برنامج لمسات بيانية
* بالنسبة لوصول الرسل إلى قوم لوط مرة يقال (وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ (78) هود) ومرة (وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) الحجر) فما الفرق بين إستعمال يهرعون ويستبشرون؟(د.فاضل السامرائي)
يهرعون يعني يسرعون إليه ويحثّ بعضهم بعضاً.
* هل الفعل مبني للمجهول هكذا؟
هو هذا من الأفعال نحن عندنا جملة من الأفعال تأتي بصيغة المبني للمجهول منها عُني بالمسألة وليس عَني، عُني يعني إهتم أنا أُعنى بهذا الأمر. يقال اصطّفّ. زُهي عليه، أُغمي عليه، حُمّ الرجل إذا أصابته حمّى، أُولِعت بكذا، غُمّ الهلال "فإن غُمّ عليكم"، غُشي عليه. هنالك عندنا أهل اللغة جمعوا هذه الأفعال هي وردت مبنية للمجهول.
يستبشرون تستبشر بأحد ولا تذهب ولا تأتي، ليس بالضرورة. يهرعون هذا هو الفعل فيه إسراع وحثّ لكن الاستبشار فيه فقط الفرحة. حتى في الأخبار نقول هُرع إلى مكان الحادث مبني للمجهول لا نقول هَرَع .
* وإذا كان الفعل صيغته هكذا ماذا يكون ما بعده نائب فاعل؟
إختلف النحاة في هذا، قسم يقول هي نائب فاعل يعني يجريها على ما يجري عليه هذا الشيء. وقسم يقول هذه هي الصيغة الأصلية فهي فاعل. وأنا يبدو لي أنها نائب فاعل لأنها وردت في اللغة "غُشي عليه" لا يمكن أن تكون فاعل.
* لا أحد سيغشّي نفسه!
(عليه) نائب فاعل لأن نائب الفاعل يمكن أن يكون جار ومجرور أما الفاعل لا يكون جار ومجرور.
* غالباً ما يكون معها فاعل يعني يُهرعون إلى مكان الحادث؟
لا، يهرعون الواو واو الجماعة.
* حتى لو كانت مفرد يكون مستتراً أو ضمير غائب؟
نقدره حسب الجملة، لو قلت هو يُعنى بحاجتك سيكون مستتراً، أنا أُعنى بحاجتك سيكون مستتراً.
برنامج لمسات بيانية
(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
أي لا يتيسر للشمس أن تدرك القمر وليس لها القدرة على ذلك لأن لها فلكاً خاصاً لا تتعداه كما أن للقمر فلكاً خاصاً به لا يتعداه.
وقد ذهب بعضهم أن النص قد يوقع في لبس فيظن ظان أنه متناقض ذلك أن قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) معناه أن القمر سابق، وقوله (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) معناه أن النهار سابق فتكون الشمس سابقة فيكون ذلك تناقضاً.
وقد حاول المفسرون تخريج النص وتفسيره بما يدفع التناقض المظنون(1).
وقد أوضح ذلك ربنا بما يدفع هذا الظن بقوله (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
فكل من الشمس والقمر له فلكه فهماً ليسا في سباق فليس القمر أمام الشمس ولا الشمس وراءه. وهذان الجرمان نظيرا شخصين أحدهما في أمريكا والآخر في العراق وكل منهما يدور في دائرة لا يتعداها وكل دائرة تختلف عن الأخرى سعة ووضعاً فليس أحدهما يدرك الآخر ولا أحدهما سابقاً لصاحبه، وأن ما بين الشمس والقمر أبعد من هذا بكثير.
هذا علاوة على أن هذا التعبير يعبر عن حقيقة علمية ثابتة ذلك أنه في كل لحظة تشرق الشمس على مكان وتغرب من مكان فالذي تشرق الشمس عليه يكون نهاراً والذي تغرب منه يكون ليلاً. فالليل أمامه نهار يأتي عليه في كل لحظة وخلفه نهار يأتي عليه، وكذلك النهار. فالليل ليس سابقاً للنهار لأن أمامه نهاراً.
فقوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)) قد يفهم منه أن الليل سابق النهار فصحح ربنا هذا الفهم قائلاً (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أي ليس معنى هذا أن الليل سابق النهار.
فتبارك الله العزيز العليم قائل هذا الكلام.
وبهذا يسقط السؤال عن سر التعبير بالفعل في قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ )فقال ( تُدْرِكَ) وبالاسم في قوله (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ). فقال (سَابِقُ )ولم يجعلهما على نسق واحد. ذلك أنك قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) قد يفهم منه أن الليل سابق فقال (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) فردّ هذا التصور وهو أعدل التعبيرات وأبلغها.
وفي تقديم الشمس على الفعل وتقديم حرف النفي عليها بحث. فإن الأصل في نحو هذا أن يقال (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) ولكنه عدل عن ذلك إلى ما قاله لأكثر من سبب.
1- منها أن (لَا) إذا دخلت على اسم معرفة فإنه يراد بها نفي أكثر من أمر فتكرر وجوباً بخلاف ما إذا دخلت على فعل مضارع فإنها ليست كذلك. وههنا أراد أن ينفي أمرين فقدم الاسم المعرفة ليؤذن بأنه يريد نفي أكثر من مسألة فقال (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فأراد أن ينفي إدراك الشمس للقمر وسبق الليل النهار. وهذا نظير قوله تعالى (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.)
فجاء بجملتين متعاطفتين كلتاهما اسمية فعطف جملة اسمية على اسمية وهما قوله (الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا) وقوله (اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) وتوافق الجملتين في نحو هذا أولى وهو نظير قولنا (لا محمد رجع ولا خالد سافر) وهو أولى من قولك (لا رجع محمد ولا خالد مسافر).
2- قد يفيد الاسم على الفعل في حيز النفي نفي الفعل عن المذكور وإثباته لغيره نحو (ما أنا قلت هذا) و (ما محمد فعل ذلك) أي لم أقل أنا هذا وإنما قاله غيري ولم يفعله محمد وإنما فعله غيره فعلى هذا المعنى يفيد التعبير نفي القدرة عن الشمس لإدراك القمر وإثباتها لغيرها أي يستطيع ذلك غيرها وهو الله العزيز الحكيم فينفي بذلك عنها القدرة والاختيار. جاء في (تفسير البيضاوي): "وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد لها"(2).
وجاء في (روح المعاني):"وجوز أن يكون ذلك (يعني تقديم حرف النفي على الشمس) لإفادة كونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها من حيث تقديم المسند إليه على الفعل وجعله بعد حرف النفي نحو (ما أنا قلت هذا، وما زيد سعى في حاجتك) يفيد التخصيص أي ما أنا قلت هذا بل غيري وما زيد سعى في حاجتك بل غيره على ما حققه علماء البلاغة. والمقصود من نفي تسهل إدراك القمر في سلطانه عن الشمس نفى أن يتسهل لها أن تطمس نوره وتذهب سلطانه.
ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهاب السلطان فيكون المعنى بناء على قاعدة التقديم أن الشمس لا تقدر على ذلك بل غيرها يقدر عليه وهو الله عز وجل وهذا بعد إثبات الجريان لها بتقدير العزيز العليم مشعر بكونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها"(3).
3- ويصح أن يكون هذا التعبير أيضاً لمجرد نفي الفعل عن الاسم من غير إرادة إثباته إلى جهة أخرى مغايرة ولا تخصيصه به وذلك نظير قولنا لمن قال:
ماذا يفعل محمد وخالد؟ (محمد يقرأ وخالد نائم). فيقول آخر (لا محمد يقرأ ولا خالد نائم). فهذا يفيد نفي القراءة عن محمد لكنه لم يثبت لزوماً أن شخصاً آخر يقرأ. ونظير هذا أن تقول (لا أبي ساعدني ولا أخي أعانني) فهذا يفيد نفي الفعل عن جهتين ولكن لا يفيد إثبات ذلك لغيرهما لزوماً.
وهذا قد يكون من هذا الباب.
4- إن هذا التقديم قد يكون لغرض العناية والاهتمام ذلك أنه جرى ذكر للشمس والقمر قبل هذه الآية فقد قال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) وقال (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) فناسب تقديم الشمس للإسناد إليها لأن السياق في الكلام على الليل والنهار والشمس والقمر.
5- إن هذا التعبير ربط الكلام بما قبله ولو قال (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر...) لم يرتبط الكلام فإنه لو قال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا .... وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) لوجدت الكلام مقطعاً غير متصل بخلاف قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا...).
(وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
التنوين في (كُلٌّ) يفيد العموم أي كل الأجرام تسبح فدخل فيها الشمس والقمر.
ولو أضاف أو بيّن بمن قال (وكل منهما) لتخصص الكلام بهما. فقطعُ (كُلٌّ) عن الإضافة وسع المعنى ودخل في الحكم ما لم يجر له ذكر من الأجرام. ثم إن إسناد السباحة إلى الجمع أفاد أن المقصود عموم الأجرام السماوية وأنها كلها لها أفلاك لا تتعداها، تسبح فيها وإن ذلك تقدير العزيز العليم. فنفى عنها كلها الإرادة والاختيار وبذلك نفى أن يكون منها ما يستحق أن يعبد كما يفعل قسم من الناس. فنفى بهذا القطع عن الإضافة وإسناد السباحة إلى الجمع القدرة والاختيار عنها جميعها وأثبت أنها كلها مسخرة سخرها ربها وخالقها. جاء في (تفسير البيضاوي): "(وَكُلٌّ): وكلهم والتنوين عوض المضاف إليه والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعدداً ما في الذات أو للكواكب فإن ذكرهما مشعر بها؟ (4).
وجاء في (التفسير الكبير): "فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟
فنقول: نعم وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه: فإذا قال: (كلُّ هذا) يدخل في الفهم عموم أكثر من العموم عند الإضافة...
إذا كان (كُلٌّ) بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال (يَسْبَحُونَ)؟
نقول: الجواب عنه من وجوه:
(أحدهما) ما بينا أن قوله (كُلٌّ) للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب سيار...
(وثالثهما) لما قال (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) والمراد ما في الليل من الكواكب قال (يَسْبَحُونَ)"(5).
وإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء وهو الواو لتنزيل الأجرام منزلة العاقل من جهة أنه ذكر أنها تسبح والسباحة من فعل ذوي العقول كما في قوله تعالى في حق الأصنام (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) وقوله سبحانه (أَلَا تَأْكُلُونَ)"(6).
ومن جهة أنها تسبح في فلك خاص لا تتعداه كأنها شخص عاقل ملتزم بما حُدّ له فهو لا يتعدى حدوده فلا يشذ ولا يخرج عن مداره ولا يبغي بعضه على بعض بل إن كلاً منها يعرف مكانه وفلكه وحدوده فهذا يشعر كأن الأجرام عاقلة ملتزمة وليست كالإبل الهائجة المطلقة من عقالها تشرد وتهيم كما يحلو لها.
فإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء كأن فيه إشعاراً بالأمان للناس مما فوقهم فلا ترجمهم ولا تنقضّ عليهم فتهلكهم.
وفي الآية إشارة إلى أن حركة الكواكب والأجرام دائرية أي هي تدور في مسار لها محدد وليست منطلقة في الفضاء على غير هدى. جاء في (لسان العرب): "الفلك مدار النجوم والجمع أفلاك...
الفراء: الفلك استدارة السماء... والفلك قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها"(7).
ثم إن اختيار لفظ السباحة أنسب شيء للتعبير عن حركة الأجرام. وقد اختار علماء العصر الحديث هذا اللفظ للتعبير عن الحركة في الفضاء لأنهم وجدوه أنسب لفظ التعبير عنها.
برنامج لمسات بيانية
(وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)
( وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)
إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ذكر سباحة الفُلك وجريها فيه(1).
إن كلمة (الْفُلْكِ) تكون مفرداً وجمعاً فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضاً بلفظ واحد.
وقد اختلف في (الْفُلْكِ) الوارد في الآية فقيل هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة. والذرية هم الأولاد فامتنّ عليهم بحمل أولادهم في البحار. ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيراً ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة فقد قال زكريا عليه السلام (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)- آل عمران (38). ويدعون لذرياتهم بالخير فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) - الفرقان (74). وقال إبراهيم عليه السلام ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )- البقرة (128).
فهو إشارة إلى أن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم- أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال.
وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية الأبناء.
قيل: والمعنى أنه لما حمل آبائهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل(2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية. جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل الفلك المشحون سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح"(3).
وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب أن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم. وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه في الامتنان حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهراً حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكرُ الذرية يدل على بقاء النسل وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظ قليل على معنى كثير"(4).
وليس في كون (الْفُلْكِ) سفينة نوح استشكال فإنه سبحانه قال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) - الحاقة (11) فذكر أن حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آبائهم فصح أن يقول (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعاً ذرية المحمولين في السفينة.
وهذا الخطاب أعني قوله تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) يصح أن يكون خطاباً للبشر على مدى الزمان وأن يكون ذلك آية من آيات نعمه تعالى على خلقه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة مع أن المعنىّ هم الذرية. فجعل الآباء والذرية شيئاً واحداً.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه منّ عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم. ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة. وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء.
ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد كما يقال مقدم على جلب المنافع. فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم ومع الأبناء جلب المنفعة لهم. فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم.
ولما ذكر طغيان الماء ووصف الفلك بأنها جارية أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون أي ممتلئ ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة.
فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن فكان كل تعبير أنسب في مكانه جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) منّ عليهم بحمل ذريتهم.
وقال تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) منّ هناك عليهم بحمل أنفسهم.
نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه. مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه. وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر. ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم.
وههنا أراد بيان المنافع فقال (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) لأن النفع بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة. وأما دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة. فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن"(5).
وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا أي في آية يس هذه ولم يذكر حملهم هم؟
فنقول: أن ذلك لأمور منها:
1- أنه لما قال قبل هذه الآية (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) ناسب ذكر الذرية لأن الذرية إنما تكون في الأزواج.
2- ولما ذكر صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضاً.
3- ثم إن ذلك من قبيل المنّ عليهم فهو أخبرهم ضمناً أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقي ذريتهم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ) وقال (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ)ولم يقل (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله"(6).
ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود هو الحمل فيه فذكر ما به مناط النعمة والمِنة.
وبعد أن منّ عليهم بجمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.)
وقوله (مِنْ مِثْلِهِ) يعني من مثلك الفلك.
و (مَا يَرْكَبُونَ) فيه وجهان.
الأول أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق(7).
والآخر أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها.
والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر فمنّ عليهم بمن يركبونه عموماً مما سخره لهم ربنا سبحانه.
فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض ونعمة الطعام ونعمة النهار والليل وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر.
وقولهم (لَهُمْ) يدل على تمام نعمته عليهم ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم.
كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم.
برنامج لمسات بيانية
(وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ)
الصريخ: المغيث:
هددهم بالإغراق فلا ينقذهم أحد كما فعل مع المغرقين من قوم نوح. وفي هذا تهديد لهم من جهة أخرى ذلك أن قوم نوح كذبوا رسولهم فأغرقهم وهؤلاء كذبوا رسولهم فإن شاء ربهم أغرقهم.
وقد تقول: كيف يصح التهديد بالإغراق وهو لم يذكر حملهم في الفلك وإنما ذكر حمل ذريتهم (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)؟
فالتهديد بالإغراق يصح أن يكون لذريتهم لا لهم.
والجواب أنه لما قال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) فذكر ما يركبونه من مثل الفلك صح أن يكون التهديد لهم.
وقد تقول: ولم قال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل (فلا مغيث لهم)؟
فنقول: إن ذلك لأكثر من وجه.
منها أن الصريخ يجمع عدة معان منها المغيث ومنهل المستغيث.
والصريخ أيضاً صوت المستصرخ(1).
فنقول (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) جمع عدة معان وقد يحتمل ههنا هذه المعاني كلها.
وقد تقول: كيف يحتمل في الآية نفي المغيث والمستغيث ولا شك أنهم مستغيثون؟
فنقول ليس المعنى على ما ظننت، فإنه لم يقل (فلا صريخ منهم) وإنما قال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) أي لا مستغيث لهم بمعنى لم يستغث لهم أحد. وعلى هذا يكون المعنى أنه إن شاء أغرقهم فلا يستغيث لهم أحد ولا مغيث لهم، فلا يكون ثمة من يطلب العون لهم ولا من يعين فنفى المغيث والمستغيث لهم. وهكذا يأخذهم البحر فلا تنجو جثتهم أيضاً بل تذهب في البحر.
والصريخ أيضاً صوت المستصرخ. وعلى هذا يكون المعنى أنهم لا يمكنهم الصراخ وطلب العون لأن الماء يلجم أفواههم فلا يتمكنون من طلب الاستغاثة.
وبهذا نفى المغيث والمستغيث لهم ونفى إمكان رفع الصوت لطلب الاستغاثة فيغرقون في صمت رهيب ووحدة مرعبة.
واختار لفظ الصريخ على المغيث أيضاً لأن الصريخ من الصراخ، والصرخة هي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة(2).
والصريخ والمُصرخ بمعنى واحد فإن المُصرخ هو الذي يزيل الصراخ بإغاثة صاحبه. والذي يشرف على الغرق يصرخ بأعلى صوته طالباً النجدة ليسمعه من يغيثه وينجيه. فلا يكون الصريخ إلا إذا كان صراخ. أما المغيث فيكون لمن يطلب الغوث سواء كان عن طريق الصرخة أم كان عن طريق ذكر الحاجة الشديدة. فقد يذهب شخص إلى آخر فيقول له: أغثني يا فلان فإني في ورطة، وليس من الضروري أن يرفع صوته عالياً بالصراخ. أما الصريخ فيكون مع الصراخ.
فكان ذكر الصريخ أنسب.
وقال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل (فلا مصرخ لهم) للسبب نفسه فإن الصريخ يجمع عدة معان بخلاف المصرخ فإنه المعين والمغيث فقط.
ثم قال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) أي لا ينقذهم شيء سواء كان عن طريق الصريخ أم عن غيره. فقد لا يكون مغيث ينقذ من يشرف على الغرق ولكن قد ينقذ بطريق آخر مما يتهيأ من سبل النجاة على خشبة فهذا إنقاذ عن غير طريق الصريخ فنفى ذلك أيضاً. فانتفت نجاتهم بكل سبيل.
ولم يكتف بقوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) لئلا يظن أنهم قد ينقذون من غير صريخ.
جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن قوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) أي لا مغيث لهؤلاء الذين شاء الله إغراقهم. ولا هم ينقذون أي ينجون من الموت بالغرق، نفى أولاً الصريخ وهو خاص ثم نفى ثانياً إنقاذهم بصريخ أو غيره"(3).
وقال َ(لَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) ولم يقل (فلا صريخ لهم ولا منقذ) ذلك أنه نفى إنقاذهم عن أي طريق سواء كان عن طريق المنقذين أم عن غير هذا الطريق فقد يتعلق الشخص بحبل أو يتمسك بخشبة أو يلقيه الموج بالساحل أو أي وسيلة أخرى مما يهيئه الله سبحانه، فهذه نجاة عن غير طريق المنقذين. فنفى ذلك أيضاً عنهم.
فقال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) أي بأية وسيلة أو سبيل. وهو أعم من قولنا (ولا منقذ).
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله تعالى (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال: لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد الوقوع فيه. وهذا مثل قوله تعالى (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) . فقوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال (لَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل: ولا منقذ لهم وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه. وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال: لا صريخ لهم. وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضرّ يشرع في الإنقاذ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل الجهود فقال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) ولم يقل: ولا منقذ لهم"(4).
برنامج لمسات بيانية
(إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)
أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل. فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله بهم.
والتعبير يحتمل معنيين:
الأول أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين.
والمعنى الآخر أن إنقاذهم على نوعين: إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع.
وذلك أن قسماً من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى.
والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعاً إلى حين.
والقسمان نالتهم رحمه الله والمتاع إلى حين.
فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم.
والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق.
وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه.
وقال (رَحْمَةً مِنَّا) ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم، وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم. فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) "وهو يفيد أمرين:
أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع. أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن زماناً ويزداد إثماً.
وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين. ثم يميته فالزوال لازم أن يقع" (1).
وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعاً إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم وذلك نحو قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) هود (9).
وقوله (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) الشورى (48).
وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟
فنقول: ههنا سؤالان.
السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس؟
والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟
أما الجواب عن السؤال الأول فقال: أنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس لأن المعنى سيختل ذلك أنه لو قال (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعاً إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزاً عن إغراقهم تعالى عن ذلك لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية.
أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام.
فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود (9 ،10).
وقال في الشورى (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) .
في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ ٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (49 – 51).
ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى فإنه في هود والشورى لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.وأما في الشورى: فإنه لم يزد على أن قال (فرح بها).
وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت).
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) - (2) 8) بتقديم الرحمة على الجار والمجرور.
وقوله في السورة نفسها (وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) هود (63) بتقديم الجار والمجرور على الرحمة.
ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ…ا) لخ (25 – 28).
وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ... ) الخ (61 – 63).
فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفهما أكثر فقد قال (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) .
وليس الأمر كذلك في قصة صالح فقد قال( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) .
فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة وإنما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ).
وقال في قصة نوح (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) فقال في قصة صالح:
1- اعْبُدُوا اللَّهَ.
2- مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
3- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
4- وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.
5- فَاسْتَغْفِرُوهُ.
6- ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ.
7- إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
ولم يزد في قصة نوح على أن قال أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ.
فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً دون قصة نوح.
فناسب التقديم والتأخير من جهتين:
1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها.
2- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة.
وقد تقول: لقد قال في آية يس (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا) وفي مواطن من القرآن الكريم قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) فهل من فرق بين التعبيرين؟
فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) أخص من قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) ذلك أن قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فقد قال تعالى (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) وقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فصلت (50).
أما قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) فهي رحمة خاصة بالمؤمن ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين.
قال تعالى على لسان سيدنا نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود (28).
وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) الكهف65.
وقال في سيدنا أيوب عليه السلام (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء 84.
ونظير هذا قوله (نعمة منا) و(نعمة من عندنا) فإن قوله (نعمة منا) فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر 49.
وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر 8.
فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية.
أما قوله (نعمة من عندنا) فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) – القمر 34،35 وهذا نظير قوله (رحمة منا) و(رحمة من عندنا).
وقد تقول ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )84.
وقوله فيه في سورة (ص) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - 43.
فما الفرق؟
فنقول إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين.
قال تعالى في سورة (ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )41-44.
وقال في سورة الأنبياء ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) 83-84.
ومن النظر في النصين يتضح الفرق:
1- فقد قال في سورة (ص) (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فذكر مس الشيطان له، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس وفسره بعضهم بانه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها، جاء في (الكشاف): "ولما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبة إليه" (2).
أما في سورة الأنبياء فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فذكر في (ص) ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر (رحمة منا) في (ص) و(رحمة من عندنا) في الأنبياء.
2- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يذكر مثل ذلك في (ص).
3- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحاً ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمناً، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص) فناسب كل تعبير موطنه.
ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضاً:
فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافاً للأولى فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به، وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وغفر الله له ذلك.
وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسداً ثم أناب.
وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب.
فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ولم يذكر إنه فتنهما وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما.
وذكر أيوب ولم يذكر إنه مسه الشيطان وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله (رحمة من عندنا) في سورة الأنبياء دون سورة (ص) والله أعلم.
ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية آخري
فقد قال في (الأنبياء): (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ).
وقال في (ص): (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وإليك الفرق بينهما:
في الأنبياء في (ص)
فاستجبنا له --
فكشفنا ما به من ضر --
أتيناه أهله وهبنا له أهله
رحمة من عندنا رحمة منا
وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب
ونود أن نذكر ما يأتي تعقيباً على النصين:
1- إن قوله (أتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله (آتيناه حكماً وعلماً) وقوله (آتينا ثمود الناقة مبصرة) وقوله (آتيناهم الكتاب) مما لا تصح الهبة في نحوه.
2- إن قوله (رحمة من عندنا) يشمل (رحمة منا) وزيادة، إذ الرحمة في قوله (منا)عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم، أما قوله (رحمة من عندنا) فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة فهي إذن تشمل قوله (رحمة منا) مع زيادة في الرحمة.
3- وقوله (للعابدين) يشمل أولى الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة
فكان قوله (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة.
1- وزاد على ذلك قوله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ.
وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه.
هذا علاوة على إنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء.
فقد قال في (ص) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) - 9، وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ-) 30 وقال (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) 35- وقال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) 43.
وقال في (الأنبياء): (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً )(48) وقال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) 51 وقال (وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) 73 وقال (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) 74 وقال (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) 79 وقال 0وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) 84 فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص) و(آتينا) ما في الأنبياء من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين.
ثم من ناحية آخري إن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص) بل لم يرد لقط (العابدين) في (ص).
فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات في حين ورد في (ص) خمس مرات.
قال تعالى في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 19) وقال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( 25) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26) وقال (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53) وقال ( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) (66) وقال (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (67) وقال: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73) وقال (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )(84) وقال (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ 92) وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106).
وقال في (ص): (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ 17) وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) (30) وقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) 41 وقال (نِعْمَ الْعَبْدُ 44) وقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..)(45).
فناسب قوله (وذكرى للعابدين) ما في الأنبياء، وقوله (وذكرا لأولى الألباب) ما في (ص).
ومما زاده حسناُ أنه قال في (ص) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( 29) فناسب قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) .
وأنه قال في (الأنبياء) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73).
وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106).
فناسب ذلك قوله (وآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص) وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام.
فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم.
برنامج لمسات بيانية
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
أي إذا قيل لهم احدروا ما تقدم من موجبات العذاب وما يأتيا فيما بعد أعرضوا، وقيل في معنى قوله (ما بين أيديكم وما خلفكم) وجوه منها:
أن قوله (ما بين أيديكم) يعني ما مضى من الذنوب و(ما خلفكم) ما بقي منها" (1)، أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر.
وقي (ما بين أيديكم) الوقائع التي خلت من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها.
و(ما خلفكم) من أمر الساعة (2) وعذاب الآخرة (3).
وقيل (ما بين أيديكم) أي ما بين أيديكم من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم وما خلفكم منها، وقيل (ما بين أيديكم ما ظهر لكم و(ما خلفكم) ما خفي عنكم (4)
وقيل (ما بين أيديكم) من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) و(ما خلفكم) من الموت الطالب لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم معه يدل عليه قوله تعالى (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) 5).
وقيل (ما بين أيديكم) الآخرة فإنهم مستقبلون لها و(ما خلفكم) الدنيا فإنهم تاركون لها (6)
هذه أشهر الأقوال التي قيلت فيها، ويمكن تلخيصها بما يأتي:
ما بين أيديكم:
1- ما مضى من الذنوب وما تقدم منها.
2- الوقائع التي أوقعها الله بالأمم السالفة المكذبة.
3- الآفات والنوازل المحيطة بكم وأنواع العذاب مثل الغرق والحرق.
4- ما ظهر لكم.
5- الآخرة.
ما خلفكم
1- ما تأخر من الذنوب أو ما بقى منها .
2- أمر الساعة وعذاب الآخرة.
3- النوازل والآفات التي تنزل فيما بعد.
4- الموت الطالب لكم.
5- ما خفي عنكم.
6- الدنيا.
وأكثر الأقوال على أن (ما بين أيديكم) يعنى ما تقدم من هذه الأمور و(ما خلفكم) يعنى ما يأتي منها فيما بعد غير أنه نسب إلى مجاهد القول بعكس ذلك، وهو أن (ما بين أيديكم) يعني الآخرة وعذابها، و(ما خلفكم) يعنى الدنيا وما فيها.
وعلى أية حال فإن قوله (ما بين أيديكم وما خلفكم) يشمل ما ينبغي أن يتقي من أمور الدنيا والآخرة على قول مجاهد أو غيره، غير أن الاستعمال القرآني يؤيد ما ذهب إليه القائلون إن (ما بين أيديكم) يعنى ما تقدم من الأمور المذكورة أو ما هو واقع فعلاً في حين الإخبار، و(ما خلفكم) يعني ما لم يأت بعد وهو المستقبل.
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )– المائدة48 أي مصدقاً لما تقدمه من الكتاب.
وقال: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ) – المائدة 46
وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ) آل عمران 3،4.
أى ما تقدمه من الكتب
فجعل (ما بين يديه) لما تقدم.
وقال: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) – البقرة 66
قيل "أي لمعاصريهم ومن خلفهم... وقيل أيضاً أي لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها" (7) وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) آل عمران 169 - 170.
فاستعمل (من خلفهم) للذين يأتون بعدهم.
وقال: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) النساء9.
وقال: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) الأنفال 57.
فاستعمل (من خلفهم) لمن يكون بعدهم أي لمن يأتي في المستقبل.
ونحو هذا استعمال (من وراء) فقد يستعمل لما يكون بعد أي في المستقبل، قال تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ) – مريم5 أي بعد وفاتي.
وقال تعالى في زوج إبراهيم عليه السلام (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) هود 71. أي من بعد إسحاق يعقوب.
ومن هذا يترجح إنه يعنى بقوله (اتقوا ما بين أيديكم) أي ما تقدم مما ينبغي أن يتقي أو ما هم يفعلونه في الحال، ويعنى بقوله (ما خلفكم) ما ينبغي أن يتقي في المستقبل وأعظم ما ينبغي أن يتقي في المستقبل هو الساعة وعذاب الآخرة، ويبدو أن هذا هو أظهر ما فهموه من النص ولذا قال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي متى يقع ما تعدوننا به من أمر الساعة والآخرة؟
ويتضح مما ذكرت إنه لا يعني بقوله (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) أمراً معيناً وإنما هو عام في كل ما ينبغي أن يتقي، ما ذكر وما لم يذكر، جاء في (روح المعاني): "وحاصل الأمر على ما قيل:" اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه" (8)
وإن كان أظهر ما يدل عليه قوله (وما خلفكم) الساعة وعذاب الآخرة كما ذكرت، لقد قال (وإذا قيل لهم) فجاء بـ (إذا) ولم يأت بــ (إن) وذلك ليدل على أن هذا القول ليس أمراً افتراضيا بل هو أمر حاصل فإنه قيل لهم هذا الأمر كثيراً فإن (إذا) تستعمل في اللغة لما هو مقطوع بحصوله ولما يكثر حصوله وذلك نحو قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) التوبة 5 فإن الأشهر الحرم لابد أن تنسلخ.
وقوله (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) الجمعة 10 فإن الصلاة لابد أن تنقضي.
فهذا من القطوع بحصوله.
ومن الكثير حصوله قوله (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) النساء 86.
ولا تستعمل (إذا) لما هو أمر افتراضي محض لا يتحقق في الواقع، أما (إن) فقد تستعمل لعموم الافتراضات لما يقع ولما لا يقع ولما لا يمكن أن يقع وذلك نحو قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) القصص 72 وقوله (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) الزخرف 81
فجاء بــ (إذا) في الآية ليدل عل أن هذا القول قيل لهم كثيراً.
ومعنى هذا إنه لم ينفع معهم النصح والتبليغ على كثرتهما وتطاولهما إذ المفروض أن كثرة النصح والتبليغ تؤثر في النفوس وهؤلاء لا يؤثر فيهم النصح وإن كثر.
ولا تفيد (إن)هذا المعنى.
ومن الملاحظ أنه لم يذكر جواب الشرط في الآية ذلك لأنه معلوم مما بعده وهو قوله تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)
فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا (9)، فحذفه لدلالة ما بعده عليه.
وقد يكون الحذف إشارة إلى أمر آخر علاوة على ما ذكر وهو أنهم إذا قيل لهم ذلك لما يجيبوا لأن الكلام لا يعجبهم ولا يروق لهم فيسكتون عن الجواب كما يفعل أحدنا إذا سمع كلاماً لا يعجبه ولا يروق له فيسكت عنه ولا يجيب.
ومن الملاحظ أيضاً أن الآية بنيت على الإيجاز يدل على ذلك أنه بنى القول للمجهول فلم يذكر القائل، وبنى فعل الرحمة للمجهول لأن الراحم معلوم، وحذف جواب الشرط لأنه مدلول عليه، بما بعده كما ذكرنا.
واختار فعل الرحمة فقال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لأنه لا ينجيهم من ذلك إلا رحمة الله كما قال تعالى (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) فذكر إنهم لا ينجيهم من المكروه والمحذور إلا رحمة الله.
وقوله (اتقوا) يعنى احذروا واحفظوا أنفسكم منه ذلك أن الذي يتقى هو مخوف ومحذور، فلا تقول لأحد ما (اتق هذا) إلا إذا كان الشيء مخوفاً ومحذوراً، عليه أن يحذره ويحفظ نفسه منه، ولا يقيه من هذا المحذور إلا الاتقاء ورحمة الله.
ومعنى الاتقاء هو اتخاذ الأسباب لدفع المحذور
لقد ذكر أمرين للنجاة من المحذور:
أحدهما يتعلق بالإنسان وهو ما يتخذه من الأسباب لدفع ذلك المحذور وحفظ نفسه منه وهو الاتقاء.
والآخر متعلق بمشيئة الله تعالى ورحمته.
والتقوى مدعاة لرحمة الله تعالى.
فاتخاذ الأسباب مرجو أن يدفع الله بها المحذور ولا تدفع المحذور وحدها، إذ من المحتمل أن يقع المحذور مع اتخاذ الأسباب، فالسبيل لدفع المحذور هو اتخاذ الأسباب ورجاء رحمة الله ولذا قال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فجاء بـ (لعل) الدالة على الرجاء ولم يقل (لترحموا) لأن الاتقاء مرجو معه رحمة الله ولا يدفع المحذور وحده، ولو قال (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لترحموا) لجعل الدفع حاصلاً بالأسباب وحدها، فلذا جيء بلعل التي تفيد الترجي لكيلا يتكل الإنسان على الأسباب وينسى ربه فتكون معبودة له.
وقال (لعلكم ترحمون) ولم يقل (عسى أن ترحموا) ذلك أن قوله (لعلكم ترحمون) يفيد الحال والاستقبال فإن الفعل المضارع المجرد من حرف الاستقبال يحتمل الحال والاستقبال، أما القول (عسى أن ترحموا) فإنه يفيد الاستقبال ولا يفيد الحال لأن (أن) تصرف الفعل إلى المستقبل فتكون الرحمة في المستقبل ولا تكون في الحال في حين أن الرحمة تراد في الحال والاستقبال وفي كل الأزمان فكان ما قاله أولى.
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري: إن قوله (لعلكم ترحمون) ذكر فيه ضمير الخطاب مرتين وهما الضمير (كم) في (لعلكم) والواو في (ترحمون) في حين أن قولنا (عسى أن ترحموا) ذكر فيه ضمير الخطاب مرة واحدة فكان الإسناد في قوله تعالى (لعلكم ترحمون) أقوى وأكد لأن الإسناد تكرر، فقد أسند إليهم وقوع الرحمة بهم مرتين.
ومن ناحية ثالثة: إن قوله تعالى (لعلكم ترحمون) جملة إسمية وقولنا (عسى أن ترحموا) جملة فعلية والجملة الإسمية أقوى من الفعلية، كما هو معلوم فكان الرجاء في قوله تعالى (لعلكم ترحمون) أقوى.
ثم إنه المناسب لقوله تعالى (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) فقد أمرهم باتقاء ما تقدم وما هو حاضر وما هو آت فكان الأمر عاماً شاملاً للأزمنة كلها فكان المناسب أن تكون الرحمة عامة تشمل الأزمنة كلها حاضرها ومستقبلها فجاء بالفعل المضارع مجرداً من (أن) ليشمل ذلك كله، ولو قال (عسى أن ترحموا) لكان خاصاً بالمستقبل فناسب العام العام فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها وهو قوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) .
وقد تقول: ولكن ورد ترجى الرحمة بعسى وذلك قوله تعالى (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) الإسراء 8 فما الفرق؟
فنقول: إن كل تعبير أنسب في مكان ذلك أن قوله (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) خاص بأمر مستقبل ذلك أن الخطاب فيه موجه إلى بني إسرائيل وقد قال ذلك بعدما ذكر إنهم يفسدون في الأرض مرتين وإنهم يعلون علواً كبيراً، ثم ذكر إنهم سيلحقهم الدمار بعد المرة الثانية، وقال بعد ذلك (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) فهذا الرجاء بعد المرة الثانية (10) وهو مستقبل فناسب ذلك (عسى) فاختلف الأمران.
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن الاتقاء في آية يس أعم وأشمل وذلك أنهم أمروا باتقاء ما بين أيديهم وما خلفهم وذلك اتقاء شامل لما تقدم وما تأخر، وليس الأمر كذلك فيما ذكر عن بني إسرائيل فإنه خاص بما بعد المرة الثانية، فكان الترجي في آية يس أعم وأشمل، فناسب كل تعبير مكانه والله أعلم.
إن هذه الآية مرتبطة بكثير من آيات وأحداث في السورة.
فهي مرتبطة بقصة أصحاب القرية الذين لم يتقوا ما بين أيديهم وما خلفهم فأهلكهم الله بما قدمت أيديهم، وقصة الرجل الذي اتقى ما بين يديه وما خلفه فأدخله الله الجنة.
ومرتبطة بقوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) فقد ذكر ما قدمت أيديهم وهو قوله (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ) وذكر (ما خلفهم) وهو قوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) ومرتبطة بقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) .
فكيف يتقى ما بين يديه من كان من بين يديه سد؟ وكيف يتقي ما خلفه من كان من خلفه سد؟ كيف يتقون ما بين أيديهم وما خلفهم وقد جعل سد من بين أيديهم وسد من خلفهم، وهم علاوة على ذلك لا يبصرون؟
وهي مرتبطة بقوله (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) فهذا ما خلفهم.
ومرتبطة بقوله (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) وما بعدها.
ومرتبطة بقوله (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) وهذا كله ما لم يتقوه مما خلفهم.
ومرتبطة بقوله في آخر السورة (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .
برنامج لمسات بيانية
(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)
والمعنى أنه ما تأتيهم آية من آيات ربهم سواء كانت آية ينزل بها الوحي أم آية من آيات الله في الكون إلا كان شأنهم الإعراض عنها وعدم النظر فيها وتدبرها، فالإعراض عام يشمل الآيات اتى ينزل بها الوحي والآيات الكونية في الأرض والسماء.
وهي في دلالتها على الآيات التي ينزل بها الوحي أظهر فإن إعراضهم عنها أشد، وقوله (تأتيهم) يقوى هذا المعنى فإن هذا الفعل يستعمل بكثرة مع آيات الله المنزلة ومع الآيات التي تدل على صدق ما جاء به رسل الله والبراهين التي تؤيدهم وهي المعجزات التي يؤتيها الله رسله لتكون آية على صدقهم.
وعلى كل فالتعبير يعم الآيات كلها ويدل على إعراضهم عنها جميعاً.
أن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) فهم يشبهون من قبلهم في الإعراض عما جاءت به الرسل، ومرتبطة بما ذكر من الآيات الكونية وهو قوله (وآية لهم الأرض الميتة .. وآية لهم الليل .. وآية لهم أنا حملنا ذريتهم.. ) فهم معرضون عن الآيات كلها.
جاء في (روح المعاني): "والمراد بها أما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ آلائه تعالى الموجبة للإقبال عليها والإيمان.
وإيتاؤها نزول الوحي بها أي ما نزل الوحي بآية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء.
وأما ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفاً.
وإيتاؤها ظهورها لهم أي ما ظهرت لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدى إلى الإيمان به عز وجل" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) .
(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) يعنى إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا آتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها") (2)
وجاء في (فتح القدير): "والمعنى ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلا كانوا عنها معرضين وظاهرة يشمل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية...
والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النزر الصحيح فيها، وهذه الآية متعلقة بقوله (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا آتوا بالآية أعرضوا عنها" (3) .
ومن الملاحظ في بناء هذه الآية:
1- إنه نفي بـ(ما) ولم ينف بــ(لا)، ذلك لأنه يريد أن يبين حالتهم التي هم عليها وذلك يكون بـ(ما) لأن (ما) تفيد الحال إذا دخلت على المضارع، أما (لا) فعند الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال، والحق كما حققناه في كتابنا (معانى النحو) أنها تفيد الإطلاق وكثيراً ما يؤتى بها للاستقبال.
وهو لا يريد أن يبين حالتهم في المستقبل بل يريد ما هم عليه، فنفي لذلك بما.
2- جاء بالفعل المضارع فقال (ما تأتيهم) لأنه يريد أن يبين أن هذا شأنهم وديدنهم وليدل على الاستمرار، ولم يقل (ما أتتهم)بصيغة الماضي لأنه لا يريد أن يبين حالة ماضية فإن الماضي يفيد الانقطاع لا الاستمرار. جاء في (روح المعاني): " وما نافية وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي" (4) .
3- قال (من آية) فجاء بمن الدالة على الاستغراق وذلك ليشمل الإعراض عن جميع الآيات، ولو قال (ما تأتيهم آية) لاحتمل نفي العموم ولا احتمل نفي الوحدة أي ما تأتيهم آية واحدة إلا كانوا عنها معرضين.
4- أضاف الآيات إلى الرب المضاف إليهم ليبين أن إعراضهم هذا أسوأ إعراض فإن الآيات آيات ربهم المتفضل عليهم بالنعم فكيف يعرضون عنها؟ إذ المفروض أن يشكروا ربهم ويطيعوه لا أن يعرضوا عن آياته، فزادت هذه الإضافة إعراضهم سوءاً، جاء في (روح المعاني): "وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤا عليه في حقها" (5)
5- قال (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) ولم يقل (إلا أعرضوا عنها) فجاء باسم الفاعل (معرضين) ليدل على أن هذا وصفهم الثابت وأن هذا شأنهم ودأبهم ولم يقل (إلا أعرضوا) بالفعل الماضي فيكون الإعراض حادثاً، وجاء بــ(كان) ليدل على أن الإعراض حاصل أصلاً وهو ثابت فيهم ولم يحدث بعد مجيء الآية، فإن الآية إذا جاءت وجدتهم معرضين عنها، جاء في (روح المعاني): "وفي الكلام إشارة إلى استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات" (6)
6- قدم الجار والمجرور (عنها) على اسم الفاعل فقال (إلا كانوا عنها معرضين) ولم يقل (إلا كانوا معرضين عنها) ليدل على أن الإعراض خاص بآيات ربهم فهم لا يطيقون سماع آيات ربهم ولا مواجهة آية من آياته وهم يسمعون ما عداها من الكلام والحديث ولا يعرضون عنه، فكان التقديم للقصر إضافة إلى أن الفاصلة تقتضي هذا التقديم فكان التقديم لأمرين: القصر وفاصلة الآي.
جاء في (روح المعاني): "و(عن) متعلقة بمعرضين قدمت عليه للحصر الادعائي مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل للحصر الإضافي أي معرضين عنها لأعماهم عليه من الكفر، وقيل لرعاية الفواصل" (7).
7- قال (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) فبنى التعبير على الاستثناء المفرغ ولم يقل (إن تأتهم آية من آيات ربهم كأنواعها معرضين) ذلك لأن التعبير القرآني هذا يفيد الدوام وأن ذلك يحصل كلما جاءتهم آية من آيات ربهم، ولا يفيد تعبير الشرط ذلك نصاً، فإنك إذا قلت (إن يأتني محمد أكرمته) أفاد ذلك أنه إن جاءك أكرمته ولا يفيد إنك تكرمه كلما جاءك، فإنك إن أكرمته مرة واحدة كان كلامك صادقاً، أما قولك (ما يأتيني إلا أكرمته) فإنه يفيد أنه كلما جاءك أكرمته.
هذا علاوة على أن التعبير بالاستثناء المفرغ يصح معه زيادة (من) الاستغراقية إذا وقعت قبل (إلا) وذلك لوجود النفي أو شبهه ولا يصح ذلك في التعبير الشرطي فلا تقول (إن تأتهم من آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين).
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
التسبيح هو التنزيه فمعنى ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح وبما لا نفقه.
لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّي بنفسه ومعدّي باللام. فمما ورد معدي بنفسه قوله
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الأحزاب (41، 42) وقوله
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ- ) الطور (49).
ومما ورد معدّي باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر وقوله ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ ) الإسراء (44) وغيرها.
إن معنى (سَبِّحْهُ) نزهه – كما ذكرنا – ومعنى (سَبِّحُ لَهُ) أي فعل ذلك لأجله فاللام تفيد التعليل. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو الفعل لأجله كما تقول: صلى وصلى له ونسك ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه. فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل. قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - الأنعام 162. فمن سبح رياء فليس بمسبح لله ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصاً كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل له. جاء في (البحر المحيط): واللام في (لِلَّه) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: سبح الله كما يقال: نصحت زيدا فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول. وإما أن تكون لام التعليل أي أحدث التسبيح لأجل الله أي لوجهه خالصاً (1).
ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم أي في نحو سبح لله وسبحه أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء.
قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ) - الحديد (1) وقال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ) الإسراء (44) فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ ) - النور (41) فهنا اختلط العقلاء بغيرهم.
وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) - النور (36) وقال (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) - فصلت (38) وهذا خاص بالعقلاء.
أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الفتح (9) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (41، 42). فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها.
وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح. فقد قال الله إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض. وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة. قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) الإنسان (26) وقال (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بياناً أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات. فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعاً وأعم وأشمل.
قال تعالى مع المتعدي بنفسه (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الفتح (9) وقال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) - الأحزاب (42) في حين قال مع اللام (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ) - النور (36) فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل.
وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) - الطور (49) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ا لإنسان (26) ففي كل ذلك قال (مِنَ اللَّيْلِ) بمن التبعيضية ثم ذكر وقتاً آخر ليس طويلاً وهو (أَدْبَارَ السُّجُودِ) أو ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل في حين قال ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) - فصلت (38) فقال (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد ولم يذكر (من) الدالة على البعضية بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) للدلالة على مداومة التسبيح وطوله.
لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى فقد ورد بالفعل الماضي نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ) وورد بالمضارع نحو (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وورد بالأمر نحو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كما ورد باسم المصدر وهو (سُبْحَانَ) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها.
فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي والمضارع يستغرق الحال والاستقبال والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل. والمصدر غير مقيد بزمن أو فاعل فهو يفيد الحدث المطلق فهو يدل على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا. فاستغرق ذلك الأوقات كلها. وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن.
جاء في (التفسير الكبير): ثم إنه تعالى قال في البعض من السور (سَبَّحَ لِلَّهِ) وفي البعض (يُسَبِّحُ) وفي البعض (سبّحْ) بصيغة الأمر ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال (2).
لقد افتتحت السورة بالفعل الماضي (سَبَّحَ لِلَّهِ) شأن سور أخرى وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ.) ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجرى فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) فقد قال في سورة الحديد (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ ) – (10). وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (أنظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13).
وقال في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وذكر الجهاد بقوله ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ َ). وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سَبَّحَ) ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع.
ومن الملاحظ أيضاً أنه في قسم من الآيات يكرر (مَا) فيقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) فكرر (مَا) فقال ( وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . وحيث كرر ( مَا) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (مَا) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض وبعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمراً يتعلق بأهل الأرض فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فكان تكرار ( مَا) هو المناسب (3).
وقدم الجار والمجرور (لِلَّهِ) على الفاعل وهو (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) وذلك لأن المجرور أهم فإن السياق ليس على الفاعل وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله ولذا ذكر بعد ذلك قسماً من صفاته فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .) ثم قال بعدها (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) ذكر ما يحبه الله وما لا يحبه. فقدم ما هو أهم وأولى.
وقدم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) على (مَا فِي الْأَرْضِ) وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض فإنه لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) - البقرة (30) فقدم ما هو أسبق.
وهناك أمر آخر وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحاً. فما في السماوات أدوم تسبيحاً قال تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) - الأنبياء (20).
ولا تقل: إن (مَا) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة. فإن (مَا) كما هو معلوم تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء. كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) - الشمس
(7، 8) فاتضح ما قلناه.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
العزيز هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد. والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم. وقد يكون من الحكمة.
والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة. فقد يكون العزيز حاكماً وقد يكون غير حاكم. وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الْحَكِيمُ) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضاً ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة فقد يكون العزيز متهوراً فيكون ذلك نقصاً فيه.
والراجح أن كلا المعنيين مراد فهو حكيم من الحكم وحكيم من الحكمة فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة.
وقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) - آل عمران (26) وقال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ ) - البقرة (269).
إن قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ) يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال.
وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يدل على الروحانية وإبطال الشرك إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص. وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة.
فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس. أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة. فخضوع القهر يدل عليه قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ويدل عليه وصف نفسه بـ (القهار). وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ) فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و (الْعَزِيزُ) من عز إذا غلب وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ولا يمكن أن يغلب عليه غيره.
و(الْحَكِيمُ) من حكم على الشيء إذا قضى عليه وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره. فقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) يدل على الربوبية والوحدانية إذن (4).
لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة.
فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم.
وارتبط بهما أيضاً قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقوله ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ ) وقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) ، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم.
وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) فإن نور الله إنما هو للهداية. والهداية من الحكمة. والذي يهدي إنما هو الحكيم.
وارتبط به أيضاً قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) والهدى من الحكمة. والحق إنما يدل على الحكيم.
وارتبط به أيضاً قوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) والذي يدل على ذلك حكيم. وقوله (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم. والذي لا يعلم لا يكون حكيماً. وذلك من لطيف الارتباط.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 199 إلى ص 205.
(1) البحر المحيط 10/ 100.
(2) التفسير الكبير 29/ 311.
(3) أنظر معاني النحو 1/ 156 وما بعدها.
(4) التفسير الكبير 29/ 311.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)
أخرج الكلام مخرجاً عاماً وإن كان السبب في هذا التقريع خاصاً. فإنه لم يقل (لم تقولون كذا وكذا ولا تفعلونه) بل جعله عاماً فيما يقال ولا يفعل وذلك لأنه لو ذكر الأمر أمراً آخر ولم يفعلوه كانوا بمنجاة من اللوم.
ونحن لا يعنينا ذكر المسألة التي كانت سبباً في نزول الآية فإنه لا يتغير الحكم على هذا الوصف الممقوت أيا كان السبب.
والذي يدل عليه السياق وما يذكر في أسباب النزول أن الأمر يتعلق بالقتال وإن اختلف في تحديد هذا الأمر فقد ذكر أن جماعة من المؤمنين قالوا لو كنا نعلم أحب الأعمال إلى الله لبادرنا إليه فلما كتب عليهم القتال كرهوا ذلك أو نكلوا عنه. وقيل: إن بعضهم كان يقول: قتلت، ولم يقتل. وطعنت ولم يطعن. وفعلت كذا ولم يفعل فأنزل الله ذاك. وسواء كان الأمر فيما ذكر أم في غيره فإن ذلك وصف ممقوت. وكله يندرج فيمن يقول ما لا يفعل.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 205.
(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)
(كَبُرَ) بضم الباء. وفي التعبير احتمالات:
منها أن العرب يفرقون بين الكبر المعنوي والكبر في السن. فالكبر المادي تقوله بكسر الباء فيقال (كبر الرجل). والكبر المعنوي تقوله بالضم فيقال (كبر الأمر). والكبر ههنا غير مادي فقاله بالضم. فيكون التعبير خبرياً.
وفيه احتمال آخر وهو أن الفعل محوّل إلى (فعُل) بضم العين لقصد التعجب أي ما أكبره مقتاً. فإن الفعل قد يحوّل إلى (فعل) لقصد التعجب.
وفيه احتمال ثالث وهو أن الفعل محوّل إلى (فعُل) بقصد الذم فإنه إذا أريد تحويل الفعل إلى المدح أو الذم أي تحويله إلى باب نعم وبئس جيء به على (فعُل) بضم العين بشروط معلومة في التعجب والمدح والذم.
وهنا احتمل التعبير الذم والتعجب إضافة إلى الأسلوب الخبري الأول.
و(مَقْتًا) يحتمل أن يكون تمييزاً مفسراً لفاعل مستتر أي كبر المقت مقتاً والمصدر المؤول يكون بدلاً وذلك لقصد الإيضاح بعدم الإبهام ثم فسر الأمر الممقوت بقوله (أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) . وإضمار الفاعل وتفسيره بالتمييز يحول الكلام إلى إنشاء إضافة إلى التفخيم والتعظيم.
ويحتمل أن يكون الفاعل هو المصدر المؤول أي (أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) و(مَقْتًا) تمييز محول عن فاعل والأصل (كبر مقت قولكم ما لا تفعلون) وقد حول الفاعل لقصد المبالغة (1).
وبهذا يكون قد اجتمع في التعبير ما يجعله ممقوتاً أشد المقت وذلك من نواح.
1- منها أنه يحتمل الخبر على أصل التعبير من دون تحويل إلى (فعُل) فيكون قد أخبر عن بغضه بفعل من أفعال السجايا الدالة على الثبوت.
2- ومنها أنه يحتمل التحويل إلى فعل لقصد التعجب فيكون القصد هو التعجب من بغض هذا الفعل إلى الله.
3- ومنها أنه يحتمل التحويل إلى فعُل لقصد الذم فيكون القصد إنشاء الذم لهذا الوصف.
4- ومنها أنه استعمل كلمة (المقت) دون البغض، والمقت أشد البغض وأبلغه.
5- ومنها أنه يحتمل تحويل الفاعل إلى تمييز لقصد المبالغة.
6- ومنها أنه يحتمل إصدار الفاعل وتفسيره بالتمييز لقصد الإيضاح بعدم الإبهام وتحويل الخبر إلى إنشاء.
- ومنها وصفه بالكبر.
8- وزاد هذا الوصف بغضاً قوله (عِنْدَ اللَّهِ) فإن المبغوض عند الله هو أسوأ ما يبغض.
فجعل هذا التعبير ممقوتاً من كل وجه وعلى أبلغ صورة خبراً وإنشاء وتعجباً وذماً ومبالغة وإيضاحاً بعد الإبهام. ولو قال بدل ذلك مثلاً (كبر المقت عند الله أن تقولوا) أو قال (ما أكبر المقت عند الله) أو قال (كبر عند الله مقت أن تقولوا...) أو غير ذلك لفقد أكثر هذه المعاني.
جاء في (الكشاف): قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه كقوله (غلت ناب كليب بواؤها). ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وأسند إلى (أَنْ تَقُولُوا) ونصب (مَقْتًا) على تفسيره دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه.
واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه... ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيراً حتى جعل أشده وأفحشه و(عِنْدَ اللَّهِ) أبلغ من ذلك لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك (2).
وقال (أَنْ تَقُولُوا) بالمصدر المؤول ولم يقل (قولكم) بالمصدر الصريح ذلك أن (قولكم) يحتمل أن ذلك وقع مرة واحدة فيكون المقت الكبير لما حصل ولو مرة واحدة وليس ذلك بمراد. فأراد أن يبين أن هذا المقت الكبير عند الله يكون إذا تكرر حصول ذلك. فجاء بالفعل الدال على التجدد والاستمرار.
كما أنه لم يقل (كبر مقتاً عند الله أن قلتم ما لم تفعلوا) للسبب نفسه فإنه لم يرد أن يجعل هذا المقت الكبير عند الله لما وقع مرة واحدة. والله أعلم.
وقد فظّع الله هذا الوصف وبالغ في ذمه لأن هذا الأمر يدخل في دائرة الكذب والمسلم لا يكذب.
وقد تقول: ولم لم يقل (إن الله يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون) فيجعل المقت للفاعل كما قال في الآية بعدها (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) فلماذا جعل المقت للفعل والحب للفاعل؟
والجواب أن الله خاطب أصحاب الوصف الممقوت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فلو قال بعد ذلك (إن الله يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون) لأفضى ذلك إلى مقت الذين آمنوا الذين خوطبوا بذلك والله لا يمقت الذين آمنوا بل يحبهم ولكنه يمقت هذا الوصف فنزههم عن أن يمقتهم ربهم وكفى بذلك إكراماً للمؤمن في حين قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) فجعل الحب للفاعلين بسبب فعلهم فأحب الفعل والفاعلين.فأي كرامة للمؤمن دلت عليها الآيتان في المقت والحب؟!
قد تقول: لقد قال (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) فلم لم يقل بمقابل ذلك (إن الله يحب الذين يفعلون ما يقولون).
والجواب إن الله يحب الأفعال التي أرادها ربنا وارتضاها لنا ولا يحب كل فعل أياً كان ذلك الفعل فإنه ليس الأمر على إطلاقه فإنه لا يحب الذي يقول إنه سيفعل سوءاً ثم يفعله بل عليه أن ينتهي عنه حتى لو أقسم على فعله، فالذي يقول أنه سيقطع رحمه أو يفعل منكراً عليه ألا يفعل ذلك بل يفعل نقيضه من فعل المعروف ولذا لا يصح هذا القول على إطلاقه.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 205 إلى ص 208.
(1) أنظر معاني النحو 2/ 751 وما بعدها.
(2) الكشاف 4/ 97.