم أن (الكذب) معرفة و (كذباً) نكرة. فإذا كان الافتراء في أمر معيّن عرّفه، وإن كان الافتراء عاماً لم ينحصر في شيء معين نكرة (2). فلما كان الافتراء في آية الصف متعلقاً بصفة النبي محمد والتبشير به عرّفه (كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ.) وقوله (فَمَنْ أَظْلَمُ) يعني لا أحد أظلم من هؤلاء المفترين فاستحقوا الوصف بالإجرام كالأولين الذين أهلكهم رب العزة. وقال في آية أخرى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) - العنكبوت (68)، فوصفهم بالكفر وذلك لأنه تقدم قبل هذه الآية قوله (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) - العنكبوت (67). فإنه لما تقدم أنهم آمنوا بالباطل وكفروا بنعمة الله وهو الدين الحق ناسب أن يصفهم بالكفر فقال (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ). وأما عدم التعقيب بشيء فذلك أيضاً ما يقتضيه المقام والسياق. قال تعالى ( هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) - الكهف (15). والقائل هنا هم الفتية أصحاب الكهف وهؤلاء ليس بوسعهم أن يقرروا إن كان الله سيهدي قومهم أم لا فإن علم ذلك إلى الله ولذا لم يتعدوا الوصف بقولهم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فناسب كل تعبير موطنه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 215 إلى ص 218. (1) التحرير والتنوير 28/ 179.
  • ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٨﴾    [الصف   آية:٨]
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) هذا تهكم بهم فمثل تكذيبهم وإخفاءهم صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) وإنكارهم الحق الذي جاء به وقولهم إنه سحر مبين بمن ينفخ نور الشمس بفمه ليطفئها. وقال (نُورَ اللَّهِ) ليدل على أن ما جاء به محمد إنما هو نوره سبحانه ليهدي به الخلق. وأن نور الله أنأى عن أن يطفأ فهو أكثر تمكناً وأشد إنارة من نور الشمس لأن الشمس تغيب ويحتجب نورها أما نور الله فلا يحجبه شيء ولا يطفئه أحد. واللام في (لِيُطْفِئُوا) يحتمل أن تكون زائدة في المفعول للتوكيد وأصله (يريدون أن يطفئوا نور الله). وتحتمل أن تكون للتعليل أي إرادتهم لهذا الغرض بمعنى أن كل همهم مصروف لهذا الغرض. جاء في (الكشاف): يريدون ليطفئوا نور الله أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة براءة. جئتك لإكرامك... وإطفاء نور الله بأفواههم تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بغيه ليطفئه (1). وقد تقول: لقد قال في سورة التوبة (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) - التوبة (32) ولم يقل (يريدون ليطفئوا نور الله) فما الفرق؟ والجواب أن اللام يؤتي بها مع مفعول فعل الإرادة للتوكيد. وقد اقتضى السياق في آية الصف التوكيد ذلك أن السياق فيها إنما هو في تكذيب النصارى للبشارات بمجيء محمد( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) - الصف (6 – 8). ونور الله هو الإسلام فتكذيب النصارى للبشارة الواردة في كتبهم القصدُ منه إطفاء نور الله فجاء باللام الدالة على التوكيد. وأما في آية التوبة فالسياق مختلف. وقد ذكرت الآية في سياق آخر لا يحتاج إلى مثل هذا التوكيد. قال تعالى( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) - (30 - 31). فالسياق في آيات الصف متجه إلى النبوة ومحاولة تكذيبها فجاء باللام. والسياق في آيات التوبة في النعي على معتقدات اليهود والنصارى في عزير والمسيح والأحبار والرهبان فجاء باللام الزائدة في الآية الأولى لأن الكلام على نبوة محمد ولم يأت بها في الآية الثانية لأن السياق مختلف. ثم ألا ترى من ناحية ثالثة أن في موطن الرد على اليهود والنصارى في شركهم بالله جاء باللام لأن الأمر يقتضي التوكيد فقال: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ ) . فأنظر كيف جاء باللام الزائدة للاختصاص في قوله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ) وقوله (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ ) لأن السياق يقتضي ذلك وحذفها في الموطن الذي لا يقتضيه؟ (2). ويدلك على ذلك أيضاً أنه قال (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت (مُتِمُّ) بمعنى أن الأمر ثبت واستقر في حين قال في سورة التوبة (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) فجاء بالفعل المضارع مسبوقاً بأن الناصبة (أَنْ يُتِمَّ) وهذا تنصيص على الاستقبال. فإن (أَنْ) الناصبة للمضارع من حروف الاستقبال. فكان ما في الصف أكد والله أعلم. وقال (بِأَفْوَاهِهِمْ) ليدل على الصورة المضحكة لفعلهم، فإن الذي ينفخ بفمه في نور الشمس ليطفئها مثار للسخرية منه. فهم لم ينفخوا بآلة ذات دفع قوي مثلاً لعلمهم يطفئون نور الله بل بأفواههم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر تكذيبهم وافتراءهم على الله وقولهم عندما جاءهم بالبينات (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ، وهذا كله من المحاربة بالأفواه فقال (بِأَفْوَاهِهِمْ) لذلك والله أعلم. وقد أنجز الله ما وعد وأتم نوره وأرغم أنف الكافرين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 218 إلى ص 220. (1) الكشاف 4/ 99. (2) معاني النحو 3/ 69 – 70.
  • ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾    [الصف   آية:٩]
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أضاف الرسول إلى ضميره تعالى فقال (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) ولم يقل (هو الذي أرسل محمد) أو (هو الذي أرسل الرسول) وذلك لتكريمه وللدلالة على أنه حافظه ومعزه وناصره فإنه رسوله. والناس في العادة يحمون من يضافون إليهم وينصرونهم فكيف بالله وقد أضافه إلى نفسه سبحانه؟ لقد ذكر أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق. والمقصود بالهدى هي الدلائل التي تدل على صدقه (صلى الله عليه وسلم) من البراهين والمعجزات والبشارات. فالهدى هو ما يدل على أنه رسول من مثل ما أخبر به عن الأمم السابقة وعما سيكون في المستقبل فكان كما أخبر والبشارات التي بشر بها الأنبياء السابقون من ذكر اسمه وصفاته وأن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وغيرها من الدلائل مما يدل على أنه رسول الله حقاً. وهو من الهدى الذي يهدي الناس إلى الحق. ودين الحق هو ما جاء به من الأحكام والشرائع. جاء في (فتح القدير): (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده. (وَدِينِ الْحَقِّ) هو الإسلام (1). وجاء في (التفسير الكبير): وأعلم كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور: أولها كثرة الدلائل والمعجزات. وهو المراد من قوله (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) وثانيهما كون دينه مشتملاً على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة. وهو المراد من قوله (وَدِينِ الْحَقِّ) (2). وقد قدم الهدى على دين الحق لأنه مدعاة إلى قبول دين الحق. وقد أضاف (الدين) إلى (الحق) فقال (وَدِينِ الْحَقِّ.) وهذه الإضافة جرت في القرآن الكريم على سبيل الاطراد فقد أضاف الدين إلى الحق حيث اجتمعا في القرآن الكريم ولم يصف الدين بالحق إلا إذا أضافه إلى كلمة أخرى كقوله تعالى (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) - النور (25). و(الدين) في آية النور هذه بمعنى الجزاء والحساب وهو غير ما نحن فيه من معان. وإضافة الدين إلى الحق لها أكثر من دلالة: منها أن الحق من أسماء الله تعالى. وقد سمى الله نفسه الحق ووصف نفسه بالحق فقال (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) - الحج (6) وقال ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) - النور (25) وقال (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ ) - الكهف (44) فلما أضاف الدين إلى كان كأنه قال (دين الله). ولما كان الله هو الحق كان دينه حقاً بل هو الدين الحق. ومنها أن الحق نقيض الباطل فإضافة الدين إلى الحق تعني أنه دين الحق والعدل وشريعته وليس دين الباطل كما تقول: هذا طريق الحق وذلك طريق الباطل. ومنها أن ذلك يحتمل أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته كقولهم مسجد الجامع وحب الحصيد ودار الآخرة وجانب الغربي على تقدير مضاف أو على غير تقدير فيفيد أنه موصوف بحفة الحق على أية حال. فهو دين الله وهو دين الحق وهو الدين الحق، فيكون قد جمع بالإضافة أكثر من معنى ولو وصف الدين بالحق فقال (الدين الحق) لفات أكثر هذه المعاني. وقد تقول: ولم ختمت الآية السابقة بقوله (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وختمت هذه الآية بقوله (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ؟ والجواب أن خاتمة كل آية مناسبة لما ورد فيها. ذلك أن أصل معنى الكافر في اللغة من كفر إذا ستر وغطى ومنه سمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب ويغطيه. وسي الليل كافراً لأنه يستر ما فيه. والكافر الظلمة فلما قال (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) كان معنى ذلك أنهم يريدون أن يبدلوا النور ظلاماً فكان ذلك كفراً بالمعنى اللغوي. فكان قوله (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ههنا أنسب. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن الكفر أعم من الشرك فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، وإن النور أعم من الرسول والدين فجعل العام بمقابل العام والخاص بمقابل الخاص. فلما ذكر النور ذكر في مقابله الكفر. ولما ذكر الرسول والدين ذكر في مقابله الشرك. جاء في (التفسير الكبير): قال في الآية المتقدمة (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وقال في المتأخرة (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) فما الحكمة فيه؟ فنقول: إنهم أنكروا الرسول وما أنزل إليه وهو الكتاب وذلك من نعم الله والكافرون كلهم في كفران النعم فلهذا قال (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك. والمراد من الكافرين ههنا اليهود والنصارى والمشركون. وهنا ذكر النور وإطفاءه واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية... وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام وهي اعتراض على الله تعالى .... والاعتراض قريب من الشرك... ولما كان النور أعم من الدين والرسول لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام. والإرسال والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين (3). وهناك لطيفة نذكرها في تناسب التعبير بين الآيتين وهي: 1- أنه قال في الآية السابقة (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) وقال في هذه الآية (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) . فجعل النور بإزاء الهدى ذلك أن النور إنما هو للهدى، والخلق إنما يهتدون بالنور كما قال تعالى (وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ) - الشورى (52). وقال (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) - المائدة (15، 16). ۲- أضاف النور إلى الله في الآية السابقة فقال (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ). وأضاف الرسول إلى نفسه سبحانه في هذه الآية فقال : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ). ٣- قال في الآية السابقة (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) وقال في هذه الآية : (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ، وإتمام نوره يعني نصره وإظهاره على الدين كله. والله أعلم. قد تقول: لقد قال الله في سورة الفتح (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا) - الفتح (۲۸) ولم يقل (ولو كره المشركون) كما قال في سورتي الصف والتوبة فلم ذاك؟ والجواب أنه لم يذكر في سياق آية الفتح محادة المشركين ولا محاربتهم كما ذكر في سياق آيتي التوبة والصف. ولم يقل قبل هذه الآية (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أو نحو ذلك كما قال في سورتي التوبة والصف وإنما قال قبلها (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) - الفتح (۲۷) فلم يقتض ذلك أن يقول (ولو كره المشركون) كما قال في السورتين. لقد ذكر قبل آية الفتح الوعد بدخول المسجد الحرام آمنين - كما ذكرنا -. وهذا تم بالاتفاق بينهم وبين المشركين في صلح الحديبية فلم يقتض قول (ولو كره المشركون) من كل وجه والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 220 إلى ص 224. (1) فتح القدير 2/ 515. (2) التفسير الكبير 16/ 41. (3) التفسير الكبير 29/316 – 317.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾    [الصف   آية:١٠]
  • ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾    [الصف   آية:١١]
  • ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾    [الصف   آية:١٢]
  • ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾    [الصف   آية:١٣]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) خاطب الذين آمنوا بأسلوب التشويق قائلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ) ووصف التجارة بأنها (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) . وبدأ بالإنجاء من العذاب الأليم قبل ذكر إدخال الجنات ذلك أن النجاة من العذاب الأليم أهم فإن الإنسان إذا كان معذباً فلن يهنأ بعيش وإن كان في النعيم. وقد يتمنى المرء الموت للاستراحة من العذاب فبدأ بما هو أهم. وقد سمى الله النجاة من العذاب فوزاً كما سمي دخول الجنة فوزاً. قال تعالى (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) - الأنعام (15، 16) وهذا هو الفوز الأول لأصحاب هذه التجارة. وقد أسند الفعل (أدل) إلى نفسه سبحانه وذكر المفعول به فقال (أَدُلُّكُمْ) . وإسناد الفعل إلى نفسه وذكر المفعول به يدلان على الاهتمام بأمر المؤمنين ومحبة الله لهم. فإن الذي يدل شخصاً على ما ينفعه إنما هو محب له ويطلب له الخير فهو لم يقل (هل أدل) بالإطلاق وإنما قال (هَلْ أَدُلُّكُمْ) بتخصيص الدلالة لهم. ولم يقل (هل تدلون) ببناء الفعل للمجهول فيكون الدال مجهولاً ولكن أسند الدلالة إلى نفسه. ثم إنه لم يقل (قل يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم) فيكون القائل والدال هو الرسول وإنما قال (يا أيها الذين هل أدلكم) فكان القائل والدال للمؤمن هو الله سبحانه. ثم إن ذكر المفعول به لفعل الإنجاء (تُنْجِيكُمْ) له دلالته في إمحاض النصح وحب الله للمؤمنين فإنه يريد أن ينجيهم من العذاب فهو لم يقل (هل أدلكم على تجارة تنجي من عذاب أليم) بل أراد نجاتهم هم. وقال (تُنْجِيكُمْ) بتخفيف الجيم ولم يقل (تنجيكم) بالتشديد للدلالة على سرعة الإنجاء وعدم التلبث والمكث في العذاب (1). وقال (مِنْ عَذَابٍ) بتنكير العذاب ولم يقل (من العذاب) ليشمل كل عذاب ولئلا يخص عذاباً معيناً. ووصفه بأنه (أليم) والعذاب الأليم قد يكون نفسياً وبدنياً وظاهراً وباطناً فشمل بذلك كل أنواع العذاب. ثم إنه أطلق العذاب ولم يقيده في الدنيا أو في الآخرة وذلك للدلالة على أن هذه التجارة تنجي من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. أما من لم ينتفع بها ولم يعمل بها فإنه سيطاله العذاب في الدنيا والآخرة. فإن من يترك الجهاد ستدوسه القوى الغاشمة وتسحقه وقد تستبيحه حتى تخرجه من داره وماله. فعبر بالآية عن كل ما يدل على تكريم المؤمنين وحب الله لهم: 1- فقد قال (هَلْ أَدُلُّكُمْ) ولم يقل (قل هل أدلكم) للدلالة على أن القائل هو الله وأن الذي عرض ذلك هو الله وليس رسوله. 2- وقال (هَلْ أَدُلُّكُمْ) بالاستفهام الدال على التشويق. 3- وقال (أَدُلُّكُمْ) بإسناد الدلالة إلى نفسه. 4- وقال (أَدُلُّكُمْ) فقيد الفعل بضمير المخاطبين ليفيد أن الدلالة مختصة بهم. 5- وقال (تُنْجِيكُمْ) بالتخفيف ولم يقل (تنجيكم) بالتشديد. 6- وقال (تُنْجِيكُمْ) فقيد الإنجاء بضمير المخاطبين للدلالة على حب الخير للمؤمنين وإمحاض النصح لهم. ۷- وقال (مِنْ عَذَابٍ) فنكر العذاب ليشمل كل أنواعه. ۸- وقال (أَلِيمٍ) ليشمل كل مؤلم منه. ۹- وأطلق العذاب ليشمل عذاب الدنيا والآخرة. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 224 إلى ص 225. (1) أنظر بلاغة الكلمة في التعبير القرآني ص 70 وما بعدها.
  • ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾    [الصف   آية:١١]
(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) فسر التجارة بما ذكر من الإيمان والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس فقال (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ولم يقل (أن تؤمنوا بالله ورسوله) وذلك لأكثر من فائدة منها أن (أن) تفيد الاستقبال فلو كان ذكرها لكان يعني أن طلب الإيمان إنما يكون في المستقبل مع أن الإيمان ينبغي أن يكون في الحال، ومنها أنه لو قال (أن تؤمنوا بالله) لكان المصدر المؤول إما أن يكون بدلاً من التجارة أو خبراً عن مبتدأ محذوف على تقدير (هي أن تؤمنوا) وعلى التقديرين يكون عدم ذكر (أن) أولى ذلك أنه إذا كان بدلاً يكون التقدير (هل أدلكم على أن تؤمنوا بالله ورسوله) على تقدير تكرار العامل أو إحلاله محل الأول. وإذا كان ذلك كذلك فلا يصح أن يقول (يغفر لكم ذنوبكم...) ... إلخ لأن الدلالة على الشيء لا تعني القيام به، فإنك إذا دللت امرءا على خير لم يفد أن صاحبك فعل ما دللته عليه وأن الدلالة على هذه التجارة لا يعني غفران الذنوب وإدخال الجنة والنصر وإنما العمل بهذه التجارة هو الذي يؤدي إلى ذلك. فقال (تُؤْمِنُونَ) وَ ( تُجَاهِدُونَ) أي تفعلون ذلك. وكذلك إذا كان التقدير خبراً عن مبتدأ محذوف أي: هي أن تؤمنوا. فذلك أيضاً لا يؤدي إلى مغفرة الذنوب وإدخال الجنة والنصر وإنما ذلك هو تفسير لما دلهم عليه فقط. فقوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ) أي تفعلون ذلك. ثم إن قوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ) من دون (أن) يفيد الطلب بمعنى آمنوا، وعدل عن الأمر الصريح إلى الخبر للدلالة على أنهم كأنهم امتثلوا لما أمرهم به فهم يفعلونه، ويدلك على أن هذا الفعل بمعنى الطلب قوله (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) بجزم (يغفر) فإنه لو لم يكن (تؤمنون) بمعنى الطلب لم ينجزم (يغفر). وقد تقول: ولكن قد تقدم الطلب وهو الاستفهام أعني قوله (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ) فجاز إجابته بالجزم. فنقول: إن المعنى يأبى ذلك، فإن الدلالة على التجارة لا تستلزم المغفرة وإدخال الجنة وإلا دخل كل الناس الجنة لأنهم دلوا على ذلك بوسيلة من الوسائل وإنما الذي يفضي إلى الجنة والنصر هو الطاعة. جاء في (الكشاف): فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت للإيذان بوجوب الامتثال فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين(1). لقد فسر التجارة بأمرين وهما: الإيمان بالله ورسوله. والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وهذان الأمران ينجيان من العذاب الأليم بأنواعه في الدنيا والآخرة. أما الأول وهو الإيمان فإنه يبعث على الطمأنينة والاستقرار والأمن النفسي والرضا بقضاء الله، وظاهر أن لفظ (الإيمان) له علاقة بالأمن فالنفس المؤمنة إنما هي في أمن وسكينة. وهذا ينجي من العذاب النفسي وعذاب الباطن عموماً. وأما الآخر وهو الجهاد فهو ينجي من العذاب الظاهر كما ذكرنا فإن الشعوب التي لا تجاهد شعوب خانعة مستضعفة. فدل ذلك على أن هذه التجارة تنجي من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ) ذكر في سبيل الله لأنه الغرض من الجهاد وكل جهاد في غير سبيله فهو باطل لا يفضي إلى جنة ولا ينجي من العذاب الأليم. وقدم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) على الأموال والأنفس لأنه أهم منهما ههنا. وقد تقول: ولكنه قدم الأموال والأنفس على قوله (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في مواطن أخرى فقد قال في (الأنفال) مثلاً: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) - (۷۲) وقال في سورة الحجرات (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) - (15) فلم ذاك؟ والجواب أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق، فقد يقتضي السياق تقديم كلمة في موضع ويقتضي تأخيرها في موضع آخر. فإذا كان السياق في حب المال وجمعه مثلاً قدم المال وإذا كان السياق في القتال والجهاد قدم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أو لغير ذلك من مقتضيات التقديم والتأخير. ففي سورة الأنفال مثلاً قدم المال لأنه. تقدم ذكر المال والغداء والغنيمة من مثل قوله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) - الأنفال (67) وهو المال الذي فدى الأسرى به أنفسهم، وقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم) - الأنفال (68) أي من الفداء. وقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ) - الأنفال (69) وغير ذلك فقدم المال ههنا. لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به (2). وكذلك التقديم والتأخير في سورتي الصف والحجرات فإن السياق في كل منهما يقتضي تقديم ما قدم ذلك أن الكلام في الحجرات على المؤمنين وصفتهم فقدم ما يتعلق بهم وهو أموالهم وأنفسهم، وإن الكلام في آية الصف على التجارة التي تنجي من عذاب أليم فقدم ما يتعلق بها وهو (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هذا إضافة إلى أنه تقدم ذكر القتال في سبيله في أول السورة وهو قوله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ، وإن جو السورة يشيع فيه ذكر القتال فاقتضى ذلك تقديم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) به على الأموال، والله أعلم. (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس خير من إيثار الراحة والقعود. صحيح أن القتال مكره إلى النفوس مبغض إليها كما قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) - البقرة (216). ولكن في هذا المكروه خيراً كثيرًا فإن الأمة المجاهدة القوية تحمي نفسها وحقها بخلاف الأمة القاعدة الخانعة فإنها تستعبد لكل غاز. وقال (ذَٰلِكُمْ) ولم يقل (ذلك) لأنه أراد أن الخير للأمة جميعها وليس لفرد أو فئة وعلى سبيل الدوام وليس لوقت محدود. وقد تقول: ولكن الله خاطب المؤمنين في موضع آخر وأشار بـ (ذلك) لا بـ (ذلكم). فقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) - المجادلة (۱۲) فما الفرق؟ والجواب أن الفرق ظاهر. فإن المخاطبين بآية الجهاد هم عموم المؤمنين إلى يوم القيامة بخلاف آية تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول. هذا إضافة إلى أن آية الجهاد أعم حتى في زمن الرسول. فإن الجهاد يشمل الغني والفقير. فقد يجاهد الشخص بماله ونفسه، وقد يجاهد بماله فقط وقد يجاهد بنفسه على حسب استطاعته كما قال تعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) - التوبة (41) بخلاف آية الصدقة فإنها تخص الأغنياء الذين يناجون الرسول خاصة. هذا إضافة إلى أن آية تقديم الصدقة هذه نسخت بعد ذلك بمدة وجيزة وانتهى حكمها فقد قال تعالى بعد هذه الآية: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) - (۱۳). أما آية الجهاد فهي آية محكمة سار حكمها إلى يوم الدين فكان ما جاء فيها أهم وأعم وأشمل. والله أعلم. إن ذكر آية الجهاد هذه بعد قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) يدل على أن إظهار الله لدينه إنما يكون بالجهاد لا بكونه هدى ودين الحق فحسب فإن ذلك وحده لا يظهر عقيدة أو فكرة بل لا بد لها من حملة يجاهدون في سبيلها. وقد وعد الله بأنه سيظهر دينه على الدين كله ومعنى ذلك أنه علم أن هذه الأمة ستجاهد في سبيله حتى يظهر الله دينه. وقد تقول: ولكن الله قال في سورة التوبة ذلك ولم يعقب الآية بالجهاد فكيف يصح استدلالك هذا؟ فنقول: كيف يصح هذا القول وسورة التوبة مشحونة بذكر الجهاد والقتال من أولها إلى آخرها؟ فقد تقدم الآية ذكر غزوة حنين. وقال بعدها (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) - (۲۹). وقال بعدها (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ۚ - (36): وقال بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ (۳۸) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ (۳۹) )إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ (40) ا نْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ (41) .. إلى الآية 52. وذكر بعد ذلك ما يتعلق بالجهاد والقتال أيضاً إلى أواخر السورة فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ) (۱۲۳). فالسورة من أولها إلى آخرها تكاد تكون في الجهاد فاتضح ما قلناه. والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 225 إلى ص 229. (1) الكشاف 4/100. (2) التعبير القرآني 67 – 68، وأنظر البرهان للكرماني 203. درة التنزيل 189 – 190.**
  • ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾    [الصف   آية:١٢]
(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) قال (يَغْفِرْ) بالجزم وذلك يدل على أن قوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) طلب وليس إخباراً، وقال (ذُنُوبَكُمْ) ولم يقل (من ذنوبكم) ليدل على أنه بذلك يغفر الذنوب كلها لا بعضها. ثم قال (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وتلك عاقبة من يغفر ذنبه. (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) فوصف المساكن بأنها طيبة وإنما خصت المساكن بالذكر لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم فوعدوا على تلك المفارقة بمساكن أبدية (1). واختيار ذكر (جَنَّاتِ عَدْنٍ) ههنا له دلالته أيضا فإن معنى (عدن) الإقامة والبقاء، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، والإنسان يحب الحياة ويؤثر البقاء ويكره القتال لأنه مظنة مفارقة الحياة وما فيها فذكر له أن المجاهد إنما هو ذاهب إلى مساكن أطيب من مسكنه في دار البقاء فهو إذن يجاهد للبقاء والإقامة الطيبة. فاختيار ذكر المساكن وجنات عدن ههنا اختيار له دلالته. والقرآن يختار بدقة ما يقتضيه المقام والسياق. ونحو هذا الاختيار ما ورد في قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) التوبة (۲۰- ۲۲). فذكر أن لهم جنات فيها نعيم مقيم. واختيار النعيم المقيم له دلالته ههنا وذلك أن هؤلاء لما هاجروا وتركوا مساكنهم جزاهم الإقامة في النعيم فإن المهاجر لابد له أن يقيم ويستريح فجعل ذلك في النعيم المقيم. (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وهذا هو الفوز الثاني. والفوز الأول هو النجاة من النار. وقال (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ) ولم يقل (ذلك فوز) للدلالة على قصر الفوز عليه وأن كل ما عداه ليس بفوز. ووصفه بـ (الْعَظِيمُ) للدلالة على عظمة الفوز. قد تقول: لقد قال ههنا (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . وقال في سورة التوبة في آية شبيهة بها (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فأكد القصر بضمير الفصل وذلك في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) - التوبة (۱۱۱) فما الفرق؟ والجواب أن النظر في النصين يوضح الفرق وسبب التعبير بكل منهما: 1- لقد قال في آية الصف (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقال في آية التوبة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فوصفهم بأنهم مؤمنون ولم يطلب منهم الإيمان ويندبهم إليه. وذكر ذلك بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت. ۲- وقال في آية الصف (تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ) وقال في التوبة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) . فلم يبق لهم مال ولا نفس فقد اشتراها الله منهم. أما المذكورون في آية الصف فهم يجاهدون بها فلا تزال أموالهم وأنفسهم لهم فلم يذكر أنهم باعوها له. ۳- ذكر في آية الصف أنهم يجاهدون في سبيل الله، وقال في آية التوبة (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والمقاتلة مظنة القتل أما الجهاد فهو عام ومنه القتال. وقوله (يُقَاتِلُونَ) مناسب لاشتراء الأنفس. 4- وذكر في التوبة أنهم يقتلون ويقتلون. ولم يذكر مثل ذلك في آية الصف. فكانت التضحية في التوبة أعلى مما في الصف. والفوز إنما يكون على قدر التضحية، فلما زادوا في التضحية زاد لهم في الفوز وأكده. والله أعلم. ثم إنه قدم في صفقة الشراء الأنفس على الأموال وذلك لأن الأنفس أغلى وأهم من المال فباعوا أنفسهم أولاً وهي أثمن شيء ثم أتبعوها المال. وما قيمة المال إذا فقد المرء نفسه وماذا يعمل به؟ فاقتضى كل تعبير ما هو في موضعه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 229 إلى ص 231. (1) التحرير والتنوير ج28/195.
  • ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾    [الصف   آية:١٣]
(وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي ونعمة أخرى محبوبة عندكم وهي النصر من الله والفتح القريب، ومعنى ذلك أن النصر لا يأتي من دون جهاد. وقوله (تُحِبُّونَهَا) له دلالته الخاصة في السورة ذلك أنه قال في أول السورة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ) فكأنه قال: افعلوا ما يحبه الله يعطكم ما تحبون. وهو النصر والفتح القريب. ولقوله (تُحِبُّونَهَا) دلالة أخرى ذلك أنه لم يقل (هل أدلكم على تجارة تحبونها). فإن في بعض تلك التجارة كرهاً وهو القتال فكأنه قال: أطيعوا الله بما يحب وتكرهون يعطكم ما تحبون. ثم إنه قال( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) ، ليدل على أن النصر إنما هو من الله وليس بجهادكم وعدتكم كما قال تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) - آل عمران (126) ووعدهم إن فعلوا ذلك بأمرين محبوبين: النصر والفتح القريب. ثم قال (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) للدلالة على أن ذلك كائن وحاصل. لقد أمر الله رسوله أن يبشر المؤمنين بالنصر والفتح القريب ولم يجعل البشارة داخلة في جواب الشرط أو الطلب وإنما هي أمر بالتبليغ لما هو حاصل قطعاً. ومعلوم أن البشارة لا تكون إلا لما هو حاصل قطعاً. وقد حصل ما بشر به فدل ذلك على صدقه (صلى الله عليه وسلم). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 231.
إظهار النتائج من 8081 إلى 8090 من إجمالي 12325 نتيجة.