برنامج لمسات بيانية
(أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ )
أي لا تطيعوه فيما يوسوس به إليكم ويزينه في قلوبكم (1(.
وعبر عن ذلك بالعبادة لا بالطاعة لأن العبادة ليست مجرد الطاعة فأنت قد تطيع شخصاً ولا تعبده كطاعة أولي الأمر وطاعة الوالدين وغيرهم، ثم إن الطاعة قد تكون عن طريق الإكراه فقد يكرهك من ينفذ أمره على الطاعة ويحملك عليها وهذه لا تسمى عبادة وإنما العبادة تعني الطاعة مع الخضوع والاستسلام والانقياد للأمر والتذلل(2).
جاء في (روح المعاني): " والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عز وجل" (3).
وعبادة الشيطان لا تختص بالسجود له أو ذكره على سبيل التعظيم أو إقامة الشعائر له وإنما تكون بتنفيذ مقاصده ومراده واتباع خطواته فكل ذلك عبادة له وكل عبادة لغير الله إنما هي عبادة للشيطان ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام عبادة الشيطان قال تعالى مخبراً عن سيدنا إبراهيم عليه السلام (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) ...... يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا - مريم 42-44
فقال له أبوه (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) - مريم 46
فجعل عبادة الأصنام عبادة للشيطان يدل على ذلك قوله (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) ورد أبيه عليه (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ )
تعليل للنهي فإن ذلك يوجب الابتعاد منه لا عبادته واتباعه.
ومعنى (مبين) ظاهر العداوة مظهر لها، فإن معنى (أبان) ظهر وأظهر، تقول (أبان الرجل) أي بان أمره وظهر و(أبان الرجل) أظهر أمره وبينه، فإن الشيطان ظاهر العداوة ومظهر لها فكيف يعبده الناس؟!
إن العدو قسمان:
قسم مظهر لعداوته مبين لها.
وقسم مخف لها غير مبين.
وإن العداوة قسمان: عداوة ظاهرة بينه وإن أراد صاحبها إخفاءها
وعداوة خفية.
وإن الشيطان عدو ظاهر العداوة ليس في عداوته خفاء وإنه مظهر لها غير مخفيها، وقد أظهر هذه العداوة وذكرها لربه صراحة (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) - الأعراف 16،17
وقال (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ) - النساء 119
فكيف يعبد من دون الله مع كل ذلك؟
وقد قدم الجار والمجرور (لكم) فقال (إنه لكم عدون مبين) ولم يقل (إنه عدو مبين لكم) وذلك لغرض الاختصاص فهو عدو لنا خاصة، وكل همه أن يضلنا ويبعدنا عن طاعة ربنا فيدخلنا النار.
ولو قال (إنه عدو مبين لكم) لكان المعنى أن الإبانة لنا أما العداوة فليست لنا نصاً بل ربما كانت لنا أو لغيرنا.
برنامج لمسات بيانية
(وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
أي ما نهيتكم عنه من عبادة الشيطان، وأمركم بعبادتي إنما هو صراط مستقيم لا صراط أقوم منه، وكل طريق آخر هو غير مستقيم، وتنكير الصراط لا يعنى أن ثمة طرقاً آخري مستقيمة، ولا يعنى أنه أحد الطرق المستقيمة بل المقصود وصفه بالاستقامة، فقد ينكر الشيء وهو واحد ولا شيء معه كقوله تعالى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ )
وقوله (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) إذ المقصود وصف الرب بالرحمة ووصف المنزل بأنه حكيم حميد.
وكذلك ههنا فإن المقصود وصف الطريق بالاستقامة، فالاستقامة هي المطلوبة على كل حال، جاء في (روح المعاني): "وفيه أن المطلوب الاستقامة والأمر دائر معها وقليلها كثير" (1).
وقيل إن التنكير للمبالغة والتعظيم (2)، جاء في (الكشاف): " (صراط مستقيم) يريد صراط بليغ في بابه بليغ في استقامته جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه.
ويجوز أن يراد هذا بعض الصرط المستقيمة توبيخاً لهم عن العدول عنه والتفادي عن سلوكه كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة، كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار توبيخاً له على الأعراض عن نصائحه" (3)
وذكر الصراط إشارة إلى أن الإنسان سالك مجتاز، ولذا كانت به حاجة إلى الطريق المستقيم يسير عليه في الحياة الدنيا ويجتاز منه إلى الآخرة مفضياً به إلى دار السعادة.
فالإنسان لابد له من الصراط المستقيم يسير على وفقه في الحياة لئلا يضل ويشقى ويفضي به إلى جنان النعيم عند الرحمن الرحيم، جاء في (التفسير الكبير): "وفي ضمن قوله تعالى (هذا صراط) إشارة إلى أن الإنسان مجتاز لأنه لو كان في دار إقامة فقوله (هذا صراط مستقيم) لا يكون له معنى لأن المقيم يقول: وماذا أفعل بالطريق وأنا من المقيمين؟ " (4).
وقدم النهي عن عبادة الشيطان على الأمر بعبادته سبحانه لأكثر من سبب، منها أن عبادة الشيطان تفسد عبادة الله، فإن عبادة الله إذا داخلتها عبادة الشيطان فسدت وحبط العمل، فعبادة الله مع عبادة الشيطان شرك لا تنجي صاحبها من النار ولا تدخله الجنة.
أن عبادة الشيطان مع عبادة الله تضر، وعبادة الله مع عبادة الشيطان لا تنفع، وعلى أية حال فعبادة الشيطان تقود إلى النار حتى لو اقترنت بعبادة الله، فنهي عما يوقع الفرد في النار ولا ينفع معه عمل.
ومن عبادة الشيطان عبادة الأصنام سواء كانوا حجراً أم بشراً فإن عبادة الأصنام إذا اقترنت بعبادة الله أفسدتها وقادت صاحبها إلى النار.
ومنها أن ترك عبادة الشيطان من باب دفع الضرر، وأن عبادة الله من باب جلب المنفعة ودفع الضرر، غير أنها لا تنفع ولا تدفع إلا إذا تركت عبادة الشيطان، فعبادة الله لا تؤتي ثمرتها إلا بترك عبادة الشيطان فالنهي عن عبادة الشيطان مقدم لتؤدي عبادة الله غايتها وتؤتي أكلها.
ومنها أن تنفيذ النواهي أيسر من تنفيذ الأوامر فإن الإنسان يستطيع أن يكف نفسه عن أشياء كثيرة لكنه قد لا يستطيع القيام بأعمال كثيرة، فالكف عن المحارم أيسر من القيام بالطاعات ولذا قال (صلى الله عليه وسلم) (ما أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا عنه) او كما قال.
فالإنسان يستطيع أن يترك العبادات ولكنه يثقل عليه فعلها، فبدأ بما هو أيسر عليه.
ومنها أنك إذا وجدت إنساناً ضالاً عن الطريق فإنك لابد أن توقفه عن المضي فيه أولاً ثم تعيده إلى الطريق المستقيم وعبادة الشيطان ضلال فلابد من تركها أولاً ليخلو القلب إلى الله.
ومنها أنه وجد أكثر بني آدم يعبدون الشيطان كما قال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) - الأنعام 116 فنهاهم عما هم فيه لتستقيم عبادتهم لله وتصح وذلك نحو أن تجد شخصاً ساقطاً في مستنقع أو راكساً في الوحل فلابد أن تخرجه مما هو فيه أولاً ثم تقوم بتنظيفه بعد ذلك.
وقيل أيضاً أن "تقديم النهي على الأمر لما أن حق التخلية التقدم على التحلية .
قيل وليتصل به قوله تعالى هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ بناء على أن الإشارة إلى عبادته تعالى لأنه المعروف في الصراط المستقيم" (5)
برنامج لمسات بيانية
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ )
(الجِــبــِلّ) الخلق الكثير (1) والأمة العظيمة (2) فقوله (أضل منكم جِـــبِلاً) يعنى أنه أضل خلقاً كثيراً، ثم وصفه مع ذلك بالكثرة فدل ذلك على تعاظم الجموع وكثرتها، فدل ذلك على المبالغة في الكثرة، ولذا لا يسد قولنا (خلقاً كثيراً) مسد (جبلاً كثيراً) فإن قولنا (خلقاً كثيراً) يعنى (جِــبِـلاً) ثم وصف الجبلّ بالكثرة للدلالة على الكثرة الكاثرة ممن أضلهم الشيطان.
إن مادة (جبل) التي أخذ منها لفظ (الجبــِلّ) تجمع ثلاثة معان:
1- الكثرة كما ذكرنا، يقال حيّ جِبْل أي كثير .
2- الغلظة والشدة ومنه الجبل لما عظم من أوتاد الأرض وطال، ويقال (أجبل الشاعر) إذا صعب عليه القول كأنه انتهي إلى جبل منه. والجَبْل الضخم
3- القبح يقال: أنت جَبِل وجَبْل أي قبيح (3).
ولعله اختار هذه اللفظة دون (الخلق) ليجمع هذه المعاني كلها .
فإن ذلك يدل على الكثرة كما ذكرنا، ويدل على أن هؤلاء الذين أضلهم الشيطان إنما هم عتاة ظلمة غلاظ الطباع قساة القلوب كحجارة الجبل أو أشد قسوة لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، متجبرون على خلق الله ولاسيما الضعفاء منهم.
وقد وصف الله سبحانه هؤلاء الضُلال بالقسوة فقال (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) - الأنعام 43، وقال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد 16، وقال (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) الحج 53
وقال (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الزمر 22
ومما يدل على ما ذكرناه ما فعله أصحاب القرية بالرسل وبمن آمن بهم مما ذكره في السورة فاختيار لفظ (الجِــبِــل) مناسب لما ورد في السورة أيضاً.
كما يدل ذلك على قبح بواطنهم وسوء معتقدهم وأفعالهم فإن عبادة الشيطان تدع القلوب سوداء والنفوس مظلمة قبيحة بخلاف عبادة الله فإنها تنير القلوب وتزكي النفوس وتزين الباطن، فجمع بقوله وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا هذه المعاني كلها ولا تؤدي كلمة (خلق) ما أدته كلمة (جبلّ).
هذا إضافة إلى أن جرس الكلمة وبناءها يوحي بالثقل فإن كلمة (جبلّ) ثقيلة ثقل الضلال وضغطه على النفوس وثقل الغلظة والشدة، وثقل القبح على النفوس.
لقد بين الله في هذه الآية عداوة الشيطان الظاهرة والمستمرة فإنه لم يكتف بإغواء أبيهم آدم وإخراجه من الجنة بل أضل من أبنائه خلقاً كثيراً، أفلا يدعو هذا إلى الاتعاظ وأخذ الحذر منه.
وقال (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) دون (أفلم تكونوا تعلمون) لأن من عنده مسكة من العقل ابتعد عن طريق الشيطان وأخذ حذره منه حتى لو لم يكن عنده من العلم شيء، فإن وجود العقل كاف للابتعاد عن الضرر ومصدره.
وجاء بالفاء في قوله (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) لإرادة السبب أي أليس ذلك سبباً كافياً للبعد عنه والحذر منه؟
واختيار لفظ (الإضلال) أنسب شيء مع قوله (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) لأن السالك يريد أن يسلك طريقاً مستقيماً والإضلال إنما هو إبعاد عن الطريق المستقيم.
فالله يهدينا إلى الصراط المستقيم والشيطان يضلنا عنه فأيهما أجدر بالعبادة، جاء في (روح المعاني): "(ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً) استئناف مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان عدم اتعاظهم بغيرهم اثر بيان نقضهم العهد فالخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار خصوا بزيادة التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم.
وإسناد الإضلال إلى ضمير الشيطان لأنه المباشر للإغواء ... (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) عطف على مقدر يقتضيه المقام أي أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون أنها لضلالهم أو فلم تكونوا تعقلون شيئاً أصلاً حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم العذاب الأليم" (4).
برنامج لمسات بيانية
(هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)
بعد أن ذكر الذين أضلهم الشيطان ذكر مآلهم وحالهم فقد وقفهم على شفير جهنم وقرعهم قائلاً: انظروا هذه جهنم التي كنتم توعدون فكذبتم بها واتبعتم الشيطان فاصلوها وقاسوا حرها، جاء في (روح المعاني): " قوله تعالى (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) استئناف يخاطبون به بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عند إشرافهم على شفير جهنم أي هذه التي ترونها جهنم التي لم تزالوا توعدون بدخولها على ألسنة الرسل عليهم السلام والمبلغين عنهم بمقابلة عبادة الشيطان" (1)
لقد قال(هَذِهِ جَهَنَّمُ ) ولم يقل تلك للدلالة على أنها قريبة منهم مرئية وفي هذا من التبكيت والتقريع والتخويف ما فيه.
وقال (جهنم)باسمها العلم ولم يقل (هذه النار) كما قال في سورة الطور فإنه قال فيها ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) (14) لك أنه قال في الطور قبل هذه الآية (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) فذكر النار فناسب أن يقول (هذه النار) دون آية يس.
وقال (الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) ولم يقل (التي وُعدتم) للدلالة على استمرار الوعد وتطاوله، ولو قال (وعدتم) لم يفد الاستمرار.
وبني الفعل (توعدون) للمجهول ولم يذكر الواعد للدلالة على أن الواعدين كثر وأنهم جهات متعددة وهم رسل الله والمبلغون عنهم.
وقال (توعدون) في يس و(تكذّبون) في الطور لمناسبة كل تعبير سياقه الذي ورد فيه فإنه تردد في سورة يس الوعد فقد قال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) 48 وقال ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52 وقال (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )63 فناسب قوله (كنتم توعدون)
وقال (تكذّبون) في الطور لما سبق هذه الآية قوله (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) 11)، فناسب قوله (تكذبون) في الطور و(توعدون) في يس.
برنامج لمسات بيانية
(اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)
اصلوها أمر من الفعل (صلي النار) أي قاسي حرها (1) والمعنى قاسوا حر جهنم اليوم بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا.
وقال (اليوم) لما ذكر الوعد قبلها فقال (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) وكانوا يكذبون بهذا الوعد ويسخرون منه قائلين (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فقال لهم: اليوم تنفيذ الوعد الذي كنتم توعدونه فلا تأخير ولا إرجاء، ولذا تردد ذكر (اليوم) في هذه الآيات بإزاء ذكر الوعود فقال ( فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ) وقال (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) وقال (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ)
وقال (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) للدلالة على استمرارهم على الكفر ولم يقل (بما كفرتم) فإن ذلك لا يفيد الدوام والاستمرار، وهو بإزاء قوله تعالى في الآية السابقة (كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) الذي يدل على استمرار التذكير والوعد، فدوام الوعد من الرسل وأتباعهم قابلة دوام الكفر منهم.
وقوله (تكفرون) يفيد الإطلاق فهو لم يقيد الكفر بأي قيد فلم يقل مثلاً (بما كنتم تكفرون بالله أو باليوم الآخر) أو غير ذلك.
إن الفعل (تكفرون) يحتمل معنيين:
الأول معنى الكفر الذي هو نقيض الإيمان.
والآخر الكفران الذي هو نقيض الشكر وهو الكفر بالنعم قال تعالى (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ) النحل 112 وقال (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ) البقرة 152
وكلاهما موجب للنار، ولو قيده لتعين بمعنى واحد دون آخر فهم كانوا يكفرون بالله وبعموم ما يجب الإيمان به كما كانوا يكفرون بنعمه تعالى.
والسياق يقتضي هذا الإطلاق وارادة المعنيين ذلك لأنه تقدم ذكر الرسل وما دعوهم إليه فكفروا وكذبوا.
كما أنه عدد عليهم نعمه وآياته فكفروا بها وجحدوا، فقد ذكر أنه أحيا الأرض.
الميتة وأخرج منها حباً منه يأكلون وجعل فيها جنات من نخيل وأعناب وفجر فيها من العيون ليأكلوا من ثمره. وذكر أنه خلق لهم أنعاماً وهم لها مالكون وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ.)
فهم كفروا بالله وكفروا بنعمه فناسب أن يأتي بما يجمع هذين المعنيين فأطلق ولم يقيد.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) "وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه:
(أحدها) قوله (اصْلَوْهَا) فإنه أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ).
(والثاني) قوله (الْيَوْمَ) يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وأيامها قد انقضت وبقي اليوم العذاب.
(الثالث) وقوله تعالى (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت يكفر بها. وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام. ولهذا كثيراً ما يقول العبد المجرم: أفعلوا بي ما يأمر به السيد ولا تحضروني بين يديه" (2).
وقد تقول: لقد أوجز ههنا فقال (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) وفصل في سورة الطور وأطال فقال (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فلم ذلك؟
فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ورد فيه فإن المقام في يس مقام إيجاز وفي الطور مقام تفصيل. فقد قال في يس (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ولم يزد على ذلك.
في حين قال في الطور
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (11 – 16).
ومن النظر في النصين يتضح ما يأتي:
1- أنه فصل في ذكر صفات أصحاب جهنهم وعقوباتهم في الطور وذكر ما لم يذكره في يس. فإنه لم يزد في يس على قوله في أهل النار (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا) في حين قال في الطور ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا.)
2- لما فصل في ذكر صفاتهم وعقوباتهم ما لم يفصله في يس أكثرّ من تبكيتهم وتقريعهم فقال ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
3- أنه قال في يس (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) فذكر الضلال على العموم في حين ذكر في الطور أنهم يكذّبون بالنار فقال (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.)
4- إن المذكورين في الطور أكثر ضلالاً وكفراً من المذكورين في يس ذلك أنه قال في يس (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) والضال قد يكون كافراً وقد يكون لا يزال في دائرة الإسلام إلا أنه قد يعمل عمل أهل الضلال في أمر ما كالزنى وشرب الخمر وغيرها من الموبقات فصاحب هذه المنكرات ضال غير أنه ليس كافراً. قال تعالى في تقسيم المواريث ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) النساء (176) و (أَنْ تَضِلُّوا) ليس معناه أن تكفروا.
أما في الطور فقد قال (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) فذكر:
1- أنهم مكذبون على العموم (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) .
2- وأنهم في خوض يلعبون.
3- أنهم يكذبون بالنار (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ).
فناسب أن يزيد في عقوباتهم ويفصل في ذكرها.
فناسب كل تعبير السياق الذي ورد فيه.
برنامج لمسات بيانية
آية (7) :
* (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر) (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (59) غافر) (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (7) الحج) (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا (15) طه) (وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا (21) الكهف) متى نقول آتية ولآتية ومتى يذكر لا ريب فيها ومتى لا يذكرها؟
هو يجمع آتية ولا ريب فيها إذا كان الكلام على الساعة يعني إذا كان السياق في ذكر الساعة تحديداً.
في سورة الحج (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (7)) وتبدأ السورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)) ثم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ (5) الحج) فقال (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (7)) الكلام عن الساعة ويستمر في الكلام والسياق الذي ترد فيه الآية عن الساعة. إذا كان السياق في ذكر الساعة يقول (لا ريب فيها).
في غافر قال (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)) ثم يستمر ويقول (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) غافر) فإذن الكلام في الساعة.
يبقى ذكر اللام لأن قسماً قال لماذا ذكر اللام؟ لا يصح في آية الحج أن يذكر اللام، لا يصح أن يقول وأن الساعة لآتية لأن (أنّ) مفتوحة الهمزة، اللام لا تقع في خبر المفتوحة الهمزة مطلقاً، لا يجوز أصلاً. هو عندما يقول (أَنّ الساعة) لا يمكن أن يقول لآتية أبداً ، لا تصح، وبعد ذاتِ الكَسْرِ تصحبُ الخَبَر لامُ ابتداءٍ
لغةً لا يصح، هناك فرق كبير بين إنّ وأنّ. أنّ وما دخلت عليه مفرد ليس لها معنى، بينما إنّ وما بعدها جملة. (أن محمداً حاضرٌ) ليس لها معنى لا بد أن يكون معها ضميم، هذه في حكم المفرد، مصدر، لا بد أن يكون معها شيء مثل يسرني أن محمد حاضر، أما (إن محمداً حاضر) جملة تامة.
* هل هناك فرق دلالي بين إن الساعة وأن الساعة؟
طبعاً. (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا (7) الحج) هذا معطوف على ما قبلها (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ (6) الحج) دخل عليها حرف جر. بينما (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) غافر ) جملة مستقلة وحتى توكيدها أكثر فتختلف. أما إذا قال (آتية) هو لا يخاطب الرسل بقولهم (لا ريب فيها) أبداً. عندما يخاطب الرسول لا يقول لا ريب فيها أي رسول كان. لا يحتاج الرسول إلى نفي الريب.
في الحجر قال (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر)
أكّد باللام لأن السياق، هو كان يتكلم عن أصحاب الحجر فذكر عذابهم في الدنيا وسيأتيهم العذاب في الآخرة مؤكَّد. يقول (آتية) بدون توكيد عندما لا يقتضي الكلام.
في طه قال تعالى (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) طه) كلام موسى ثم قال (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) طه) لا يزال الآن في طور الرسالة، هناك في طور التبليغ والذكر ومن باب التصبير للرسول (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) الحجر). تلك فيها تبليغ وضيق صدر وهذه ليس فيها شيء لا يحتاج إلى توكيد.
* إذن وقت الكلام عند الله سبحانه وتعالى أولويات للحديث وأسس معينة يود أن يظهرها للخلق تتبدل من خلال هذه الكلمات!
لا شك.
* يعني ليس على غرار آي القرآن كله تكون (إن الساعة لآتية) أن الناس تنكر الساعة تنكر البعث والنشور؟
السامع المخاطَب في أي سياق هو؟ وفي أي مقام؟
هذه أسباب النزول. يسألون فيجيب، (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (219) البقرة)، أجاب عن أسئلتهم ، أسباب النزول تنفعنا نفعاً كبيراً جداً في معرفة الاختيار في المقام والسياق وما إلى ذلك.
في الكهف، لاحظ في أي مقام؟ هذا ليس في خطاب أي رسول من الرسل ولا في مقام ذكر الساعة وإنما في أصحاب الكهف (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا (21) الكهف) ليس هناك داعي ليقول آتية، هو أقام الدليل على نومهم ثلاثمائة سنة. (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) ما هو وعد الله حق؟ أن تأتي الساعة، ذكرها. إذن حسب السياق وحسب المقام.
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق بين (مانزل الله بها من سلطان) و (ماأنزل الله بها من سلطان)؟ (د.فاضل السامرائى)
أنزل ونزّل قسم غير قليل يفرق بينهما أنه نزّل تفيد التدرج والتكرار وأنزل عامة ويستدلون بقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (3) آل عمران) وقالوا لأن القرآن نزل منجماً مفرقاً والتوراة والانجيل أنزلتا جملة واحدة فقال أنزل. ردوا التدرج بقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (32) الفرقان)لأن أنزل عامة سواء كان متدرجاً أو غير متدرجاً، كلمة أنزل لا تختص بالتدرج ولا بدون تدرج. السؤال يقولون الإنزال عام لا يخص التدرج أو غير التدرج لكن التنزيل هو الذي يخص التدرج، نزّل الذي فيه التدرج (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) القدر) أنزلناه من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة، هناك مراحل لنزول القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً. ردوا التدرج في نزّل التدرج في نزّل وقالوا (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (32) الفرقان) هذا ليس فيه تدريج (لولا هنا من حروف التحضيض). لكن الذي يبدو أن الفرق بين نزّل وأنزل أنه نزّل تفيد الاهتمام نظير وصى وأوصى وكرّم وأكرم ففي المواطن التي فيها توكيد واهتمام بالسياق يأتي بـ (نزّل) والتي دونها يأتي بـ (أنزل). نضرب أمثلة: قال تعالى في الأعراف (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)) وقال في يوسف (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40)) وقال في النجم (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23)). ننظر السياق في الأعراف فيها محاورة شديدة حيث قال (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)) فيها تهديد، كلام شديد من أولئك كيف تتركنا نترك آلهتنا ونعبد الله فقال (نزّل). في سورة يوسف قال تعالى (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40)) لم يردّ عليه السجينان وليس فيها تهديد إذن الموقف يختلف عن آية سورة الأعراف فقال أنزل. في النجم (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)) لم يردّوا عليه ولم يكن هنالك محاورة ولا تهديد، إذن الأشد (نزّل)،. إذن نزّل آكد وأقوى في موطن الاهتمام أشد من أنزل.
برنامج لمسات بيانية
آية (90):
* في قوله تبارك وتعالى (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (90) الأنعام) وفي آية أخرى (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ (18) الزمر) ما الفرق بينهما وما اللمسة البيانية بين آية الزمر والأنعام (هدى الله) و(هداهم الله)؟ (د.فاضل السامرائى)
الموضعان صلة موصول (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ) (هدى الله) جملة صلة، صلة الموصول و(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ) (هداهم الله) صلة الموصول وقطعاً هناك عائد لأن الموصول لا بد أن يكون له عائد، يعني قطعاً في آية الأنعام التقدير هداهم الله، لا بد من وجود عائد (ضمير) يعود على الإسم الموصول (الذين). إذن من حيث التقدير قطعاً (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ) يعني هداهم الله تقديراً. خارج القرآن يمكن الذكر ويمكن الحذف. إذن لِمَ حذف هنا؟
إذا كان الموضع هو واحد وهذا هو في التقدير قطعاً حاصل فلماذا الذكر والحذف؟ لو لاحظنا آية الأنعام فيها شرائع مختلفة وأنبياء ورسل وشرائع منسوخة فذكر جملة من الرسل، ذكر إبراهيم ونوح وإسحق ويعقوب وسليمان وداوود، ذكر جملة من الرسل (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) الأنعام) ذكر مجموعة من الرسل هذا أمر.
هذا (فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ (18) الزمر) يعني الكلام على الرسول (فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18) الزمر). إذن تلك في شرائع مختلفة منسوخة وأنبياء منهم من ذكر ومنهم من لم يقصصه لم يذكر هود ولا شعيب ولا صالح في هذا السياق، إذن أخرج الحذف مخرج العموم لأن الذِكر تخصيص، فلان يُكرِم ويعطي يعني يُكرم زيداً ويعطي الدنانير. الذِكر موطن تخصيص والحذف عام (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216) البقرة)، لو ذكر الغيب حدد الغيب ، فهنا حذف أخرجه مخرج العموم لأنه ليس نبياً واحداً ولا رسول، مجموعة من الرسل والشرائع منسوخة، بينما هذا واحد (فَبَشِّرْ عِبَادِ) هذه للمؤمنين وتلك أقوام وشرائع أيُّها الأعم؟ الأنبياء من قصّ ومن لم يقصص. (هدى الله) هدايات كثيرة، هذه واحدة فخصص
في القرآن الكريم أحياناً يحذف كأن ما فيه للإطلاق هذا يحذف مع أنه تقدير (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً (48) البقرة) معناها لا تجزي فيه قطعاً لأن هذا صفة، لا بد أن يكون (فيه).