برنامج لمسات بيانية
* الملاحظ عندما نتصفح القرآن الكريم نقف عند سورة التوبة، ليست هنالك بسملة فلماذا؟وهل هناك لمسة بيانية معينة؟(د. فاضل السامرائي)
مسألة أنه لم تذكر البسملة هذا أمر توقيفى ، جبريل لم ينزل بها، لو نزل بها جبريل لأثبتت، يبقى السؤال هل هنالك لمسة بيانية في ذلك؟ قالوا هذه التسمية - بسم الله الرحمن الرحيم- رحمة وأمان وطبعاً الرحمة أمان وهذه السورة نزلت بالسيف والمنافقين وهؤلاء ليس لهم رحمة ولا أمان ، فالمنافقين ليس لهم أمان والسيف أى لا رحمة .وفيها أيضاً براءة من المشركين
برنامج لمسات بيانية
آية (23):
* في أكثر من موضع في القرآن الكريم وربنا تبارك وتعالى يوصينا بالوالدين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا(23)الإسراء)،ونقرأ في موضع آخر (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا(8)العنكبوت)، ومرة يقول (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (14)لقمان) كيف نفسر هذه الاختلافات بين الآيات الكريمات واللمسة البيانية الموجودة في كل آية؟مع أن الكل يدور حول توصيات الإنسان بوالديه؟(د.فاضل السامرائى)
الآية الأولى في سورة الإسراء (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)) معنى قضى أى امر أمراً مقطوعاً ، (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) فيها أمور نحوية ، نأتى إلى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) كثيراً ما يقول أحسن إلى الناس ب(إلى) (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ(77)القصص)
ولكن هنا قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وليس إلى الوالدين:
الأصل في الإحسان أن يكون ب(إلى) ، يبقى سبب المجيء بالباء: طبعاً فيها أكثر من تخريج نحوى وطبعاً ينسحب عليه البيانى، الإحسان إلى عامة أما الإحسان بهما أى إلصاق الإحسان بهما ، مثل كتبت بالقلم ، تعود إلى الالتصاق سواء بالاستعانة أو غير الاستعانة . يعنى ألصق إحسانك بهما وليس مجرد الإحسان من بعيد- لا يفى بالغرض، وقسم جعل معناها اللطف أى ألطف بهما، هذا تضمين لفظى، كقول يوسف (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ(100)يوسف) معناها هنا اللطف فالله أحسن إلى الناس جميعاً لكن هذا إحسان خاص .
*هل التضمين إشراب فعل دلالة فعل آخر؟
نعم. هو دلنا على إما اللطف أو إلصاق الإحسان بهما. وكلاهما معنى يؤدى إلى زيادة الإحسان إليهما. أيهما يؤدى الدلالة نفسها. قد يكون نوع من التوسع.
نأتى إلى إختيار الوالدين (وَبِالْوَالِدَيْنِ) وليس بالأبوين:
أصل الوالد من الولادة . الأصل أن المرأة التى تلد وليس الرجل ولكنه تغليب، ولذلك الرجل يقال عنه أبّ، ولكن العرب غلّبت وقالت والد ووالدة ، كما أن الأبوين تغليب للأبّ وليس للأم . وتأتى بالغالب مذكر الوالدان مثل القمران أى الشمس والقمر، فالوالدين تغليب للأم والأبوين تغليب للأبّ، وفى الآية ذكر الوالدين وفي القرآن كله لم يأتى البرّ بهما أو الدعاء لهما إلا بلفظ الوالدين، لم يرد بلفظ الأبوين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا(36)النساء) ((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) لو يرد مرة بأبويه (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ(28)نوح) لم يأتى الدعاء لهما أو البر بهما إلا بلفظ الوالدين إلماح إلى الولادة وفي ذلك إلماح إلى أن الأم أحق وأولى بحسن الصحبة ، لكن الأب يأتى في مواضع أخرى كالمواريث لأن نصيبه أكبر (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ(11)النساء) لأن نصيب الأب أكبر من نصيب الأم.
*هل في هذا دلالة في سورة يوسف (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ(4)يوسف ليس لوالده مثلاً؟ هل لهذا دليل في مفاهيم اللغة العربية؟
لا ليس بالضرورة فليس هنا في مقام تغليب هو أخبره بذلك ، خاصة أن الكلام كله يدور بين يوسف وأبيه ولم تذكر الأم أصلاً في جميع القصة ولا في الحديث من أوله إلى آخره .
((وَقَضَى رَبُّكَ) اختيار لفظ الرب فالربّ هو المربّي في اللغة والآن الوصية في المربّي وهما الأبوين فناسب ذكر الربّ الذي هو المربِّي في الوصية فيمن ربياه.
*بالرغم من أنه حكم وأن القضاء هو الحكم؟
نعم لكن اختيار الرب متناسب مع التربية فالله هو الذي أنشأنا وربّانا أجمعين مهما ربيانا.
قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ) ولم يقل ربكم؟
بدأ الخطاب الآن للرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو المبلِّغ .
(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ) إمّا هنا عبارة عن (إن) و(ما) ، (إن) الشرطية و(ما) زائدة مؤكدة وقسم يقول إنها صلة لكن المعنى واحد أنها لو أسقطت تزيل التوكيد على أية حال ، (يَبْلُغَنَّ) نون التوكيد الثقيلة إذن هذا الأمر فيه شدة وثقل وفيه توكيد،
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) معنى أف فى اللغة العربية هى اسم فعل بمعنى ضجر أى لا تسمعهما أى كلمة ضجر وليست هذه تحديداً وإنما كل ما يشعرهما بالضجر .
(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أى تواضع لهما و تذلل (مِنَ الرَّحْمَةِ ) أى من فرط رحمتك بهما ، فنحن نقول هو فعل بهما كذا من حسن أدبه أو فعل ذلك من سوء أدبه أو تواضع لهما من رحمته بهما ، فهى تفيد التعليل.
ثم قال (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) ادع لهما بالرحمة وجاءت بلفظ رب مناسب ل(ربّيانى) و (ربك).
لاحظ الدعاء بالرب الآن ولم يرد في القرآن دعاء إلا بلفظ الرب إلا في موطن واحد (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(32)الأنفال) هذه الآية لا يناسب الدعاء بالرب فالمقام مقام شدة وعذاب. فالربّ هو المربّى وهو المُنعم وهو المتفضل.
لم يرد في القرآن مطلقاً دعاء غير هذا إلا بلفظ الربّ. حتى عيسى بن مريم قال (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء(114)المائدة) لم تأتى بمفرها ولكن جاء معها اللهم .
إذا قارنّا بين الآية ومثيلاتها:
إحدى هذه الآيات فى سورة لقمان (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (14)) والأخرى فى العنكبوت (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا(8)) وفى الأحقاف (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا(15)) ، فى لقمان ما قال إحسانا ولا حسنا ولكن قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا(15)) لم يقلها فى الموضعين الآخرين ، المقام فى لقمان فى المصاحبة والمعاشرة بين الناس (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)) مصاحبة الأب لابنه والابن لأبويه ومصاحبته للآخرين ،والوصية كيف يعامل أبويه وكيف يعامل الناس (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ(19)) آداب ووصايا فى أصول المصاحبة ، وهذا لم يذكر في العنكبوت ولا في الأحقاف. ثم قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا(15)) ولو يقل بمعروف أصلاً مثل آيات الطلاق بمعروف أو بالمعروف.
*ما موقع (مَعْرُوفًا) من الإعراب؟
يمكن أن يكون تمييز أو حال أو مفعول مطلق هذا وسط فى المفعول المطلق أى صاحبهما صحابا معروفا أو حالا معروفا. ولم يقل بالمعروف لأنه أراد أن تكون المصاحبة هى المعروف بعينه وليست بالمعروف .
*لكن حضرتك ذكرت منذ قليل أن هناك الصاق فهل لو قال بمعروف هنالك إلصاق؟
نعم مثل (أمسكوهنّ بالمعروف)(سرحوهنّ بالمعروف) لكن هذه ليس بمعروف وإنما هى المعروف بعينه يعنى الرجل قد ينهر زوجته أو يعضلها أو يضربها ولا يمكن أن يفعل هذا مع الأبوين ولهذا لم يقل بمعروف وإنما هو المعروف بعينه. وأيضاً هو لم يكتفى بالمصاحبة فقط وإنما قال (في الدنيا) فالمصاحبة لها قواعد.
يبقى الفرق بين إحساناً وحسناً:
لاحظ في آية لقمان اشترط على أن أبواه يجاهدانه على الشرك (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي(15)) لكن فى الأحقاف الوالدان مؤمنان (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ(17)). وفى لقمان قال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (14)) ولم يذكر الوضع أما في الأحقاف ذكر الحالتين (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا(15)) ، والجزاء على قدر المشقة لذكر آلام الحمل وآلام الوضع، إضافة إلى أنه قال (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ(15)) ، (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ(17)) فهما مؤمنان. فهو ذكر هنا أنهما مؤمنان وذكر آلام الحمل والوضع ، أما الأخرى كانا يجاهدانه على الشرك.
*ما الفرق بين الإحسان والحسن؟
الإحسان أحسن من الحسن فالإحسان أن يتعدى خيرك إلى الآخرين، أما الحسن فهو حسن في نفسه. هناك فرق بين أن تعامل شخصاً معاملة حسنة وأن تحسن إليه، يعنى الكلام الطيب الكلام الحسن تفضل استرح هذا حسن ، أما الإحسان أن تفعل له، فالإحسان أمكن وأقوى من الحسن فهو معاملة حسنة وزيادة.
في العنكبوت أقل. هما كافران (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي(8)) قال حسناً ولكن هنا أأخف مما في لقمان(وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي(15)) ففيه حمل وشدة واشتراط، مثلاً: إذا قلت لك زوّجتك ابنتى لتعيننى هذا تعليل فقط لغرض أن تعيننى، أما إذا قلت على أن تعيننى هذا أقوى هذا اشتراط مثل قوله تعالى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ(27)القصص). فالمجاهدة في العنكبوت أقل منها في لقمان فصار حسناً وليس فيها مصاحبة بالمعروف ولكن فيها حسن، ولم يذكر أصلاً آلام الحمل أو الوضع كما في الأحقاف.
*قد يسأل سائل: ماذا قال ربنا تحديداً في وصيته لابن آدم بوالديه، إحساناً أم حسناً؟
كلها في سياقها، فالكافر الذي يجاهدك صاحبه فى الدنيا معروفاً، ومن أقل منه تحسن إليه وإن كان كافراً (حسناً) والمؤمن (إحساناً) . هى درجات، والمعروف يجمع كل هذا فليس هناك تناقض.
مرة يقول تعالى (وقضى) ومرة يقول (ووصّينا) ما الفرق ؟
هو قضى ووصّى معاً. ولاحظ أنه قال وصّينا بالتشديد وليس أوصينا للتشديد على الوصية.
*من باب أولى مادام قضى فقد وصّى فلمَ لم يكتفى بالقضاء (وقضى) دون (ووصّينا) بما أنها أقوى؟
الوصية لها دلالة والقضاء له دلالة، فأنت توصي ابنك بكذا وكذا (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (132)البقرة) أما القضاء فهذا أمر الله.
*هل الفرق بين حسناً وإحساناً من قبيل الزيادة فى المبنى تدل على الزيادة في المعنى؟ وإن كان كذلك نود بعض الأمثلة من آي القرآن الكريم وكيف نفهم هذه الصياغة من الناحية البيانية والبلاغية؟
هذا الأمر موجود فى اللغة أن الزيادة فى المبنى زيادة فى المعنى لكن ليس مضطرداً وليست قاعدة مضطردة، هو فعلاً موجود وفيها مبالغة مثل كسر وكسّر صار فيها مبالغة، جهد واجتهد، قطع وقطَّع، علّام وعلّامة هذه التاء زادت المعنى هذا ممكن ، ليس دائماً عندنا حاذر وحذر ، حذِر أبلغ من حاذر وهى صيغة مبالغة أقل فى المبنى ، عالم وعليم نفس الحروف لكن واحد على وزن فاعل والأخرى فعيل صيغة مبالغة فالمشتقات ليست لها دلالة واحدة، والِه وولِه، غاضب وغضوب، نفس عدد الحروف لكن واحد اسم فاعل وواحد صيغة مبالغة من أكبر صيغ المبالغة فعول ، غضبان وغضوب غضبان عدد حروفها أكثر وهى صفة مشبَّهة بينما غضوب صيغة مبالغة، والحقيقة الأرجح أن يقال أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى وليست زيادة المعنى ليس بالضرورة زيادة المعنى.
برنامج لمسات بيانية
آية (42) :
* في قوله تبارك وتعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ(42)آل عمران) ما فائدة التكرار؟(د.فاضل السامرائي)
قسم يرى أنها تكرار للتوكيد، مثل قوله تعالى (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4)يوسف) وقسم يقول أن الاصطفاء الأول غير الاصطفاء الثانى، اصطفاك يعنى اختارك ولطف بك وخصّك بالكرامات بوجود الرزق عندها قبل عيسى وميّزك ، وطهرك من الأدناس والأقذار وما إلى ذلك بالإيمان عن الكفر، والاصطفاء الثانى هو هبة عيسى من غير أبّ جعلهما آية . وهناك من آمن به وتكلم فى المهد يعنى قطع ألسنتهم حينما تكلم في المهد (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)مريم) فقال (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30)) فقطع الألسنة بهذا الكلام وألزمهم بالحجة ، هذا اصطفاء آخر وجعله آية للعالمين ثم ينزل فى آخر الزمان. هما اصطفاءان وأنا أميل إلى هذا الرأى هكذا يبدو لى وإن كان التوكيد محتمل أيضً وهو موجود فى اللغة.
برنامج لمسات بيانية
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)
بدأ بالاستدلال بخلق الإنسان من نطفة، ثم استدل بما هو مستعجب مما حولهم وهو انتقاد النار من الشجر الأخضر ثم ترقى إلى خلق السماوات والأرض وهو أعظم وأعجب ذلك أنه ذكر للإنسان مبدأ خلقه منه وهو النطفة. وذكر للنار أصلاً تخرج منه وهو الشجر الأخضر، ولم يذكر للسماوات والأرض شيئاً خلقهما منه. وهذا أعظم وأعجب فإن الخلق من العدم المحض أعجب وأدل على القدرة. وعلى هذا فلا داعي لاستبعاد البعث بعد الموت فإن أجزاءهم موجودة. وأن جمعها وإعادتها أيسر من خلق شيء ليس له مادة ولا وجود ابتداء وهو خلق السموات والأرض.
ثم قال (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)ولم يقل (على أن يعيدهم) وذلك ليدل على أنه قادر على ما هو أعجب وهو أن ينشئ خلقاً آخر أمثال هؤلاء من غير نطف ولا أجزاء متفرقة كما خلق السموات والأرض ابتداء من غير شيء.
فذكر ما هو أبعد في الخلق وأعسر من الإعادة.
جاء في (البحر المحيط): "ثم ذكر ما هو أبدع وأغرب من خلق الإنسان من نطفة ومن إعادته الموتى وهو إنشاءه هذه المخلوقات العظيمة الغريبة من صرف العدم إلى الوجود فقال (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ"(1).
وجاء في (روح المعاني): "الهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أليس الذي أنشأها أول مرة وليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً وليس الذي خلق السماوات والأرض مع كبر حجمها وعظم شأنهما (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) في الصغر والحقارة بالنسبة إليها"(2).
لقد ذكر ههنا صفتين له سبحانه:
الأولى: صفة العلم بالمخلوقات كلها فقال (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)
والأخرى: صفة الخلق فذكر أنه الخلاق العليم.
فإنه لما ذكر العظام البالية ذكر أنه بكل خلق عليم إشارة إلى أنه عليم بكل شيء، يعلم كل شيء عن كل مخلوق وأين ذهبت ذراته وأين استقرت في أماكن ملكه، وما ذرات العظام إلا جزء يسير يسير من خلقه.
ثم قد لا يكون العلم وحده كافياً فقد يعلم إنسان ما جزيئات آلة من الآلات وأماكنها ولكنه لا يستطيع تركيبها فذكر صفة الخلق على أبلغ حال فقال (وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) فهو بكل خلق عليم وهو الخلاق العليم.
وقال (الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) ولم يقل (خلاق عليم) لئلا يشاركه في هذين الوصفين أحد. فإن الإنسان قد يكون خالقاً على أحد معاني الخلق وهو (التقدير) وقد يوصف بأنه عليم كما قال تعالى لسان سيدنا يوسف عليه السلام (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
ولكن لا يوصف بالخلاق العليم غير الله. فجاء بالألف واللام الدالة على القصر والكمال في هاتين الصفتين.
فذكر ما به كمال الاتصاف في العلم والخلق.
وقد تقول: ولكنه وصف نفسه بأنه عليم في آية سابقة فقال (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)ولم يعرف الوصف؟
فنقول: لما قال (بِكُلِّ خَلْقٍ) علم أن ذلك لا يكون لغير الله فإن لا يكون عليماً بكل خلق غير الله.
ثم إنه لما ذكر خلق الإنسان من نطفة وخلق السماوات والأرض قال (الْخَلَّاقُ) للدلالة على كثرة خلقه واستمراره في الخلق والإيجاد.
والجمع بين الخلق والعلم هنا أحسن جمع فإن الخلق والإيجاد إن لم يكونا عن علم فلا خير فيهما لأنهما قد يكونان عبثاً وقد يكون ضررهما أكبر من نفعهما.
وقال (بِقَادِرٍ) فجاء بالباء الزائدة المؤكدة لأن الموطن موطن إنكار فجاء بما يؤكد قدرته على خلق مثلهم وإعادته.
وقد تقول: لقد ختم الآية ههنا بقوله (وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)وختمها في موطن شبيه به بقوله
(إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)وذلك قوله في (الأحقاف) (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33). فلم ذاك؟
فنقول إن ثمة اختلافاً بين الموطنين يقتضي مغايرة التعبير وذلك أنه قال في آية يس (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) فناسب قوله (وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)
وقال في آية الأحقاف (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فناسب قوله (إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
لقد ذكر فيما سبق من الآيات ما خلق في الماضي وهو قوله (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ) وقوله (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا)وقوله (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)
وهنا ذكر قدرته التي لا تحد في كل وقت في الماضي والحال والاستقبال لئلا يظن أن ذلك أمر قد انتهى فقال (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.)فذكر أنه إذا أراد شيئاً قال له (كُنْ) فيكون كما أمر وكما أراد سبحانه وجاء بالفاء فقال (فَيَكُونُ)ولم يقل (ثم يكون) للدلالة على التعقيب وأنه يكون ما أراده مباشرة كما أمر وليس في ذلك تراخ أو مهلة.
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
نزه الله سبحانه من بيده الملك – وهو يعني ذاته العلية – عن كل نقص ليعلم خلقه أن هذا الخالق المقتدر والذي بيده ملكوت كل شيء هو منزه من كل نقص. فقد يكون المالك المقتدر ظالماً غشوماً وقد تكون فيه صفات نقص فنزه الله نفسه عن كل ذلك بقوله ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ).
والملكوت مبالغة في الملك(1) وهو يكون بمعنى الملك مع العز والسلطان وليس مجرد الملك ففيه مبالغة ما ليس في الملك.
جاء في (لسان العرب): "وملك لله وملكوته سلطانه وعظمته. ولفلان ملكوت العراق أي عزه وسلطانه وملكه... الملك والعز"(2).
وجاء في (فتح القدير): "والملكوت في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت. كأنه قال فسبحان الذي بيده مالكية الأشياء الكلية"(3).
وجاء بالفاء في قوله (فَسُبْحَانَ) للدلالة على السبب فإنه بعدما ذكر ما أولاه من النعم على خلقه وعظيم خلقه في السماوات والأرض وقدرته التي لا تحد استدعى ذلك تنزيه الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.
وقال (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) ليدل على أنه المالك المتصرف في ملكه كما يشاء ولئلا يظن ظان أنه خلق الخلق وتركهم كل يتصرف وحبله على غاربه ليس الله عليه قدرة ولا حكم ولا مشيئة فقال (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)أي "هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بموجب مشيئته وقضايا حكمته"(4).
وقدم (بِيَدِهِ) وهو الخبر على المبتدأ (مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) لإفادة القصر فإن ملكوت كل شيء بيده هو حصراً ليس لآخر فيه نصيب ولا بيده شيء فإن كل يد غير يده صفر.
ثم قال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ليدل على أن ما ذكره من المتصرف في الملكوت ليس مقصوراً في الدنيا وإنما بيده الملكوت في الآخرة كما في الدنيا وأنه إليه المرجع والمصير.
وقال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فقدم الجار والمجرور على الفعل للدلالة على أن الرجوع إليه حصراً لا إلى غيره. جاء في (روح المعاني): "(فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) تنزيه له عز وجل مما وصفوه به تعالى وتعجيب عما قالوا في شأنه عز شأنه.
والفاء جزائية أي إذا علم ذلك فسبحان. أو سببية كأن ما قيل سبب لتنزيهه سبحانه.
والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت فهو الملك التام. وفي تعليق (سُبْحَانَ) بما في حيزه إيماء إلى أن كونه تعالى مالكاً لذلك كله قادراً على كل شيء مقتض للتسبيح. وفسر الملكوت بعالّم الأمر والغيب....
(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) لا إلا غيره تعالى هذا وعد للمقربين ووعيد للمنكرين فالخطاب عام للمؤمنين والمشركين"(5).
لقد قرر في هذه الآية التوحيد والحشر. فقوله (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) يدل على أنه واحد لا شريك له. وقوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إثبات للحشر.
لقد ذكر في هذه السورة أركان الإيمان كلها.
فذكر الإيمان بالله وتوحيده وهو ما بدأت به السورة من قوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) وما انتهت به من قوله (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)
وذكر الإيمان بالرسل وأنه لا يتم الإيمان بهم حتى يؤمن برسول الله (صلى الله عليه وسلم)
وذلك قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقوله (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
وذكر الإيمان بسيد كتبه وهو القرآن فأقسم به وذكر أنه تنزيله فقال (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ... تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)
وذكر الإيمان بالملائكة إشارة وتصريحاً فإنه لما قال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)دل على أن ثمة من أبلغه الرسالة. ولما قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) دل على أن هناك من تنزّل به.
والتصريح هو قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)
وذكر الإيمان باليوم الآخر وجزاء الخلق في ذلك اليوم وهو ما تكرر ذكره في السورة.
وذكر القدر بقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)وقوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ .)
فاستوفت السورة أركان الإيمان التي وردت في الحديث (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقدر خيره وشره.
جاء في (التفسير الكبير): "ويمكن أن يقال أن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين.
فابتداؤها بيان الرسالة بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ودليلها ما قدمه عليها بقوله (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) وما أخره عناه بقوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا) وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر بقوله (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) إشارة إلى التوحيد. وقوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إشارة على الحشر. وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائله وثوابه"(6).
1- لقد ارتبط قوله تعالى (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ... أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ بما ورد في أول السورة في المعاندين وهو قوله لقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.)
وكان الكلام على الأشخاص أنفسهم والمجتمع نفسه.
2- وأرتبط ذكر الحياة بعد الموت في قوله تعالى في أواخر السورة (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ... قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)
بقوله في أول السورة (إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا .)
3- وارتبط ذكر النسيان والغفلة في قوله تعالى في أواخر السورة (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ )بقوله ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)
فكلاهما غافل فالأول غفل عن خلقه هو كما هم غافلون عن الإنذار. فجمع الغفلتين العظيمتين: الغفلة عن النفس والغفلة عن الرسالة.
4- ابتدأ السورة بذكر الرسالة الخاتمة وذكر خاتم الرسل فقال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
وختمها بختام الدنيا وانتهائها فقال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
لقد بدأت السورة بالإرسال وانتهت بالرجوع إلى المرسل فقال في الأول (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال في الختام ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
فجلّ الله سبحانه قائل هذا الكلام ونقول كما قال ربنا (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
برنامج لمسات بيانية
لماذا لم يقل آتيناك؟
هناك تقارب صوتي بين آتى وأعطى وتقارب من حيث المعنى ايضاً لكن آتى تستعمل لما هو أوسع من أعطى في اللغة فقد يتقاربان.
آتى تستعمل لأعطى وما لا يصح لأعطى (يؤتي الحكمة من يشاء) (ولقد آتينا موسى تسع آيات) ( وآتيناهم ملكاً عظيماً). آتى تستعمل للرحمة، للحكمة، للأموال (وآتى المال على حبه) وتستعمل للرشد (وآتينا ابراهيم رشده). آتى تستعمل عادة للأمور المعنوية (لقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد تستعمل للأمور المادية ايضاً.
أما أعطى فهي تستعمل في الامور المادية فقط (وأعطى قليلاً وأكدى) (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى)
إذن آتى تستعمل للأموال وغير الأموال وأكثر استعمالها للأمور الواسعة والعظيمة كالملك والرشد والحكمة.
وأعطى للتخصيص على الأغلب وهناك امور لا يصح فيها استعمال اعطى أصلا كالحكمة والرشد.
*وما دامت كلمة آتى اوسع استعمالا فلماذا اذن لم يستعمل آتى بدل أعطى؟
الإيتاء يشمله النزع بمعنى انه ليس تمليكا انما العطاء تمليك. والإيتاء ليس بالضرورة تمليكا (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (وآتيناه من الكنوز....ثم خسفنا به وبداره الارض) اذن الايتاء يشمله النزع اما العطاء فهو تمليك. في الملك يستعمل الايتاء لأنه قد ينزعه سبحانه اما العطاء فهو للتمليك وبما انه تمليك للشخص فله حق التصرف فيه وليس له ذلك في الايتاء. (رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي.... هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب) اي بما انه عطاء من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له.
وقد يكون الايتاء آية فليس للنبي حق التصرف بها بل عليه تبليغها ورب العالمين ملك رسوله الكوثر وأعطاه اياه تمليكاً له أن يتصرف فيه كيفما شاء.