﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢﴾ [التغابن: 12]
* * *
قال ههنا: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾.
وقال في المائدة: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ٩٢﴾.
فزاد في آية المائدة قوله: ﴿وَٱحۡذَرُواْۚ﴾ وقوله: ﴿فَٱعۡلَمُوٓا﴾ ((مع اتحاد ما تضمنته الآيتان فيما سوى ذلك.
وسبب ذلك –والله أعلم- أن آية المائدة سبقها الأمر باجتناب الخمر وما ذكر معها من المحرمات وما تجره عليهم هذه المحرمات من شرور فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُون﴾.
فناسب ذكر هذه الزيادة لتأكيد التحذير.
أما آية التغابن فلم يرد قبلها ما يستدعي هذا التأكيد، ألا ترى الوارد فيها من قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ فلما لم يرد هنا نهي عن محرم متأكد التحريم... لم يرد هنا من الزيادة المحزرة لمعنى التأكيد ما ورد هناك، فجاء كل على ما يجب ويناسب، وليس عكس ما الوارد بمناسب، والله أعلم)).
وقد ذكرنا في كتابنا (التعبير القرآني) أنه قد ورد في القرآن: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾ بتكرار لفظ الطاعة، وورد نحو قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 132] من دون تكرير لفظ الطاعة.
وقد ذكرنا أن ما لم يتكرر فيه لفظ الطاعة مع الرسول فالسياق لله وحده، ولم يذكر فيه الرسول ولا أية إشارة إليه؛ بخلاف ما تكرر فيه لفظ الطاعة مع الرسول.
وهنا تكرر لفظ الطاعة، وقد ذكر الرسول في السياق فقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِين﴾.
والبلاغ المبين أي: المبين للحق، والمظهر له، والذي يصل إلى عموم المكلفين.
((فالبلاغ المبين يتضمن أمرين:
الأمر الأول: إيضاح الرسالة وتبليغها كلها؛ بحيث لا يبقى منها شيء غير مبلغ ولا غير معلوم.
والأمر الآخر: أن يكون التبليغ شاملًا لكل من أرسل إليهم، واصلًا إلى كل فرد، فلا يترك سبيلًا لإيصال الدعوة إلى كل من تعنيه.
وإلا لم يكن بلاغًا مبينًا)).
لقد قال ههنا: ﴿فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِين﴾.
بإضافة الرسول إلى ضمير التعظيم.
وكذا قال في آية المائدة: ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾.
وقال في موضع آخر: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور: 54]. بتعريف الرسول ب(أل).
ولذلك أكثر من سبب، ولعل منها:
أنه في آيتي التغابن والمائدة أن القول لله سبحانه، والخطاب منه سبحانه، إذ قال قبل آية التغابن: ﴿فََٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ...﴾ ويستمر الكلام على الله سبحانه، فلما كان الكلام من الله سبحانه والأمر منه قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ بإضافة
الرسول إليه.
وكذا السياق في آية المائدة؛ فإن الخطاب من الله للمؤمنين، قال تعالى قبل هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ٩٠﴾ ويستمر الكلام إلى أن يقول: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ٩٢﴾.
فأضاف الرسول إلى ضميره سبحانه.
أما قوله: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ في العنكبوت، فهذا من كلام سيدنا إبراهيم لقومه على ما يظهر.
﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ... وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِين﴾.
فهنا أمران:
الأول: أنه من كلام سيدنا إبراهيم.
والآخر: أنه يتكلم على الأمم السابقة ورسلهم: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٨﴾.
و(أل) ههنا للجنس وليست خاصة برسول معين، فناسب التعريف ب (أل) الجنسية.
وأما آية النور فإنها تبدأ بقوله: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ﴾ فهو أمر للرسول أن يبلغ قومه، فقوله: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ﴾ من قول الرسول المأمور بتبليغه، والكلام فيما بعد على الغائب وليس فيه إشارة لفظية صريحة إلى الله سبحانه، بل السياق أصلًا في الغيبة. والآية هي: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ٥٤﴾ [النور: 54].
ومن الملاحظ في الآية:
1 – أنها تبدأ بأمر الرسول ليبلغ: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ ف﴾.
2 – أنه قال: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُم﴾ بالبناء للمجهول، والفاعل محذوف، والذي حمّل رسول الله وحمّلكم إنما هو الله فلم يذكره.
3 – أنه قال: ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ ولم يقل: (على رسولنا) مناسبة لحذف الفاعل.
فعدم الإضافة إلى ضمير المتكلم، وهو الله مناسب لعدم ذكر الفاعل وهو الله سبحانه، وذلك للبناء للمجهول.
4 – قال في آية النور: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ والأصل (تتولوا) فحذف التاء من الفعل، والكلام موجه للمخاطبين بدليل ﴿وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ﴾ بالخطاب، فحذف التاء من (تتولوا) فصار ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ وهذا الحذف مناسب لحذف الفاعل في الفعلين وبنائهما للمجهول.
5 – قال في آية النور: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ بالفعل المضارع كما ذكرنا، أي (تتولوا)، وقال في آيتي المائدة والتغابن ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ بالفعل الماضي.
ولعل من أسباب ذلك أن السياق الذي وردت فيه آية النور في الاستقبال، فقد قال قبل الآية ﴿۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٥٣﴾.
فقوله: ﴿لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ﴾ إنما هو افتراض لما سيقع في المستقبل.
فناسب ذلك الإتيان بالفعل المضارع الذي قد يكون للاستقبال، فناسب الاستقبال الاستقبال.
وأما ما ذكر في سياق آية التغابن فهو في حال المخاطبين ممن كانوا
على الكفر، وقد دعاهم إلى الإسلام: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧ فََٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾.
بل حتى إن الآية قبلها في الماضي ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ [التغابن: 11].
فقال: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ أي: بقيتم على حالكم من الكفر.
وكذلك الأمر في سياق آية المائدة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾.
وقد كان قسم من المسلمين يشربون الخمر حتى نزول هذه الآية، فلما نزلت قالوا: انتهينا.
فقال: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ أي: بقيتم على حالكم الماضية وأعرضتم عن أمر ربكم، فجاء بالفعل الماضي مناسبة لما كان يقع في الماضي.
بمعنى: فإن بقيتم على ما كنتم عليه أو على ما أنتم عليه.
ويدل على ذلك أنه حيث قال: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ﴾ أراد التولي في الاستقبال.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ [محمد: 38].
والخطاب للمؤمنين، ويراد به افتراض التولي في المستقبل، قال تعالى: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم٣٨﴾.
والخطاب كما ذكرنا للمؤمنين، فقد قال في السياق مخاطبًا المؤمنين: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَ
أَعۡمَٰلَكُمۡ٣٥﴾.
ويستمر في خطابه إلى أن يقول في الآية: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
والمدعو للإنفاق في سبيل الله هم المؤمنون وليسوا الكافرين، فالتولي هو في المستقبل، أي: التولي عما طلب منهم.
وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا١٦﴾ [الفتح: 16].
وواضح أن الأمر يتعلق بالاستقبال، وأن التولي افتراض لما سيكون في المستقبل، فجاء بالفعل الذي يفيد الاستقبال وهو المضارع.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 205: 212)
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١٣﴾ [التغابن: 13]
* * *
بعد أن ذكر أن الله خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وذكر علمه بكل شيء وأنه على كل شيء قدير، وذكر عقوبة من كفر من الأمم السابقة، وأنه ما أصابت مصيبة إلا بإذن الله؛ بيّن أنه لا إله إلا هو.
فالذي فعل كل ذلك إنما هو الإله الحق وأنه لا إله غيره.
وأنه عليه فليعتمد المؤمنون ويفوضوا أمرهم إليه. وقدم الجار والمجرور (عليه) للحصر فلا يعتمد على غيره.
جاء في (روح المعاني): ((﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: عليه تعالى خاصة دون غيره لا استقلالًا ولا اشتراكًا.
﴿فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ وإظهار الجلالة في موقع الإضمار للإشعار بعلة التوكل أو الأمر به)).
وأطلق التوكل ولم يقيده بأمر؛ ليدل على أن التوكل عليه في جميع الأمور جليلها وحقيرها.
جاء في (روح المعاني): ((وحذف متعلق التوكل ليفيد العموم، أي: ليتوكل عليه عز شأنه في جميع أمورهم؛ جليلها وحقيرها، سهلها وحزنها)).
إن هذه الآية في سياقها كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ١٢٣﴾ [هود: 123].
فقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ في هود، نظير قوله في التغابن: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾ وقوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١١﴾.
وقوله في آية هود: ﴿وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ﴾ نظير قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾(الآية: 11) وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ١﴾.
فالذي له الملك هو الذي يرجع إليه الأمر كله.
وقوله: ﴿فَٱعۡبُدۡهُ﴾ مناسب لقوله في التغابن: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ﴾.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ﴾ مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾.
وجاء في (تفسير ابن كثير) في قوله: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ ((فالأول خبر عن التوحيد، معناه: الطلب، أي: وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا٩﴾ [المزمل: 9].
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 212: 214)
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٤﴾
* * *
إن من الأزواج من يعادين أزواجهن ويجلبن عليهم ويخاصمنهم، ومن الأولاد من يعقون آباءهم ويخاصمونهم ويؤذونهم.
ففي مثل هذه الحالات تكون الأزواج أعداء لأزواجهن، والأولاد أعداء لآبائهم.
وقد تكون الأزواج والأولاد ملهاة عن العمل الصالح.
وقد يحملونهم على ترك الواجبات وارتكاب المحظورات، وذلك لحبهم لهم والشفقة عليهم، وفي مثل هذه الحالات يكون الأولاد أعداء لآبائهم، والأزواج أعداء لأزواجهن من هذه الناحية.
وقد ناسبت هذه الآية ما قبلها من هاتين الناحيتين.
فمن الناحية الأولى، وهي حالات الخصومة والأذى، وناسب ذلك ما تقدم من قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ [التغابن: 11] فهذه مصيبة من المصائب.
وفي الحالة الأخرى يناسب ذلك قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١٣﴾.
فعلى المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله، ولا يطيعوا الأزواج والأولاد.
وذلك من لطيف التناسب.
جاء في (روح المعاني): ((فمن الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن،
ويخاصمنهم ويجلبن عليهم.
ومن الأولاد أولادًا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى وقد شاهدنا من الأزواج من قتلت زوجها... ومن ومن... وكذا من الأولاد...
ومن الناس من يحمله حبهم والشفقة عليهم على أن يكونوا في عيش رغد في حياته وبعد مماته، فيرتكب المحظورات لتحصيل ما يكون سببًا لذلك وإن لم يطلبوه فيهلك)).
وجاء في (تفسير ابن كثير) أن ذلك ((بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ٩﴾ [المنافقون: 9].
(وقيل) يحمل الرجل على قطيعة الرحم، أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه)).
﴿وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيم﴾.
أي: إن تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها مما هو في حقكم أو في أمور الدنيا ومما يصح لكم أن تعفوا عنه.
وتصفحوا، أي: تعرضوا عن ذلك بترك التثريب واللوم.
وتغفروا، أي: تستروها بإخفائها.
فإن الله غفور رحيم، يغفر لعباده ذنوبهم مع أنه أولى بالطاعة، رحيم بهم مع إساءتهم ومعصيتهم.
وأنتم إن فعلتم ذلك يغفر الله لكم ويرحمكم.
فقوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيم﴾ متعلق بما قبله من جهتين:
أنه إذا فعل أزواجكم وأولادكم ما يستوجب العقوبة والتثريب فاعفوا عنهم واغفروا لهم، فإن الله غفور رحيم يغفر لعباده وإن أذنبوا وعصوا ربهم، مع أنه أولى بالطاعة من الآباء.
وأنكم إذا فعلتم ذلك فعفوتم وغفرتم فإن الله غفور رحيم، يغفر لكم ويرحمكم، وأنتم أحوج إلى مغفرته ورحمته من أولئك إليكم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 214: 216)
﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾
* * *
أي: إن الأموال والأولاد اختبار وامتحان من الله للعبد ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.
وقدمت الأموال على الأولاد؛ لأنها أعظم ابتلاء واختبارًا، كما قال تعالى: ﴿لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [المنافقون: 9] قد الأموال على الأولاد؛ لأن الالتهاء بها أكثر.
جاء في (تفسير ابن كثير): ((إنما الأموال والأولاد فتنة، أي: اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه)).
وجاء في (فتح القدير): ((﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ﴾ أي: بلاء واختبار يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله فلا تطيعوهم في معصية الله)).
وجاء في روح (روح المعاني): ((أي: بلاء ومحنة؛ لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك.
وفي الحديث: ((يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته)).
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وقدمت الأموال، قيل: لأنها أعظم فتنة ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ٦ أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ٧﴾ [العلق: 6-7] وكأنه لغلبة الفتنة في الأموال والأولاد لم تذكر (من) التبعيضية كما ذكرت فيما تقدم)).
والحق أنها لا تحتاج إلى ذكر (من) لأن الأموال كلها والأولاد كلهم اختبار وامتحان من الله، بل إن الحياة كلها اختبار، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ [الملك: 2].
﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾.
لقد قال في موطن آخر: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [التوبة: 22] فأكد ذلك ب(إن) ولم يؤكده في آية التغابن؛ ذلك لأن الأجر في التوبة أعظم؛ لأن العمل أعظم. قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ٢٢﴾.
فإنه لم يذكر عملًا في التغابن، وإنما قال: ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ بخلاف ما ورد في سياق آية التوبة، فقد ذكر الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
وذكر الأجر لهؤلاء، وهو أنه يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدًا.
ولاشك أن هذا الأجر أعظم؛ لأن العمل أعظم، فناسب التوكيد في آية التوبة دون آية التغابن.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 216: 219)
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ١٦﴾
* * *
فاتقوا الله في أزواجكم واتقوا الله في أولادكم واتقوا الله في أموالكم واتقوا الله في كل ما يجب اتقاؤه.
وأطلق الله في كل ما يجب اتقاؤه.
وأطلق الاتقاء ولم يقيده بشيء؛ ليعم كل ما يجب اتقاؤه.
﴿مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾.
أي: على قدر استطاعتكم وطاقتكم. جاء في (روح المعاني): ((أي: ابذلوا في تقواه عز وجل جهدكم وطاقتكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال: لما نزلت: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفًا على المسلمينى﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ فنسخت الآية الأولى وعن مجاهد: المراد أن يطاع سبحانه فلا يعصي)).
﴿وَٱسۡمَعُواْ﴾ ما توعظون به ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فيما تؤمرون به وتنهون عنه ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها)).
وفي غير ذلك من وجوه البر.
وقدم تقوى الله؛ لأنها مدعاة إلى ما بعدها من السمع والطاعة والإنفاق.
وحيث اجتمعت التقوى والطاعة قدم التقوى قال تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1].
وقال في آيات عدة: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 108، 110، 126].
وقال: ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ٣﴾ [نوح: 3].
وقدم السمع على الطاعة؛ لأنه قبلها فإنه يطاع ما يسمع، فالإنسان يسمع ثم يطيع، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ﴾ [البقرة: 285].
وقال: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ﴾ [النساء: 46].
وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ٥١﴾ [النور: 51].
ولذا يقول المجيب: (سمعًا وطاعة) فيقدم السمع.
وأخر الإنفاق؛ لأنه أثر لما قبله، فهو أثر التقوى والسمع والطاعة.
ثم إن ما قبله أهم وأعم، فما قبله يعم عموم المسلمين، فالتقوى وطاعة الله ورسوله تشمل عموم المسلمين وعموم الطاعات.
أما الإنفاق فهو خاص بذوي المال، أما من ليس عنده مال فلا يشمله هذا الأمر.وذكر الإنفاق مناسبة لما قبله وما بعده.
فإنه قال قبل ذلك: ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ أي: اختبار وامتحان، والإنفاق من الاختبار.
وقال بعدها: ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾.
فناسب ذكر الإنفاق.
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُون﴾.
قال (شح نفسه) لأن الشح من طبائع النفوس، قال تعالى: ﴿وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ﴾ [النساء: 128].
والشح ((بخل مع حرص)) ((وقيل: هو أشد البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل.
وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال والشح بالمال والمعروف)).
قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ﴾ قيل: بكل ما فيه منفعة للمؤمنين.
فمن يوق شح نفسه وما جبلت عليه من ذلك فهو مفلح، بل هو المفلح.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 219: 222)
﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ١٧﴾ [التغابن: 17]
* * *
القرض الحسن: هو أن يكون المال حلالًا طيبًا، وأن يكون من كريم المال، وأن يكون المقرض طيب النفس مع بشاشة وجه من دون منّ ولا تكدير.
و((أتبع جوابي الشرط بوصفين أحدهما: عائد إلى المضاعفة، إذ شكره تعالى مقابل للمضاعفة، وحلمه مقابل للغفران)).
والشكور: هو الذي ((يجزي على القليل بالكثير)).
والحليم ((يصفح ويغفر ويستر ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات)).
((ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة)).
والشكور من صيغ المبالغة، ويستعملها ربنا في سياق مضاعفة الأجور والزيادة من فضله قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ٣٠﴾ [فاطر: 30].
وقال: ﴿وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ﴾ [الشورى: 23].
وقال هاهنا: ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ١٧﴾.
وحيث ذكر الشكور صفة لله تعالى ذكر معها المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ﴾ [فاطر: 30].
وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ﴾ [الشورى: 23].
وقال هاهنا في آية التغابن: ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ
وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيم﴾ فذكر المغفرة إضافة إلى مضاعفة الأجور.
وهذا من المبالغة في الشكر.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 222، 223).
﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ﴾
* * *
جاء بـ ﴿إِذَا﴾ للدلالة على أن هذا أمر حاصل ولابد؛ لأن ﴿إِذَا﴾ إنما تكون للمقطوع بحصوله أو الكثير الوقوع.
جاء في (المقتضب): ((فإذا قلت (إذا أتيتني...) وجب أن يكون الإتيان معلومًا.
ألا ترى إلى قول الله عز وجل: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ﴾ و﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَت﴾ و﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ﴾ إن هذا واقع لا محالة.
ولا يجوز أن يكون في موضع هذا (إنْ) لأن الله عز وجل يعلم. و(إن) إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به المخبر، وليس هذا مثل قوله: ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] لأن هذا راجع إليهم)).
وقدمت ﴿ٱلسَّمَآءُ﴾ على الفعل ﴿ٱنفَطَرَتۡ﴾ للتهويل، فقد ((يكون التقديم للتهويل كقوله تعالى: ﴿ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ١ وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ٢ وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَتۡ٣﴾ وكقوله: ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ١﴾ فإن في تقديم المسند إليه تهويلًا لا تجده في التأخير.
ألا ترى أن السماء لم يسبق لها أن انفطرت، ولا الكواكب انتثرت، ولا البحار فجرت، ولا الشمس كوّرت، فهذه الأجرام مستقرة على حالتها الدهور المتطاولة والأحقاب المتوالية، حتى ذهب بعض الناس إلى أنها على حالها منذ الأول، وستبقى كذلك أبدًا؛ ولذلك قدمها إشارة إلى الهول العظيم والحدث الجسيم الذي يصيب هذه الأجرام. ألا ترى إلى قوله تعالى مثلًا ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا١﴾ [الزلزلة: 1] كيف أخر المسند إليه لأن الزلزلة معهودة مستمرة الحصول، بخلاف ما سبق.
ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ٧ وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ٨﴾ [القيامة: 7-8] ولم يقل (إذا القمر خسف) لأن خسوف القمر معتاد الحصول، ونحوه بريق البصر)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 226: 227).
﴿وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ﴾
* * *
أي: تساقطت متفرقة، وذلك بعد انفطار السماء، وهذه مرحلة بعدها. جاء في (التفسير الكبير): ((﴿وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ﴾ لأنه عند انتفاض تركيب السماء لابد من انتثار الكواكب على الأرض... (فإنه) يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب)).
ولا يلزم من انتثار الكواكب أن يكون على الأرض، فقد يكون انتثارها في الجو.
ثم انتقل إلى ما في الأرض، وهو تفجير البحار وبعثرة القبور فقال:
* * *
﴿وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَت﴾
* * *
((وتفجيرها من امتلائها، فتفجر من أعلاها وتفيض على ما يليها، أو من أسفلها فيذهب الله ماءها حيث أراد)).
وقيل: ((﴿فُجِّرَتۡ﴾ فتح بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحرًا واحدًا)).
وجاء في (التحرير والتنوير): ((وتفجير البحار: انطلاق مائها من مستواه وفيضانه على ما حولها من الأرضين، كما يتفجر ماء العين حين حفرها... وبذلك التفجير يعم الماء على الأرض فيهلك ما عليها ويختل سطحها)) وذلك من امتلائها.
وقال ﴿فُجِّرَتۡ﴾ بتشديد الجيم للكثرة والمبالغة.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا﴾ [
[الإسراء: 90] فقال ﴿تَفۡجُرَ﴾ بالتخفيف لأنه ذكر ينبوعًا.
وقال: ﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾ [القمر: 12] فقال (فجّرنا) بالتشديد وذلك لأنها عيون وليست ينبوعًا واحدًا.
وقال: ﴿أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا﴾ [الإسراء: 91].
فقال: ﴿فَتُفَجِّرَ﴾ بالتشديد؛ لأنه ذكر الأنهار.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 227: 229).
﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ﴾
* * *
قال ههنا: ﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ﴾.
وقال في سورة بعدها، وهي سورة (العاديات): ﴿۞أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ٩﴾ [العاديات: 9].
فذكر في هذه السورة بعثرة القبور، وذكر فيما بعدها بعثرة ما فيها، وهو من تناسب وقوع الأحداث وتسلسلها، فالقبور تبعثر أولًا، ثم يبعثر ما فيها فيما بعد، ووضع التعبيران وضعًا فنيًا متناسقًا، فذكر بعثرة القبور في السورة المتقدمة، ووضع بعثرة ما فيها في سورة بعدها، وذلك نظير قوله: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ﴾ و ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ﴾ كما أسلفنا.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 229: 230).