عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٣١﴾    [النور   آية:٣١]
قال تعالى في سورة النور (31): ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ...﴾ سؤال: لماذا استعمل (البعولة) في هذه الآية دون الأزواج؟ الجواب: إن من معاني التبعل في اللغة التزين وحسن العشرة، يقال: ((تبعلت المرأة: أطاعت بعلها، وتبلعت له: تزينت. وامرأة حسنة التبعل؛ إذا كانت مطاوعة لزوجها محبة له. والتبعل: حسن العشرة)). فلما كان المقام مقام التزين ناسب ذكر البعولة؛ لأن من معنى التبعل: التزين كما ذكرنا. فناسب المقام الذي ورد فيه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 285)
  • ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٠٥﴾    [الشعراء   آية:١٠٥]
  • ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٦٠﴾    [الشعراء   آية:١٦٠]
قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٠٥﴾ [الشعراء: 105]. وقال: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٦٠﴾ [الشعراء: 160]. بذكر تاء التأنيث مع الفعل (كذّب) مع أنه مسند إلى (قوم). وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ﴾ [الأنعام: 66]. فلم يذكر تاء التأنيث مع الفعل (كذب) مع أنه مسند إلى (قوم) أيضًا. فما السبب؟ الجواب: إن التأنيث يفيد التكثير كما مر بنا في أكثر من مناسبة. وإن الأكثرين من قوم نوح وقوم لوط كانوا المرسلين. في حين أن الأكثرين من قوم الرسول آمنوا وأسلموا وانتشر الإسلام بهم. فناسب ذكر التاء مع قوم نوح ولوط دون قوم الرسول. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 285، 286)
  • ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾    [ص   آية:١٧]
  • ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾    [ص   آية:٣٠]
  • ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾    [ص   آية:٤١]
  • ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴿٤٥﴾    [ص   آية:٤٥]
  • ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ ﴿٤٨﴾    [ص   آية:٤٨]
– في سورة ص ذكر صفة العبد لمن ورد في السورة من الأنبياء، فقال: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ﴾ [ص: 17]. وقال: ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. وقال: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ﴾ [ص: 41]. وقال: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ﴾ [ص: 45]. إلا إسماعيل واليسع وذا الكفل فإنه قال فيهم: ﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ﴾ ولم يقل فيهم: (واذكر عبادنا) كما قال فيمن سواهم. فلم ذاك؟ الجواب: من وجهين: الوجه الأول: إن كل الذين ذكر صفة العبودية فيهم إنما تكلم عليهم وذكر أمورًا تتعلق بهم. فذكر عن نبي الله سليمان إحدى عشرة آية. وذكر عن نبي الله أيوب أربع آيات. وذكر عن أنبياء الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ثلاث آيات. وأما إسماعيل ومن بعده فذكرهم في آية واحدة. فناسب التفصيلُ التفصيلَ، وناسب الإيجازُ الإيجازَ، فلم يذكر صفة العبودية. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن كل من ذكر له صفة العبد ذكر شيئًا من تفضله سبحانه عليه وما وهب له من الخير. فقد ذكر في داود تسخير الجبال معه والطير، وأنه شد الله ملكه، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، فقال فيه: ﴿إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ١٨ وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ١٩ وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ﴾. وقال في سليمان: ﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ٣٨ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ٣٩ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَ‍َٔابٖ﴾. وقال في أيوب: ﴿ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ٤٢ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ٤٣ وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ﴾. وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾. إلا إسماعيل واليسع وذا الكفل فلم يذكر هنا تفضلًا عليهم، وإنما قال فيهم: ﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾. ولم يقل: إنه أخلصهم، ولا إنهم عنده من المصطفين الأخيار، أي: اصطفاهم ربهم، كما قال فيمن قبلهم. فناسب ذكر صفة العبد لمن ذكر تفضله عليهم، والله أعلم. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 289: 291)
  • ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴿٨﴾    [الزمر   آية:٨]
  • ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٩﴾    [الزمر   آية:٤٩]
– قال سبحانه وتعالى في سورة الزمر: ﴿۞وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الزمر: 8]. وقال في السورة نفسها: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۢۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ٤٩﴾ [الزمر: 49]. سؤال: قال سبحانه في الآية الأولى: ﴿دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ﴾ بضمير الإفراد. وقال في الآية الأخرى: ﴿دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا﴾ بضمير الجمع. فلم ذاك؟ الجواب: إن الآية الأولى في مقام التوحيد ونفي الشرك، فقد قال في الآية: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾. فناسب ذلك المجيء بالإفراد فقال: ﴿دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ﴾. حتى إن سياق الآية في نفي الشرك ابتداء من أول السورة، فقد قال في أول السورة: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ٣﴾. وقال بعدها: ﴿لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ٤﴾. فذكر أنه الواحد القهار. فناسب ذكر الإفراد من كل جهة. وأما الآية الأخرى فهي في ادعاء الإنسان المذكور العلم. فقد قال في الآية: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۢۚ﴾. وقد نفى ربنا في الآية العلم عن أكثرهم فيها: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾. فنفى العلم عن أكثرهم؛ مما يدل على أن هناك من يعلم. فلم يقتض ذلك الإفراد كما اقتضت الآية الأولى. فإن هناك من خلق الله من يعلم، وإن لم يكن ذلك كعلم الله، فقد ذكر ربنا قبل الآية أنه سبحانه عالم الغيب والشهادة (46). ولكن ليس لله ند على الإطلاق. فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 291: 293)
  • ﴿يس ﴿١﴾    [يس   آية:١]
  • ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾    [يس   آية:٢]
(يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) قيل في الأحرف المقطعة الكلام كثير وأنا لا أستطيع أن أذكر أكثر مما ذكروا، غير أنى أود أن أقول هنا إن هذه الأحرف مهما قيل فيها فإنها تلفت انتباه السامع وتجعله يصغي إلى ما يقال بعدها، فكأنها وسيلة تعبيرية تشد الذهن ولذا قال قوم إنها فواتح للتنبيه واستئناف الكلام. وقال آخرون إنها إشارة إلى حروف المعجم كأنه قال للعرب إنما تحديتكم بنظم هذه الحروف التي تعرفونها فأنا أجعل منها كلاماً معجزاً يعجز عن مثله الإنس والجن ولو تظاهروا عليه. وقال قوم إن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة (1). وأريد أن أشير إلى أمر أخر بخصوص (يس) فقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم من أسماء محمد (صلى الله عليه وسلم) بدليل قوله بعدها (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (2). ولا أرى هذا الاستدلال سديداً، فقد ورد خطاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد غيرها من الأحرف المقطعة مما يعلم يقيناً أنه ليس من أسماء الرسول. فقد قال تعالى (حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الشورى 1-3) وقال (كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) - مريم(1، 2) (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ) – القلم (1-3). ولم يقل أحد إن (حم عسق) أو (كهيعص) أو ( ن )من أسماء الرسول. جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "والصحيح أن يس بمنزلة حم وألم ليست من أسماء النبي (صلى الله عليه وسلم) (3)". **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص3 إلى ص4 1- انظر البحر المحيط 1/34. 2- انظر البحر المحيط 7/322-323، فتح التقدير 4/348. 3- التبيان في اقسام القرآن 267.
  • ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾    [يس   آية:٢]
(وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) أقسم ربنا سبحانه بالقرآن الكريم، والقرآن علم على الكتاب الذي أنزله على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). وهو مأخوذ من لفظ القراءة، فأن القرآن في الأصل مصدر للفعل قرأ والمصدر الآخر (قراءة). قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ قرآنه) – القيامة (18) أي اتبع قراءته (1). ويسمى أيضًا (الكتاب) وأقسم به ربنا أيضًا فقال: (حم والكتاب المبين) والكتاب من (الكتابة). والتسمية بالقرآن والكتاب إشارة إلى أنه يقرأ ويكتب فهو كتاب لكونه مكتوباً وقرآن لكونه مقروءاً. فأقسم به ربنا مكتوباً ومقروءاً. (الْحَكِيمِ) يحتمل عده معان كلها يمكن أن تكون مرادة. فهو يمكن أن يكون (فعيل) بمعنى اسم المفعول أي (محكم) والمحكم هو الذي لا يتناقض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2)، قال تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) – هود (1) وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) – آل عمران (7)، تقول: أحكمت الشيء محكم وحكيم. والحكيم أيضًا صاحب الحكمة، فيكون القرآن حكيماً بمعنى أنه ذو حكمة أي متضمن إياها ومتصف بها فيكون الإسناد مجازياً وحقيقة الإسناد إلى الله تعالى كمال قال تعالى (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) – هود (97) فنسب عدم الرشد إلى أمره والحقيقة نسبة ذلك إلى فرعون وهو كما تقول رأي حكيم وقول حكيم. أو إنه حكيم لأنه ينطق بالحكمة فجعله كالحي المتكلم وهو من باب الاستعارة (3). والحكيم أيضاً صيغه مبالغة من الحكم (4) فهو بمعنى الحاكم، والمعنى أنه قرآن حاكم وهو كذلك فهو الحكم العدل والقول الفصل وحكمه يعلو على جميع الأحكام فهو يحكم ويهيمن على غيره من الأحكام والكتب كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )– المائدة (48) وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة فهو كتاب محكم وحكيم متصف بالحكمة ناطق بها وحاكم مهيمن على الكتب والشرائع والإحكام. فجمع بقوله (الحكيم) عدة معاني كلها مرادة مطلوبة، وجمع بين الحقيقة والمجاز وجمع بين المجاز العقلي والاستعارة ولا تؤدي كلمة أخرى هذا المؤدى. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص3 الى ص5 1- لسان العرب (قرأ) 267. 2- أنظر تفسير ابن كثير 3/563، فتح القدير 4/349، البحر المحيط 7/323. 3- أنظر الكاشف 2/581، التفسير الكبير 26/40، روح المعاني 22/211. 4- أنظر البحر المحيط 7/323.
  • ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾    [يس   آية:٣]
(إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) جواب القسم، فهو قد أقسم بالقرآن الحكيم إنه لمن المرسلين. وقد تقول: كيف يقسم بالقرآن والمفروض أن يقسم بشيء أجمع المقسم والمقسم له على تعظيمه وقبوله مقسماً به والقوم لا يرون أن القرآن كلام الله فلا يعتدون بالقسم به، فما قيمة هذا القسم؟ والجواب أن القرآن جعله الله معجزه الرسول والدليل الأكبر على رسالته والبرهان الأعظم عليها. قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) العنكبوت (50 – 51). وقد سماه الله برهاناً فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) – النساء (174). وقد تحداهم به أكثر من مرة ووصفه بأنه قرآن حكيم. فهو قد أقسم بما تقوم به الحجة عليهم. فكأنه قال لهم تدبروا هذا القرآن وتأملوه فإنه أحكم إحكاماً لا إحكام بعده وأنه حكيم ينطق بالحكمة وهو حاكم يعلو ولا يعلى عليه فلو تدبرتموه لعلمتم علم اليقين أنه أنزل من عند الله. فهذا من أحسن القسم. جاء في (التفسير الكبير):"إن هذا ليس مجرد الحلف وإنما هو دليل خرج في صورة اليمين لأن القرآن معجزة ودليل كونه مرسلاً هو المعجزة والقرآن كذلك" (1). ومثل هذا القسم يستعمل في حياتنا العامة لإقامه الدليل وذلك كأن ينكر شخص إحسان شخص عليه وأنت تعلم أن قميصه الذي يلبسه هو مما أحسن به عليه فتقول له: (ورب لابس هذا القميص إنه لمحسن) أو (ورب هذا القميص إنه لجواد) بل قد يقولون (وحق هذا القميص إنه لكريم). فتقسم بما تقوم عليه الحجة والدليل الذي لا يتمكن من انكاره. ثم إن هذا القرآن هو البرهان وهو موضوع الرسالة في آن واحد. فإنه أحياناً تختلف المعجزة عن موضوع الرسالة فتكون المعجزة لتأييد الرسالة وذلك كمعجزة موسى في قلب العصا حية أو جعل اليد بيضاء للناظرين أو نحوها فإن هذه المعجزات ليست موضوع الرسالة وإنما الرسالة هي التوحيد والتعاليم التي أمر بها ربنا سبحانه، وهذه المعجزات لتأييد الرسول وتصديقه بما يقول. ونحو ناقة صالح فإنها معجزة وآية على صدق سيدنا صالح ولكنها ليست هي موضوع الرسالة فإنه أرسل بعبادة الله وحده والأوامر والنواهي التي أرادها ربنا وبلغها نبي الله. أما القرآن الكريم فهو المعجزة والآية الدالة على صدقه (صلى الله عليه وسلم) وإنه هو موضوع الرسالة وبذلك جمع الفضلين وحاز الشرفين فأستحق بذلك أن يقسم به. وقد أكد الجواب بـ (إن) واللام (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وذلك لشده إنكار قومه لرسالته كما بينت ذلك الآيات التي بعدها، فقد ذكر أنهم غافلون وأنه حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون. وأنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشاهم فهم لا يبصرون وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أيه حال. فاستدعى ذلك الزيادة في التوكيد. وقال: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ولم يقل (إنك رسول) ذلك ان قوله (من المرسلين) يدل على أنه واحد من جماعة يشتركون معه في الوصف. وأما قوله (إنك رسول) فإنه إخبار بصفته بغض النظر عما إذا كان يشاركه أحد في الوصف أم لا. فأنت تقول (هو ناجح) فتخبر عن نجاحه سواء كان ثمة ناجح غيره أم لا. وتقول (هو من الناجحين) وذلك إذا كان معه آخرون. وكذلك تقول (هو ناجِ) وقد لا يكون معه ناجٍ آخر وتقول (هو من الناجين) إذا كان معه ناجون، وتقول (هو مُغرَق) و(هو من المغرقين). فقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يشير إلى أنه ليس بدعاً من الرسل وإنما هو واحد من جماعة لهم مثل صفته. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص5 الى ص7 1- التفسير الكبير 26/41.
  • ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾    [يس   آية:٤]
(عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يحتمل أن يكون هذا الجار والمجرور خبراً بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم كما تقول (إنه من أهل بغداد من أصحاب الثراء) فأخبرت أنه من أهل بغداد وأنه من أصحاب الثراء. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بالمرسلين أي إنك من الذين أرسلوا على صراط مستقيم. وقد تقول: وما الفرق بين التقديرين؟ والجواب أنك إذا جعلته خبراً بعد خبر فإنه يصح أن تستغني بأحد الخبرين ويتم الكلام فإنه يصح أن تقول (إنك لمن المرسلين) وتكتفى كما قال تعالى في موطن آخر (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وتقول (إنك على صراط مستقيم) وتكتفى كما قال تعالى (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). أما إذا جعلته متعلقاً بالمرسلين فإنك تجعل الكلام لا يتم إلا بمتعلقه فقوله (على صراط مستقيم) يكون مرتبطاً بما قبله متعلقاً به كما تقول (أنت من المرسلين بهذا الأمر) أو (أنت من المرسلين إلى هؤلاء القوم) و(أنت من المرسلين على نفقه الدولة). وقد تقول: ولم لم يكتف بأحد الخبرين كما فعل في موطن آخر؟ والجواب: أنه لو قال (إنك لمن المرسلين) لدل على أنه على صراط مستقيم تضمناً لا تصريحاً فإن كونه من المرسلين يدل على أمور كثيرة منها أنه صادق ومنها أنه على حق ومنها أنه على صراط مستقيم ومنها أنه يأمر بالخير ومنها مجرد الإخبار أنه من المرسلين لا إلى إرادة معنى متضمن، فقوله (على صراط مستقيم) حدد أمراً معيناً مما تضمنه كونه من المرسلين ولم يدع ذلك للذهن الذي قد ينصرف إلى أمور غير معينة. وقد يقتضي المقام أن يصرح بأمور مما تفتضيه الرسالة. أما إذا قال (إنك على صراط مستقيم) فقط فإنه لا يدل على إنه من المرسلين فكون الشخص على الصراط المستقيم لا يعنى أنه رسول من عند الله. فجمع بين الأمرين لإفادة المعنيين تصريحاً. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم اكتفى إذن بأحد الخبرين في موطن آخر من القرآن، فقال في موطن (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال في موطن اخر (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ الجواب أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وقال (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). وإذا نظرنا في سياق آية البقرة لم نر فيه ذكراً للدعوة إلى دين الله وهو الصراط المستقيم وإنما وردت في سياق القصص القرآني، فقد وردت في سياق قصة طالوت وجالوت ثم ذكر بعدها بعضاَ من الرسل. لقد وردت في سياق إثبات نبوة الرسول بإخباره عما لم يعلم من أخبار الماضين فإنه لما ذكر قصة طالوت قال بعدها (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي أن إجراء هذه الأخبار على لسانك وأنت لا تعلمها دليل على أنك من المرسلين. وأما آية الزخرف فإنها وردت في سياق الدعوة الى الله وهداية الخلق إلى صراطه المستقيم، قال تعالى (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ) (40 – 45). فقوله (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعنى هداية الخلق إلى صراطه المستقيم ودينه القويم. وقوله (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني ما أوحاه إليه فاقتضى ذلك ذكر الصراط المستقيم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن قوله (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) يعني أنه نبي مرسل، وكذلك قوله (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) فجمع بين كونه مرسلاً وأنه على صراط مستقيم كما فعل في آية يس فاقتضى كل موطن ما ذكر فيه. ووصفُ الصراط بأنه مستقيم يدل على أنه أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب وأنه طريق قويم وشرع مستقيم. جاء في (الكشاف)، (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر. أوصله للمرسلين. فإن قلت: أي حاجه إليه خبراً كان أو صلة وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم من غيره ممن ليس على صفته وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة فجمع بين الوصفين في نظام واحد كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت. وأيضاً فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه". (1) وجاء في (التفسير الكبير): (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم. والمستقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد، والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى (2) عن غيره والمقصد هو الله والمتوجه إلى القصد أقرب إليه من المولي عنه والمنحرف منه. ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال: أن محمداً من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم. وإنما المقصود بيان كون النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون. (3) وقد تقول: ولم قدم (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) على قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ولم يقل (إنك لعلى صراط مستقيم من المرسلين)؟ والجواب أنه فعل ذلك لعده أمور. منها ان قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أفضل من كونه على صراط مستقيم. لأن كونه مرسلاً يعني أنه على صراط مستقيم وأنه نبي. ومنها أن قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يتضمن أنه على صراط مستقيم، ومنها أن هذا من باب تقديم السبب على المسبب فإن كونه على صراط مستقيم إنما هو بسبب أنه مرسل أوحى إليه بهذا الصراط فهو أسبق في الرتبة. ومنها أن تقديم المرسلين يمكن أن يعلق به (على صراط مستقيم) فيكون من تمام معناه كما بينا أي إنك أرسلت على طريق مستقيم. ولو أنا قلنا (إنك على صراط مستقيم من المرسلين) لم يصح تعليق (من المرسلين) بما قبله فينقطع الكلام ولا يتصل. فإن هذا التقديم أولى من كل ناحية. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص7 الى ص 10 1- الكشاف 2/581. 2- كذا ورد والصواب وتولً. 3- التفسير الكبير 26/41.
  • ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٥﴾    [يس   آية:٥]
(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) بعد أن عظم القرآن بأن أقسم به ووصفه بالحكمة عظمه بإضافته إلى ذاته العلية. فإن الكتاب يعظم من ناحيتين: 1- من حيث ما أودع فيه، وهو تعظيم لذاته. 2- ومن حيث مرسله. فقد يكون الكتاب ليس بذي قيمه في ذاته وإنما يعظم بسبب مرسله وصاحبه. ثم إن صاحبه يكون معظماً بسببين: أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره ويطمع في نعمته. وقد جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) فجمع بين الترغيب والترهيب وهما مصدر التعظيم للذات وما يتصل بها. فقوله (العزيز) يفيد أنه نافذ أمره. و(الرحيم) يفيد أنه ذو رحمة وليس متجبراً عاتياً. ففخم الكتاب وعظمه من الناحيتين: من حيث ذاته. ومن حيث مرسله. جاء في (روح المعاني): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ نصب على المدح أو على المصدرية لفعل محذوف أي نزل تنزيل ... وأيا كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة. وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الإيمان به ترهيباً وترغيباً وإشعاراً بأن تنزيله ناشئ عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1). وهناك تعظيم آخر للقرآن وهو مكانه المحفوظ فيه فإن الشيء إذا كان ثميناً حفظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون. وقد أشار إلى مكانه المحفوظ فيه فذكر أنه في مكان عالٍ وقد نزل إلى الرسول تنزيلاً. فالتنزيل إنما يكون من المكان العالي المرتفع وهذا يدل على رفعة القرآن ورفعة مكانه. وعلى هذا يكون أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواح: 1- الإقسام به. 2- وصفه بأنه حكيم. 3- وأنه في مكان عالٍ وقد نزله العزيز الرحيم بأمره. 4- وأن الله أضافه إلى نفسه بوصفي الترهيب والترغيب فلم يترك جهة من جهة التعظيم إلا أشار إليها وذكرها. واختيار العزيز الرحيم له أكثر من دلاله في السورة. فإن العزيز هو الغالب وفى ذكره ترهيب للعباد، والرحيم هو المتصف بالرحمة على وجه الثبات وفى ذكره ترغيب لهم فجمع بين الترغيب والترهيب. وقد طبعت السورة بطابع هذين الاسمين الكريمين فإن جو السورة يشيع فيه العزة والرحمة. فقد تظهر العزة بنصر أوليائه ومحق أعدائه فقد أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)  -(29). وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها من دون الله لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا يتمكنون من إنقاذ من أراده الرحمن بضر فهي ليست لها وجاهة وليس لها قوة وهذا من أظهر الأمور على عزته سبحانه (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) (23). وقد ذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) -(43-44). وذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد وأنه يحييهم ويجمعهم بصيحة واحدة (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) -(49). )( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) -(53). وذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا راد لمشيئته (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ) -(66-67). وذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة يفعل ما يشاء ويكون ما يريد وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)  -(83). فهل هناك أكبر من هذه العزة؟! وكذلك جو الرحمة فإنه يشيع في السورة أيضاً. فقد تردد ذكر الرحمة والرحمن في السورة أكثر من مرة وذلك نحو قوله: 1- تنزيل العزيز الرحيم 2- وخشى الرحمن بالغيب 3- وما أنزل الرحمن من شيء 4- إن يردن الرحمن بضر 5- ولا هم ينقذون إلا رحمة منا 6- لعلكم تُرحمون 7- هذا ما وعد الرحمن 8- سلام قولا من رب رحيم ثم ذكر عدداً من مظاهر رحمته سبحانه منها: 1- ما جعل في الأرض لعباده من جنات وأنهار وما أخرج لهم من حب يأكلون منه. 2- وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون وخلق لهم من مثله ما يركبون. 3- وأنه خلق لهم أنعاماً فهم مالكون لها وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره سبحانه. 4- وأنه جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً يوقدون منه. 5- وأنه أرسل إليهم رسلاً حذرهم من عباده الشياطين وهداهم الصراط المستقيم. وغير ذلك من مظاهر رحمته التي ذكرها في السورة. وكما لاحظنا أن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بجو السورة فإن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.) إذ من الملاحظ في مواطن عديدة من القرآن الكريم ذكر هذين الاسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين من الخلق. فقد عقب في سورة الشعراء بعد قصة كل نبي مع قومه بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) كما ذكرت تعقيباً على موقف أهل مكة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). فقد تكرر ذكر هاتين اللايتين في هذه السورة ثماني مرات. ومن أسرار هذا الذكر في هذه السورة وفى سورة الشعراء أنه من مقتضيات اسمه العزيز أن يعز المؤمنين وينصرهم ويذل الكافرين ويهلكهم فتكون العزة في حق المؤمنين نصراً وتأييداً وفى حق الكافرين محقاً وإهلاكاً. ومن مقتضيات اسمه (الرحيم) أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة وإقامه البينة عليهم وإنذارهم الخوف ليتقوا ناره ويأمنوا عذابه، وأنه أبلغهم رسالته كما أبلغ المؤمنين وأنه لا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم وهذا من رحمته بهم. وهذا علاوة على أنه يرزقهم وأنهم يتقبلون في نعمه تعالى على محاربتهم له. وأنت إذا نظرت في هذا التعقيب وجدته يذكر بعد ذكر عقوبة الكافرين وإهلاكهم ورحمته بالمؤمنين وتنجيتهم وذلك بعد ذكر قصة كل نبي في سورة الشعراء، فكان ذكرهما أنسب شيء هنا والله اعلم. لقد ذكر ثلاث أسماء لربنا سبحانه واحداً بالتضمن واثنين تصريحاً. أما المذكور بالتضمن فهو قوله (الحكيم) فإنه وصف به القرآن وهو كلامه وإذا كان الكلام حكيماً فصاحبه حكيم أيضاً بكل معاني الوصف. وأما الاسمان المصرح بهما فهما العزيز الرحيم. وكمال الاتصاف بهما أن تكون الحكمة معهما فإن العزيز إذا لم يكن حكيماً كان متهوراً في عزه فتكون عزته من صفات نقصه. وإذا لم يكن رحيماً كانت عزته شدة وكانت وبالاً على عباده. والرحمة من دون عزة ضعف وهي من دون حكمة نقص لأنه لا يعلم كيف يضعها ولا أين يضعها. فهذه الصفات يكمل بعضها بعضاً ويزين بعضها بعضاً. فلا خير في رحمة من دون عزة ولا حكمة. ولا خير في عزة من دون حكمة ولا رحمة. ولا خير في حكم بلا عزة ولا رحمة. جاء في (التفسير الكبير): "(العزيز الرحيم) إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولاً فالمرسل إليهم إما أن يمانعوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم ألا إذا كان عزيزاً أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك. أو نقول: المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة" (2). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص10 ص14 1- روح المعاني 22/212 – 213. 2- التفسير الكبير 26/24.
  • ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴿٦﴾    [يس   آية:٦]
لِ(تُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) يحتمل أن يكون (لتنذر) متعلقاً بقوله (تنزيل) أو بالفعل المضمر(نزل) فيكون التقدير: تنزيل العزيز الرحيم لتنذر. أو: نزله العزيز الرحيم لتنذر. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بـ(المرسلين) أي: إنك لمن المرسلين لتنذر قوماً بمعنى: أنك أرسلت لتنذر قوماً (1). والظاهر أن (ما) نافية والمعنى: لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم ولذلك هم غافلون فإن عدم الإنذار هو سبب غفلتهم المستحكمة. فإن هؤلاء القوم لم يأتهم من نذير كما قال تعال (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نذير مِنْ قَبْلِكَ) –القصص (46)، السجدة (3). كما أن آباءهم لم ينذروا فاستحكمت الغفلة فيهم إلى درجة أن الإنذار وعدمه سواء عليهم وأنهم كما وصفهم ربنا بقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً.....الخ(. وقد جوز بعض المفسرين أن تكون (ما) موصولة أو مصدرية فيكون المعنى (لتنذر قوماً الشيء الذي أنذره آباؤهم) أو (لتنذر قوماً مثل إنذار آبائهم). وبذا يكون إثبات الإنذار لآبائهم. والمقصود بالآباء آباؤهم الأقدمون. وقد تقول: إن قوله تعالى (فَهُمْ غَافِلُونَ) يرد هذا المعنى. والجواب: كلا إنه لا يرد هذا المعنى، ذلك أن المعنى أن آباءهم الأقدمين أنذروا ولكنهم غفلوا عن ذلك الإنذار لتقادم العهد كما قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) – المائدة 19 وهذا نحو قولنا (انصح فلاناً كما نصحت اباه فإنه غافل عن ذلك) أو (قل لفلان أن يعمل بنصيحتنا لأبيه فإنه غافل عنها) فإنك أثبت النصيحة وأثبت الغفلة عنها. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ) "قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ). وقد فسر (ما أنذر آباؤهم) على إثبات الإنذار، ووجه ذلك أن تجعل (ما) مصدرية لتنذر قوماً إنذار آبائهم، أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من العذاب كقوله تعالى (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا). فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله (فهم غافلون) على التفسيرين؟ قلت: هو على الأول متعلق بالنفي أي لم ينذر آباؤهم فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. وعلى الثاني بقوله (إنك لمن المرسلين) لتنذر كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الرأي الآخر؟ قلت: لا مناقضة لأن الآي في نفي إنذارهم، لا في نفي إنذار آبائهم. وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد (2). وجاء في (التفسير الكبير): "فعلى قولنا (ما) نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلاً، وعلى قولن هي للإثبات كذلك لأن معناه: لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، وفيه مسائل: (المسألة الأولى) كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟ نقول على قولنا (ما) نافية معناه ما أنذر أباءهم، وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين" (3). وجاء في (روح المعاني): "(فهم غافلون) هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون. وعلى الأوجه الباقية: متعلق بقوله تعالى (لتنذر) أو بما يفيده (إنك لمن المرسلين) وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى (لتنذر) على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم. اهــ ولا يخفي عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً" (4). والذي يترجح عندي المعنى الأول وهو الذي يسبق إلى الذهن. أما إذا أريد بالآباء الآباء الأقدمون فإن إسماعيل عليه السلام أبوهم وكان رسولاً نبياً ولا شك أنه أنذر قومه، بل إن إبراهيم عليه السلام أبوهم كما قال (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) فلا يتناقض الأمران على ذلك، ولا أرى أنه يعني بذلك إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو من هو ممن دونهما ممكن كان بعيداً جداً عن قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم). إن أقرب رسول إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) عيسى عليه السلام وبينهما أكثر من خمسمائة عام فما بالك بمن قبله ولا شك على هذا أن آباءهم لم ينذروا والله اعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص14 إلى ص17 - أنظر روح المعاني 22/213. 2- الكشاف 2/581 – 582 وأنظر البحر المحيط 26/42. 3- التفسير الكبير26/42 4- روح المعاني 22/213
إظهار النتائج من 7981 إلى 7990 من إجمالي 12325 نتيجة.