برنامج لمسات بيانية
﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ٧﴾ [المجادلة: 7]
* * *
مناسبة هذه الآية للآية قبلها مناسبة ظاهرة ، فإنه لما ذكر سبحانه في الآية السابقة أن الله يبعث الكافرين جميعًا فينبئهم بما عملوا دل ذلك على علمه سبحانه ؛ فإن الله أحصى ما عملوه ونسوه.
ثم إنه لما ذكر فيها شهادته على كل شيء فقال:﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ ناسب ذلك أن يذكر في هذه الآية علمه بما في السموات وما في الأرض وما يتناجى به الناس ويعلم ما عملوه ، وليس العلم بذلك فقط ، وإنما هو معهم أينما كانوا ، وإنه ينبئهم بما عملوه يوم القيامة، كما ذكر في الآية قبلها أنه ينبئهم بما عملوا ، ثم ذكر أن الله بكل شيء عليم.
فذكر في الآية السابقة شهادته على كل شيء، وذكر في هذه الآية علمه بكل شيء.
فهو سبحانه يعلم ويشهد كل شيء، ولئلا يظن أنه يعلم عن طريق الإخبار ذكر سبحانه أنه على كل شيء شهيد ، فهو يشهد كل شيء وعليم بكل شيء ، فاستوفى صفات الكمال في العلم.
فقوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ﴾ يدخل في قوله سبحانه:﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيد﴾
فذكر في هذه الآية معيته وعلمه سبحانه.
ثم إن المعية قد تكون أقرب من المشاهدة والشهود، وهو الحضور ، فقد تشاهد الشيء وأنت بعيد عنه ، وقد تشهد الجماعة ولست معهم ، فذكر أنه معهم.
فذكر علمه ما في السموات وما في الأرض.
وذكر معيته لخلقه.
وذكر علمه بكل شيء.
﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾.
﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم ، وفيها معنى التعجيب. وهنا عجيب من سعة هذا العلم وإحاطته بكل شيء، فإنه سبحانه يعلم ما في السموات وما في الأرض ، ويعلم كل شيء . جاء في (روح المعاني): ((قوله تعالى ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ استشهاد على شمول شهادته تعالى، أي: ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات ، سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما)).
﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ﴾.
قوله:﴿مَا يَكُونُ﴾ يدل على الاستمرار في كل ما يكون من ذلك ، وليس ذلك في وقت معين أو حالة معينة أو مكان معين.
وجاء بـ ﴿مِن﴾ فقال:﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ﴾ للدلالة على الاستغراق ، فلا تكون نجوى من أي عدد كان إلا والله معهم ((أو على أن المعنى: ما يكون شيء من النجوى)).
وقيل في تخصيص العددين بالثلاثة والخمسة أكثر من وجه:
(( (أحدها) أن قومًا من المنافقين تخلفوا للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة ... فالآية تعريض بالواقع على هذا)).
((أو لأن الله وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الأوتار، أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين ، وثالث يتوسط بينهما)).
جاء في (تفسير الرازي) في هذه الآية: ((إن أقل ما لا بد منه في
المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة ، حتى يكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والاثبات ، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما ، فحينئذ تكمل تلك المشورة ويتم ذلك الغرض.
وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكمًا مقبول القول ؛ فلهذا السبب لا بد وأن تكون أرباب المشاورة عددهم فردًا.
فذكر سبحانه الفردين الأولين، واكتفى بذكرهما تنبيهًا على الباقي)).
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾.
فذكر النجوى أولًا ، ثم ذكر العمل بعد فقال أولًا:﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ﴾ وقال بعد:﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ فذكر النجوى والعمل، فلا يغيب عنه العمل، كما لا تغيب عنه النجوى.
لقد قال في هذه الآية:﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾.
فجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾.
وقال في الآية السابقة:﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ﴾.
فجاء بالفاء فقال: (فينبئهم).
ذلك أن هذه الآية فيمن هم في الدنيا فقال: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾.
فجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي.
أما الآية السابقة فهي في الآخرة، فقد قال:﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم﴾.
فجاء بالفاء الدالة على التعقيب، وذلك لأنهم في يوم القيامة عند البعث.
فناسب كل تعبير موضعه.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيم﴾.
أكد علمه بكل شيء ، وهذا التأكيد مناسب لما ذكر علمه بما في السموات وما في الأرض وما يكون من النجوى والعمل، ومناسب لما ذكره في الآية السابقة من شهادته على كل شيء.
قد تقول: لقد أكد ربنا سبحانه في هذه الآية علمه بكل شيء فقال:﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيم﴾ فأكده بـ ﴿إِنَّ﴾.
وقد يقول:﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ فلا يؤكد: وذلك نحو ما جاء في آية الدَّين من سورة البقرة، فقد قال سبحانه في الآية:﴿يَوَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ٢٨٢﴾ [البقرة: 282]
ونحو قوله سبحانه في آية النور:﴿ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ٣٥﴾ [النور: 35]
وغير ذلك من الآيات.
فما الفرق؟
فنقول: إن السياق في كل ما ورد من نحو ذلك ليس في العلم الشامل، فإن آية الدين إنما هي في كتابة الدين والإشهاد في المبايعات ، وليس السياق في سعة علم الله وإحاطته بكل شيء ، فلم يؤكد.
وكذلك في آية النور وهي قوله تعالى:﴿۞ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾.
إلى قوله:﴿وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ٣٥﴾
والسياق ظاهر أنه ليس في إحاطة علم الله بكل شيء وعلمه بكل شيء.
قد تقول: ولكنه قال في آية أخرى: ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ٦٤﴾ [النور: 64]
فقال:﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾ مع أن السياق شبيه بآية المجادلة.
فنقول: إن السياق مختلف.
فقد ذكر في آية النور هذه أنه له ما في السموات والأرض ، فذكر أن له ما فيهما ، ولم يذكر علم ما فيهما.
بخلاف ما جاء في آية المجادلة ، فقد قال فيها:﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا
فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾.
فأكد علمه ما فيهما.
وقال في آية النور:﴿قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ والخطاب لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن السياق فيهم ، فقد قال سبحانه:﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَٔۡذِنُونَكَ ﴾ [النور: 62].
ثم قال:﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ٦٣﴾
ثم قال:﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ ٦٤﴾ [النور: 64]
فالمذكورون في آية النور جزء من المذكورين في آية المجادلة ، وهم جميع الناس.
فناسب التوكيد في آية المجادلة.
وهكذا كل ما ورد في نحو ذلك مما هو غير مؤكد؛ فإنه ليس في العلم الشامل المحيط.
فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه ، والله أعلم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 104: 111)
برنامج لمسات بيانية
آية (12) :
* في سورة الأنعام (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (12)) وفي آية أخرى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (54) الأنعام) حذف الفعل وذكر الفاعل وما اللمسة البيانية الموجودة في كلا الآيتين؟(د.فاضل السامرائى)
لو نقرأ الايتين يتضح الجواب عن السؤال. (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (12)) ذكره قبله (قل لله). الآية الأخرى (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54)) لو لم يذكر الفاعل من الذي يكتب؟ لا بد أن يذكره هنا لأنه لم يمر له ذكر بينما في الأولى ذكر الفاعل (قل لله) فلا بد من ذكر الفاعل في الثانية فقال (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، كتب بمعنى قضى على نفسه الرحمة.
برنامج لمسات بيانية
آية (23) :
* (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) الروم) ما دلالة عطف النهار على الليل؟ ولماذا لم يقل وابتغاؤكم بالنهار من فضله؟(د.فاضل السامرائى)
الابتغاء قد يكون بالليل وقد يكون بالنهار، ليس كل الناس تنام في الليل، قسم شغلهم بالليل، هناك عمل في الليل، هناك حرّاس في الليل. الإطلاق هو الصواب وليس التخصيص.
*(وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هناك أناس تنام بالنهار؟
طبعاً إذا كان حارساً بالليل ينام بالنهار، إذن هو ليس مجدداً ولا مقيداً.
*هل الآية تعني النوم بالليل أم بالنهار أم بهما معاً؟
الناس هكذا منهم من ينام بالليل ومنهم من ينام بالنهار ومنهم من يبتغي فضله بالليل ومنهم من يبتغي فضله بالنهار، لا تحتاج إلى تحديد أصلاً الإطلاق هو الصحيح. لماذا يحدد فضله بالنهار والليل؟!
*يقولون (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ) الفهم أن آية الله سبحانه وتعالى أن ننام بالليل لا ننام بالنهار؟ أم أن الآية هو النوم في حد ذاته؟ ليس النوم بالليل. النوم والابتغاء من الفضل وليس من باب التقييد .
برنامج لمسات بيانية
آية (18):
*ما اللمسة البيانية في استعمال صيغة المضارع مرة وصيغة الماضي مرة أخرى في قوله تعالى (من كان يريد الآخرة) و (من أراد الآخرة)؟(د.فاضل السامرائى)
استعمال فعل المضارع مع الشرط يكون إذا كان مضمون أن يتكرر. أما استعمال فعل الماضي فالمضمون أن لا يتكرر أو لا ينبغي أن يتكرر. كما نلاحظ أيضاً في قوله تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) ينبغي تكرار الشكر لذا جاء بصيغة الفعل المضارع (يشكر) أما الكفر فيكون مرة واحدة وهو لا ينبغي أن يتكرر فجاء بصيغة الماضي في قوله (كفر). كذلك في قوله تعالى (من قتل مؤمناً خطأ) المفروض أن القتل وقع خطاً وللمفروض أن لا يتكرر أما في قوله تعالى (من يقتل مؤمناً متعمداً) هنا تكرار للفعل لأنه قتل عمد.
* في إجابة أخرى للدكتور فاضل :
(مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) العاجلة هي الدنيا، من كان يريد تعني الاستمرار، من كان همّه وديدنه الدنيا فقط ولا يريد الآخرة. الاستمرار في الدنيا على إرادة الدنيا همّه ذلك، ديدنه ذلك ومستمر على ذلك، هذه (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) القدر الذي نشاؤه لا يشاؤه هو، ليس بالضرورة أن ينفذ الله له إرادته، الأمر لله، القدر الذي يشاؤه ولمن يريد ليس لكل من طلب. بينما الآخرة لا، (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) ذاك ما نشاء لمن نريد. إذن الدنيا لا يؤتيها لكل من يشاء، (مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) القدْر الذي يريده ، أليس هناك فقراء عندهم؟ إذن (مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) بينما الآخرة (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ) ليست ما نشاء لمن نريد، فقط، الآخرة تحتاج إلى إيمان وسعي لكن الملاحظ أنه ما قال من كان يريد الآخرة وإنما (أراد) وهذا من رحمته سبحانه ذاك غارق في الدنيا وهذا يسعى على قدر ما يسعى وربنا يجزيه ما قال من كان يريد الآخرة وإنما قال (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ) مجرد إرادته والسعي هذه رحمة عظيمة. ما قال من كان يريد الآخرة، من أراد الآخرة وسعى لها وأراد وهو مؤمن.
*(مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ (18) الإسراء) هو يريد العاجلة فما دلالة ما نشاء في ختام الآية؟(د.فاضل السامرائى)
ما يشاء ربنا لا ما يشاء هو.
ما نشاء يعني ما يشاء الله تعالى لمن يريد بالقدر الذي يريده للأشخاص الذين يريدهم، ما نشاء يعني القدر الذي نريده ومن نريده من الناس لا من يريده هو، ما يشاء الله تعالى لمن يريد من الأشخاص بالقدر الذي يريد.
برنامج لمسات بيانية
* في سورة يوسف (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)) ولما دخل في السجن قال صاحب السجن (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ (36)) وملك مصر قال (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ (43)) فما دلالة تغير الفعل رأى في الحالات الثلاث مع أنها كلها أحلام؟ (د.فاضل السامرائى)
هذا نسمية حكاية الحال. التعبير بالفعل المضارع عن الماضي حكاية حال يعني يريد أن يرسم الصورة التي كانت موجودة. (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91) البقرة) هذه حكاية حال ماضية. يبقى لماذا؟
يوسف لم يطلب تأويل الرؤيا. عندما قال (إِنِّي رَأَيْتُ) لم يطلب تأويل الرؤيا ولم يهتم لها بينما العزيز كان يبحث عن تأويل الرؤيا معناها أنها كانت مهمة له كان يريد تأويلها (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)) (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (44)) (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)) إذن هذه مهمة فيذكرها بحكاية الحال لأنها مهمة عنده يريد تأويلها. وكذلك السجن (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)) طلبوا التأويل أما يوسف فذكر الرؤيا بشكل عادي، لم يطلب التأويل وإنما حلم مستغرب رآه وقاله. ولهذا تختلف الصيغة بقدر الاهتمام.
* وإن كان الكل أحلام؟ الموقف واحد غالباً لم يتغير؟