عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿٥٦﴾    [آل عمران   آية:٥٦]
  • ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٥٧﴾    [آل عمران   آية:٥٧]
برنامج لمسات بيانية قال تعالى في آل عمران: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٥٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ٥٧﴾ [آل عمران: 56-57]. سؤال: لماذا قال في الآية الأولى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ﴾ بإسناد التعذيب إلى ضمير المتكلم، وقال في الآية الثانية: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ﴾ بإسناد توفية الأجور إلى الغائب ولم يقل: (فأوفيهم أجورهم) فيكون الكلام على نسق واحد؟ الجواب: إن الآية الأولى في سياق كلام الله سبحانه عن نفسه قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ٥٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا﴾ (55، 56). فناسب إسناد التعذيب إلى نفسه جريًا مع سياق الحديث عن النفس. وأما الآية الثانية فهي في مقام الالتفات إلى الغائب وذلك يكون مدخلًا إلى قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ فإنه لو لم يلتفت لقال: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأوفيهم أجورهم وأنا لا أحب الظالمين). ولم يرد فعل الحب من الله في القرآن إثباتًا أو نفيًا مسندًا إلى ضمير المتكلم أي إن الله سبحانه وتعالى لم يقل في جميع القرآن مخبرًا عن نفسه بنحو: (وأنا لا أحب الظالمين أو المعتدين) أو: (وأنا أحب الصابرين أو المحسنين) بل يسند ذلك إلى لفظ الجلالة في الأغلب أو إلى ضميره كأن يقول: (إنه لا يحب المسرفين) أو: (إنه لا يحب المعتدين). فالمناسب هو الالتفات وليس الاستمرار بالحديث عن النفس.
روابط ذات صلة:
  • ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴿٦٢﴾    [طه   آية:٦٢]
  • ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴿٢١﴾    [الكهف   آية:٢١]
برنامج لمسات بيانية – قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا٢١﴾. وقال في سورة طه: ﴿فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ٦٢ قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا﴾. سؤال: قال في آية الكهف: ﴿إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ﴾ فقدم الظرف على الأمر. وقال في سورة طه: ﴿فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ﴾ فقدم الأمر على الظرف. فلم ذاك؟ الجواب: إن الأمر في آية طه إنما هو في أمر موسى وفرعون، والأمر هو مغالبة موسى، وقد تناظروا وتشاوروا للنظر في ذلك، فقد جمع فرعون كيده للنظر في هذا الأمر المهم، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ٦٠﴾ [طه: 60]، وقال على لسان فرعون: ﴿فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ٦٤﴾. وهذا الأمر مهم؛ ولذا قال: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ﴾ أي: بالغوا في إخفاء تناجيهم عن موسى وأخيه، فقدم الأمر؛ لأنه هو المهم. وأما ما في الكهف فإن الأمر ليس بهذه الأهمية، فإنه أمر الفتية وأمر القوم واحد، فكلهم مؤمنون، وليس ثمة اختلاف في الأمر، وإنما الاختلاف فيما يفعلون لهم بعد أن ماتوا، فقال بعضهم: ﴿ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ﴾. وقال الذين غلبوا على أمرهم: اتخذوا عليهم مسجدًا. وهذا الأمر بعد موت الفتية. فالفرق كبير بين الأمرين؛ ولذا كثر الكلام في أمر موسى وفرعون وأسروه؛ بخلاف ما في الكهف، فناسب تقديم الأمر في آية طه على الظرف دون آية الكهف.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴿٧٠﴾    [الأنبياء   آية:٧٠]
  • ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾    [الصافات   آية:٩٨]
برنامج لمسات بيانية سورة الانبياء أية 70
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٥١﴾    [الأنعام   آية:٥١]
برنامج لمسات بيانية قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ (51). وقال في سورة الأنعام أيضًا: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ (70). وقال في سورة السجدة: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (3، 4). سؤال: لماذا قال تعالى في آيتي الأنعام: ﴿لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ فنفى بـ (ليس). وقال في آية السجدة: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ﴾ فنفى بـ(ما)، وجاء معها بـ(من)؟ الجواب: إن النفي في آية السجدة أقوى منه في آيتي الأنعام ذلك أن آيتي الأنعام من الجمل الفعلية، فهي مبدوءة بـ(ليس) و(ليس) فعل. وأما آية السجدة فهي جملة اسمية منفية بـ (ما)، ومعلوم أن الجمل الاسمية أقوى من الفعلية، و(ما) أقوى من (ليس). هذا علاوة على المجيء مع ذلك بـ(من) الاستغراقية التي تُفيد نفي الجنس وتُفيد التوكيد مع ذلك، فهي تُفيد نفي الولي والشفيع على سبيل الاستغراق. وأما سبب ذلك - والله أعلم – فإن الكلام في آيتي الأنعام على أصناف خاصة من الناس. فإن الإنذار في الآية الأولى للذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم على هذه الحالة، وهناك غيرهم كثير من غير هذا الصنف، فإن هناك من لا يؤمن أصلًا باليوم الآخر، ولا يخاف الحشر، وهناك أصناف آخرون غير هؤلاء. وأما الآية الثانية فإن التذكير فيها لنفي مخافة أن تؤخذ بجريرتها وتُسلم بذنبها وتفضح به، وذكر من حالة هذا الصنف بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُون﴾ (70). وأما آية السجدة فالخطاب لعموم من يصح خطابه من الثقلين لا يخص صنفًا دون صنف ولا واحدًا دون آخر، وإنما هو خطاب عام يعم الجميع فقد قال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ﴾ فلم يذكر صفة معينة ولا صنفًا خاصًّا. فلما عمّ ذلك الجميع احتاج إلى التوكيد ولا شك، فإنه جار في العادة أن يكون للشخص وليٌّ واحد، أو أن يكون لمجموعة من الناس ولي واحد، أما ألّا يكون للخلق جميعًا إلا ولي واحد وليس لأحد منهم ولي غيره فهذا يحتاج إلى التوكيد فأكده بالجملة الاسمية و(من) الاستغراقية. هذا أمر. والأمر الآخر أنه لم يذكر في آيتي الأنعام شيئًا من صفات الله وإنما ذكر اسمه العلم في آية فقال: ﴿لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾، وأعاد الضمير على الرب في الآية الأخرى، فقال: ﴿لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ وأما في آية السجدة فذكر له صفات عظيمة، فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ وقال: ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (5) وقال: ﴿ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ٦ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِين﴾ (6، 7). ويستمر في ذكر صفاته العظيمة وقدرته التي لا تُحد. فناسب ذلك أن يؤكد أنه ليس للخلق من دونه ولي ولا من دون رضاه شفيع، وإنما هو الولي الأوحد للخلق أجمعين. قد تقول: ولكنه ذكر من صفات المعصية والضلال في آيتي الأنعام ما لم يذكره في آية السجدة، أفلا يقتضي ذلك توكيد نفي الولي والشفيع فيهما؟ والجواب: أن ليس الأمر كما توهمت بل لقد ذكر في سياق آية السجدة من المعصية والكفر ما لم يذكر في آيتي الأنعام. فقد قال في آية الأنعام (51): ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ﴾ فلم يذكر لهم معصية وإنما قال عنهم إنهم يخافون أن يحشروا إلى ربهم في هذا الحال، ومعنى ذلك أنهم مقرّون بالحشر معترفون به يخافون ربهم ويخافون أن يحشروا، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، وهذا ليس معصية ولا ذنبّا. وأما آية الأنعام الأخرى فإنه قال فيها: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا﴾ أي: اتركهم، وذكّر به: أي بالقرآن مخافة أن تؤخذ نفس بجريرتها وتجزى بكسبها، ولم يذكر لها ذنبًا، وأما الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا فأمر بتركهم. وأما آية السجدة فإنها في سياق من ينسب إلى رسول الله الكذب وافتراء القرآن وفيمن ينكر الحشر والمعاد، فقال: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ فنسبوا إليه صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن أي كذبه على الله، وقال عنهم: ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۢۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُون﴾ فهم كذبوا الرسول وأنكروا الحشر والمعاد، ولا شك أن هذا أكبر مما ذُكر في آيتي الأنعام، فاقتضى السياق توكيد نفي الولي والشفيع من دون الله وطاعته ورضاه من هذه الجهة أيضًا، فاقتضى توكيد ذلك في آية السجدة من كل وجه، والله أعلم.
روابط ذات صلة:
  • ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢١﴾    [الحديد   آية:٢١]
برنامج لمسات بيانية سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) بعد أن ذكر الدنيا وعاقبتها دعا إلى ما هو خير وأبقى فقال( سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) . وقدم المغفرة على الجنة لأنها تسبقها وهي سبب دخولها. منه ولم يستعمل فعلاً آخر فلم يقل مثلاً: ما حلت من مصيبة أو ما وقعت أو نحو ذلك. وذلك - والله أعلم - أن أصل (أصاب) من الإصابة ضد الخطأ فأنت تقول: أصاب فلان الهدف. أي لم يخطئه، وأصاب فلان في كلامه أي لم يخطئ فكأنه سبحانه يريد أن يبين لنا أن المصائب هي مقدّرة وقد أصابت مكانها المقدر لها ولم تخطئه. والمصيبة في الأرض نحو الآفات والجدب والكوارث وغيرها. وفي الأنفس نحو الأدواء والأمراض والموت ونحوها. وذكر المصيبة في الأرض والأنفس وقدم الأرض على الأنفس لأنها موجودة قبل وجود الإنسان. وقد وقعت فيها المصائب قبل أن يخلق الإنسان. وقال (مِنْ مُصِيبَةٍ) بـ (من) الاستغراقية للدلالة على أنه قدرها كلها على وجه الاستغراق فلا تندّ عن ذلك مصيبة مهما عظمت أو هانت. وقال (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ) فأطلق الفعل ولم يقيده بمفعول معين فلم يقل مثلاً (ما أصابكم من مصيبة) لأن الكلام مطلق وليس خاصاً المخاطبين بخلاف ما جاء مثلاً في سورة الشورى في قوله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) - الشورى (30) فقال (مَا أَصَابَكُمْ) فعدى الفعل إلى ضمير المخاطبين وذلك لأن الكلام يتعلق بهم ولذلك قال: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) . ومثل ما جاء في سورة الحديد من الإطلاق قوله تعالى في سورة التغابن (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ ) - التغابن (11) فإنه أطلق الفعل لأنه أراد الإطلاق والعموم ولم يقيده بمصاب معين. (وقال قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ ) ولم يقل (من قبل أن تقع) ليدل بذلك على علمه وقدرته وعلى أنه هو الذي أوجدها. ولو قال (من قبل أن تقع) لدل على علم بها ولم يدل على أنه هو الذي أوجدها. وقد دل قوله (وقال قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ) على التوحيد أيضاً ونفى الشرك ذلك لأن كل ما يحدث من مصيبة في الأرض أو في الأنفس إنما برأها هو وليس غيره فدل ذلك على عدم الشريك. ولو قال (من قبل أن تقع) لم يدل على ذلك صراحة. وقوله (فِي كِتَابِ) يدل على القضاء والقدر وأن كل شيء مدون قبل وقوعه وأن الأمور لا تجري اعتباطاً دون علم مسبق مما يدل على بالغ حكمته سبحانه. وضمير النصب في (نَبْرَأَهَا ۚ) يحتمل أنه يعود على المصيبة أو على الأنفس أو على الأرض أو على جميع ذلك (1). وهو الأولى أي إن ما يقع من مصيبة في الأرض أو في الأنفس إنما هو مدون في كتاب قبل خلق الأرض وقبل خلق الأنفس وقبل وقوع المصيبة. وجمع ضمير الفاعل في الفعل (نبرأها) للتعظيم ثم عقب على ذلك بالإفراد فقال (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ليدل على أنه واحد لا شريك له. وهو ما جرى عليه التعبير في القرآن كما أشرت أكثر من مرة فإنه لم يأت بضمير التعظيم مرة إلا سبقه أو أتبعه بالإفراد. (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) قدم الجار والمجرور (عَلَى اللَّهِ) على خبر إن (يَسِيرٌ) للدلالة على الحصر أي أن ذلك على الله وحده يسير لا على غيره، أما غيره فلن يستطيع ذلك. ولو قال (إن ذلك يسير على الله) لدل على أنه يسير على الله وليس فيه حصر اليسر عليه. فقولك (هو هين علي) يعني أنه هين عليك ولا يعني أنه ليس هيناً على غيرك بخلاف ما لو قلت (هو على هين) فإنه حصر الهون عليك لا على غيرك.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴿٦٩﴾    [يس   آية:٦٩]
بنامج لمسات بيانية سوة يس أية 69
روابط ذات صلة:
  • ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧٠﴾    [يس   آية:٧٠]
بنامج لمسات بيانية (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) قد يكون المقصود بقوله (لينذر) القرآن أو الرسول فكلاهما منذر. قال تعالى (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يس (10) والمقصود به الرسول. وقال (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ) الأحقاف (12). والمنذر ههنا الكتاب. فالرسول منذر والقرآن منذر. وقوله فمن كان حياه ذكرت فيه أقوال: منها أن المقصود به من كان حي القلب حي البصيرة فينتفع بالإنذار. وقيل إن المقصود به من كان عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت. وقيل إن المقصود به من كان مؤمناً لأن الإيمان حياة فمن كان مؤمناً كان حياً قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام )۱۲۲ وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ) الأنفال (24). وقيل إن المقصود من كان قلبه صحيحاً يقبل الحق ويأبى الباطل. وقيل إن المقصود به كل حي على وجه الأرض كقوله تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ ) الأنعام (19). وقيل إن المقصود به من كان حياً في علم الله أي علم الله أنه سيؤمن بهذا الإنذار(1). وكل هذه الأقوال محتملة وأن كل هؤلاء معنيون بالإنذار. قال تعالى: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)الكهف (4). وهذا إنذار للكافرين. وقال( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ)الأحقاف (12). وقال (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)الفرقان (1). وقال (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ ) فاطر (18) وهذا إنذار للمؤمنين. فالإنذار عام لكل الخلق مؤمنهم وكافرهم، محسنهم ومسيئهم إلا أن الذي يترجح في ظني هنا والله أعلم أن المقصود بقوله (من كان حياً) ما قصده في أول السورة بقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذلك لأنه قال بعد ذلك (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فجعل من كان حياً بإزاء الكافرين. وأن كان كل من ذكرته الأقوال محتملاً مطلوباً له الإنذار.  ومعنى (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي تجب عليهم كلمة العذاب (2). ومعنى (حق القول) في القرآن وجب العذاب كما ذكرناه في أول السورة. وذلك أن الله سبحانه قال في الأزل وقال في كتبه المنزلة على رسله أنه من كفر به أدخله النار وعذبه بعد إلزامهم بالحجة. والحجة هي ما أنزل الله على لسان رسله وبلغوهم به فيحق القول بعد الإنذار وإلزامهم الحجة. قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء (15). قال تعالي (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) الإنسان (4). وقال (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى (26) وقال (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران (131). جاء في (التفسير الكبير): (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى ( وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وقوله تعالى (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) وذلك لأن الله تعالى قال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب (3). وفي مقابلة الكافرين للحي في قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) إشارة إلى أن الكفار أموات وهو ما ذكره ربنا في أكثر من موطن، قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام (122). جاء في (أنوار التنزيل) "وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة" (4). إن هاتين الآيتين ارتبطتا بأول السورة ارتباطاً لطيفاً من نواح عدة. 1- فقد قال تعالى في أول السورة (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يعني أنه ليس بشاعر وهو يناسب قوله( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) وقوله (عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقوي ذاك فإن الشعراء كما قال رب العزة في كل واد يهيمون فهذا مما يعضد هذا المعنى. ٢- وقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) يعني أن القرآن ليس بشعر وهو يناسب قوله (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) 3- أن قوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ) يناسب قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) 4- وأن قوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يناسب قوله (ويحق وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ). 5- لقد وصف الله القرآن في أول السورة بأنه حكيم فقال (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، ووصفه هنا بأنه مبين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ذلك أنه قال في أول السورة أنه على صراط مستقيم ومعرفة الصراط المستقيم من غيره تحتاج إلى حكمة والسير على الصراط المستقيم يحتاج إلى حكمة فوصفه بأنه حكيم. وههنا أراد أن يبين أن القرآن ليس بشعر وهذا أمر لا يحتاج إلى حكمة وإنما يحتاج إلى تبيين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) فكان كل وصف في مكانه أنسب. 6- سمى الله تعالى ما أنزله على رسوله قرآناً وذكراً ههنا فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). وقال في أول السورة (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ )وقال بعد ذلك (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) فسماه في الموطنين قرأناً وذكراً. وقد يكون من المناسب أن نذكر أنه قدم القرآن في أول السورة وأخر الذكر فقال (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ثم قال في الآية الحادية عشرة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) .وههنا قدم الذكر وأخر القرآن فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) ولعل من دواعي ذلك أنه في أول السورة بدأ بالكلام على القرآن ثم أخر الكلام على ما يشبه الطمس والمسخ وهو قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا...) فقدم القرآن لذلك. وههنا بدأ بالطمس والمسخ وأخر الكلام على القرآن فقال (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ...وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) ثم قال بعد ذلك (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) فأخر ذكر القرآن لذلك والله أعلم. وهو من الموافقات اللطيفة. وهذا من لطيف الارتباط والتناسب.
روابط ذات صلة:
  • ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴿٧١﴾    [يس   آية:٧١]
برنامج لمسات بيانية (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ) بعد أن ذكر أن آيات الله المنزلة ليست بشعر وأن الرسول ليس بشاعر وإنما هي ذكر وقرآن مبين لفت نظرهم إلى آيات الله في خلقه فذكر أقرب شيء إليهم وألصقه بحياتهم وهي الأنعام فقال أو لم يروا إلى هذه الأنعام وإلى قدرة خالقها فيذكروا نعمة ربهم عليهم بها فيشكروه عليها ويفردوه بالعبادة؟ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (أَوَلَمْ يَرَوْا) يرد في القرآن الكريم التعبير (أوَلم يروا) بالواو بعد همزة الاستفهام وقد يرد (ألم يروا) من دون واو كما مر في هذه السورة في قوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ (31).) وهذه الواو عند النحاة هي واو العطف وهي تعطف على مذكور وقد تعطف على مقدر. فالمعطوف على المذكور نحو قولنا (ألم تر إلى خالد ماذا فعل أوَلم تر إلى أخيه كيف أنكر عليه؟) فهذا عطف على مذكور. أما المعطوف على المقدر فهو قسمان: قسم جرى له ذكر من غيرك فتبني عليه كلامك. وقسم لم يجر له ذكر صريح ومع ذلك تأتي بالواو على التأويل وتقدير المعنى. فالأول كأن يقول محدثك: رجع خالد من الموصل. فتقول له: أوّ زرته بعد عودته؟ فتبني كلامك على ما ذكره المتكلم. جاء في (كتاب سيبويه): "(هذا باب الواو التي تدخل عليها ألف الاستفهام) وذلك قولك: هل وجدت فلاناً عند فلان؟ فيقول: أوّ هو ممن يكون عند فلان؟ فأدخلت ألف الاستفهام. وهذه الواو لا تدخل على ألف الاستفهام وتدخل عليها الألف (1)". وجاء في (النكت في تفسير كتاب سيبويه) للأعلم الشنتمري. فإذا قال القائل: هل وجدت فلاناً عند فلان؟ فقال المجيب: أو هو (2) ممن يكون عنده؟ كلام المخاطب عطف على كلام المتكلم باستفهام وغير استفهام" (3). والقسم الآخر كما في الآية هذه وكقوله تعالى في سورة الملك: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ) الملك (19). يبني ذلك على ما تقدم من الأمور المشاهدة المعلومة فيعطف عليها. وقد ذكروا في الفرق بين (أولم تر) و(ألم تر) في القرآن الكريم أن (أوّلم تر) بالواو إنما تكون لما هو مشاهد و(ألم تر) إنما تكون في الاستدلال بالنظر العقلي. وقالوا أيضاً: أن (أولم تر) يستعمل فيما كثر أمثاله في الحياة مما هو مشاهد. أما (ألم تر) من دون الواو فهو من باب ما لا يكثر مثله. جاء في (البرهان): وأعلم أنه قد وقع في القرآن (ألم يروا كم أهلكنا) في بعض المواضع بغير واو كما في الأنعام، وفي بعضها بالواو، وفي بعضها بالفاء (أفلم يروا). وهذه الكلمة تأتي على وجهين: أحدهما أن تتصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة فيذكر بالألف والواو ولتدل الألف على الاستفهام، والواو على عطف جملة على جملة قبلها، وكذلك الفاء لكنها أشد اتصالاً بما قبلها. والثاني أن يتصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال فاقتصر على الألف دون الواو والفاء ليجري مجرى الاستئناف. ولا ينتقض هذا الأصل بقوله في النحل( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ) لاتصالها بقوله( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) وسبيلها الاعتبار بالاستدلال فبُني عليه (ألم يروا إلى الطير)(4). وجاء في درة التنزيل: "وكل موضع فيه بعد ألف الإنكار واو ففيه تبكيت على ما يسهل الطريق إلى ما بعد الواو فالاعتبار لكثرة أمثاله كقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) كأن قائلاً قال: كذبوا الرسل وغفلوا عن الفكر والتدبر فقال: فعلوا ذلك ولم ينظروا إلى المشاهدات التي تنبه الفكر فيها من الغفلة. وكذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) كأنه قال: كذبوا ولم ينظروا إلى ما يردع عن الغفلة من الفكر في المشاهدات... وكل ما فيه واو مثل (أولم يروا) فهو تنبيه على ما تقدمه في التقدير أمثال منبهة لكثرتها فالتبكيت فيه أعظم فهذا كله في المشاهد وما في حكمته. وما ليس فيه واو مثل (ألم يروا) فهو ما لم يقدر قبله ما يعطف عليه ما بعده لأنه من باب ما لا يكثر مثله وذلك مما يؤدي إلى علمه بالاستدلالات كقوله في سورة الأنعام أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا) إلى قوله (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) وهذا ما لم يشاهدوه ولكن علموه" (5). وقد قال في آية يس هذه (أولم) بالواو لأنه ذكر أمراً يقع الاستدلال فيه بالمشاهدة كأنه قال: إن ما ذكرناه من الآيات والدلائل لم يهدهم إلى الحق ويردعهم عن الشرك أو لم يروا إلى ما يشاهدونه كثيراً ويعيشون معه وينتفعون به وهو الأنعام كيف ذللها الله لهم وسخرها لمنفعتهم؟ وبذلك يوجه أنظارهم إلى ما هو كثير المشاهدة فيستدل به. ونحو ذلك أن تحاجٌ أحداً وتأتي له بالبراهين والأدلة فلم يقتنع فتأتي له ببرهان ظاهر الدلالة سهل المسلك كثير الوقوع. جاء في (روح المعاني): "(أولم يروا) الهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة منفية مقدرة مستتبعة للمعطوف أي ألم يتفكروا أولم يلاحظوا أو ألم يعلموا علماً يقينياً مشابهاً للمعاينة. زعم بعضهم أن هذا عطف على قوله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا)الخ. والأول للحث على التوحيد بالتحذير من النقم وهذا تذكير بالنعم المشار إليها بقوله (إنا خلقنا لهم) أي لأجلهم وانتفاعهم (6). أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) أسند الخلق إلى نفسه فقال (أنا خلقنا) ولم يبني للمجهول فيقول (خُلق) كما قال في مواطن أخرى من نحو قوله (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)) النساء (28) وذلك أن هذا من باب التفضل والإنعام. والقرآن الكريم يسند النعمة والتفضل والخير إلى نفسه سبحانه. ثم إنه لو بناه للمجهول لم يدل على أن الخالق هو الله سبحانه. ولا يتناسب ذلك مع السياق الذي وردت فيه الآية والذي أراد الله فيه أن يظهر آياته ونعمه على خلقه ليعبدوه ويوحدوه فتكون الجهة مجهولة. ثم إنه قال (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) وإذا كان الفاعل مجهولاً كانت الجهة التي يوجه إليها الشكر مجهولة فلا يعرفون الجهة التي ينبغي أن يقدموا لها الشكر. وقد تقول: لقد أسند الخلق هنا إلى ضمير المتكلم وأسنده في سورة النحل إلى ضمير الغائب فقال(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) مع أن الموطنين متشابهين. فما الفرق؟ ولم ذاك؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب لما ورد فيه من أكثر من وجه. من ذلك أن السياق في سورة النحل مبني على الإسناد إلى ضمير الغيبة بل إن جو السورة مبني على ذلك، قال تعالي: ( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ ... خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ... وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ ... وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ... هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ ... يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ ... وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ... وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ... وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) وغير ذلك. وأن السياق في سورة يس مبني على الإسناد إلى ضمير المتكلم وأن جو السورة كذلك. قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ... وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا... إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ ... إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ... وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ... أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا... وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا... وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ .. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ... الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ ... وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ... أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ ... وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ... أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ) إلى آخره. وغير ذلك وغيره. فناسب كل تعبير الموطن الذي ورد فيه. ثم إن ما ورد في يس أكثر تكريماً وتفضلاً مما ورد في النحل فأسنده إلى نفسه. وهذا هو الخط العام في إسناد النعمة والخير والتفضل. وإن الآيات التي ورد فيها كل تعبير يوضح ذاك. قال تعالى في يس: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) وقال في سورة النحل: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (5 - 7)) فقد ورد ضمير المتكلم الذي يعود على الله سبحانه أربع مرات في يس وهي: إنّا، خلقنا، أيدينا، ذللنا. ولم يرد ضمير الغيبة الذي يعود على الله سبحانه إلا مرة واحدة في النحل وهو الضمير المستتر في (خلقها). ثم لننظر إلى مواطن التكريم في الموضعين: ١- قال في يس (خَلَقْنَا لَهُمْ) فجعل الخلق لهم. في حين قال في النحل ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ) ولم يقل (لكم) وإنما قال (لكم فيها دفء) (7). ۲- قال في يس( مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)للدلالة على الاهتمام والتكريم كما تقول: هذا صنعته لك بيدي. ولم يقل مثل ذلك في النحل. ٣- قال في يس (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) فملكها لهم. ولم يذكر في النحل أنه ملكها لهم. 4- قال في يس إنه ذللها لهم فقال (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) ولم يقل مثل ذلك في النحل. 5- ذكر في يس أن منها ركوبهم. وذكر في النحل أنها تحمل أثقالهم في الأسفار. 6- ذكر في يس أن لها فيها مشارب. ولم يذكر مثل ذلك في النحل. 7- ذكر في يس والنحل أنهم منها يأكلون. ۸- ذكر في يس والنحل أن لهم فيها منافع. 9- ذكر في النحل أن لهم فيها دفئاً. ولم يذكر ذلك في يس. وهو يدخل في المنافع التي ذكرها في يس. 10 - ذكر في النحل أن لهم فيها جمالاً حين يريحون وحين يسرحون. ونلخص ما تفرد به كل موضع من الموضعين. ما تفردت به سورة يس: 1- أن الخلق لهم. 2- تمليكها لهم. 3- تذليلها لهم. 4- الركوب. 5- المشارب. ما تفردت به النحل: 1- الدفء. 2- حمل الأثقال. 3- الجمال. وأظن أن معرفة أي الموطنين أكثر تكريماً وتفضلاً مما لا يحتاج إلى بيان. هذا إضافة إلى أنه يحسن بنا أن نذكر أن ما تفردت به النحل يدخل في المنافع التي ذكرها في يس بقوله وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ. أما ما تفردت به يس فقد لا يدخل في المنافع كالتمليك والتذليل وأن الخلق لهم فناسب كل تعبير الموضع الذي ورد فيه من كل وجه. والله أعلم. وقد تقول: لقد استعمل في القرآن في يس الفعل (خلق) فقال (أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)، واستعمل في سورة غافر الفعل (جعل) فقال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) (79. فلم ذاك؟ وما الفرق؟ والجواب أنه قال في يس (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) وقال في غافر.( فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) فجاء في يس بما هو أدعى للشكر. فالقول (خلقته لك) أدل على الاهتمام والعناية من (جعلته لك) ذلك أن الخالق له إنما جعله له ابتداء قبل إيجاده فلا يشترط فيه ذاك. ونحو ذلك أن تقول (صنعت هذه السيارة لك) أو (جعلت هذه السيارة لك). فقولك (جعلتها لك) معناه (ملكتها إياك)، وجعلتها لتستفيد منها ومعلوم أنها لم تصنع لك ابتداء. أما قولك (صنعتها لك) فمعناه أنها صنعت لك ابتداء لا لغيرك. فقوله (خَلَقْنَا لَهُمْ) أدل على الاهتمام والعناية وأدعى إلى الشكر. ثم إن ما ورد في الآيتين يوضح ذلك. قال تعالى في سورة غافر: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) فالذي ذكره في يس أدعى إلى الشكر مما في غافر ذلك أنه قال في يس: (أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)، (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)، (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)، و (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ)، (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ)، (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ)، و (لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ)، و (مَشَارِبُ)، في حين قال في غافر: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ) (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا)، (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ). و(َلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ). فزاد في يس علة ما في غافر: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) و (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) و (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) وزاد (المَشَارِبُ) على المنافع فكان ما في يس أدعى إلى الشكر. ومما حسن ذلك أيضاً أنه تكرر ذكر الجعل في غافر وتكرر ذكر الخلق في يس فقال في غافر: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ- (61). وقال: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا (64). فناسب قوله: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ) وقال في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) وقال (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ.) (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) فناسب ذكر الخلق في يس وذكر الجعل في غافر من كل وجه والله أعلم. (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) معنى (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا( أي ما تولينا نحن إحداثه وعمله من غير واسطة ولا شركة ولا يمكن لغيرنا أن يعمله(8). وأسند العمل إلى اليد لأن الأشياء المصنوعة إنما تباشر باليد فيقال: هذا مما عملته يدي. فعبر عن ذلك بما يقرب من أفهامهم. جاء في (البحر المحيط): "لما كانت الأشياء المصنوعة لا يباشرها البشر إلا باليد عبر لهم بما يقرب من أفهامهم بقوله (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) أي مما تولينا عمله ولا يمكن لغيرنا أن يعمله. فبقدرتنا وإرادتنا برزت هذه الأشياء لم يشركنا فيها أحد"(9). وجاء في (فتح القدير): "(مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة. وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق كما يقول الواحد منا: (عملته بيدي) للدلالة على تفرده بعمله"(10). و (مَا) تحتمل أن اكون اسماً موصولاً فيكون المعنى (خلقنا لهم من الذي عملته أيدينا) أي من الأشياء التي عملتها أيدينا. وتحتمل أن تكون مصدرية فيكون المعنى (خلقنا لهم من عمل أيدينا). وكلاهما مراد ولكل منهما دلالة. ولو عبر عن ذلك بـ (الذي) فقال (من الذي عملته أيدينا) لكان نصاً في الموصولية الاسمية ولم يحتمل المصدرية. وكذلك لو قال (مِمَّا عَمِلَتْه أَيْدِينَا) فذكر العائد. ولم يقل أياً منهما للتوسع في المعنى والله أعلم. ثم إنه قال (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ولم يقل (ما عملت أيدينا) ليدل على أن هذا بعض ما عملته يد القدرة الإلهية ولو قال (ما عملت) لاقتصر العمل على الأنعام. فما قاله أدل على التنوع وأدل على القدرة والتكريم. وقال (أَيْدِينَا) بصيغة الجمع ذلك لأنه ذكر نفسه بصيغة الجمع (أَنَّا خَلَقْنَا). والملاحظ في القرآن أنه إذا ذكر الله نفسه بصيغة الإفراد أفرد الليل أو ثناها فيقول (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح (10) ويقول (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) المائدة (64) ويقول (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ص (75) – وإذا ذكر نفسه بصيغة الجمع جمع اليد كقوله تعالى (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) وهو المناسب. (أَنْعَامًا ) الأنعام جمع نَغّم وهي البقر والغنم والإبل(11). وهو مفعول (خَلَقْنَا) وقدم الجارين على المفعول للاهتمام بشأنهما فقال (خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) فقدم ما يتعلق بتكريمهم وهو (لَهُمْ) أي لأجلهم للدلالة على الاهتمام بالإنعام عليهم وتكريمهم ولأنهم العلة في خلق الأنعام فقدم العلة على المعلول. ووضع الأنعام بجنب ما عملته الأيدي لأنها بعض منه. (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) قدم الجار والمجرور (لَهَا) على (مَالِكُونَ) للاهتمام بشأن المملوك وذلك لأنها من أهم أموالهم وأكرمهم عليهم فقدمها للاهتمام بها. ولا يفيد هذا التقديم قصراً. ونحو هذا التقديم مما لا يفيد القصر قوله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يوسف (72) فقدم (بِهِ) على (زَعِيمٌ) لأهمية حمل البعير آنذاك وليس معناه أنا زعيم به دون غيره. ونحو هذا أن يقول شخص (من يتكفل بدّيني وأهلي وأنا أكفيكم أمر هذا الفاتك قاطع الطريق؟) فيقول له قائل: (أنا بذلك كفيل). فليس معناه أنا كفيل بذلك دون غيره وإنما قدمه للاهتمام فإن هذا الأمر هو ما أهمه وهو الذي يحول بينه وبين تولي أمر قاطع الطريق فيقدمه للاهتمام. هذا علاوة على رعاية الفاصلة. وقال (مَالِكُونَ) بالاسم ولم يقل (يملكون) للدلالة على ثبات الأمر واستقراره ولو قال (يملكون) لاحتمل عدم الثبوت والحصول وأنهم غير مالكيها الآن وأنهم سيملكونها في المستقبل. جاء في (روح المعاني) في قوله (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ): "وقدم لرعاية الفواصل مع الاهتمام، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها"(12). وتمليكها للإنسان من تمام النعمة عليهم فلو خلقها لهم من دون تمليك لما كان بها تمام الانتفاع. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله تعالى (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ): إشارة إلى تمام الإنعام في خلق الأنعام فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها (13). وجاء في (الكشاف): "أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون, أو فهم لها ضابطون قاهرون" (14).
روابط ذات صلة:
  • ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣﴾    [سبأ   آية:١٣]
برنامج لمسات بيانية سورة سبأ أية 13
روابط ذات صلة:
  • ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ﴿١٠٢﴾    [الكهف   آية:١٠٢]
* النار والعياذ بالله دركات وفي سورة الكهف (إنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)) فما اللمسة البيانية في كلمة نزلاً ونحن نعلم أن الجنة تكون نزلاً؟(د.فاضل السامرائي) النزل هو طعام الضيف أول ما يُقدّم، من مكان وطعام هذا النزل. فهنا قالوا هي جهنم نزل فما بعدها؟ إذا كانت جهنم هي نزل استقبال فيا ترى ماذا بعدها؟ّ أكيد شيء كبير جداً. لذلك يعتبر من أشد التخويف لأن جهنم كلها نُزُل، هذا تقديم إستقبال، ترى ماذا أعد ربنا بعد ذلك من عذاب؟! لذلك هذا من باب التخويف والتحذير الشديد.
روابط ذات صلة:
إظهار النتائج من 8171 إلى 8180 من إجمالي 12325 نتيجة.