عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾    [التغابن   آية:١]
  • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢﴾    [التغابن   آية:٢]
  • ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾    [التغابن   آية:٣]
  • ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٤﴾    [التغابن   آية:٤]
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ١ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ٣ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾ * * * ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير﴾. ذكر في هذه الآية: أنه يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، أي: ينزهونه عن كل نقص. وأنه له الملك. وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. والذي ينزَّه إنما هو ذو الملك والقدرة. فكلما كان الملك ملكه أوسع، والمقتدر أعظم؛ كان التنزيه أدّل على مدحه، أما إذا لم يكن مالكًا لشيء، وليس ملكًا على شيء، ولا قادرًا على شيء؛ فلا معنى لتنزيهه. وكذلك بالنسبة إلى الحمد؛ فإنه كان الملك الأوحد والقدير الأعظم محمودًا في ملكه وقدرته، وفي عموم ما يحمد عليه؛ دل ذلك على كماله في صفاته؛ إذ قلما يسلم ملك من ملوك الأرض والقدير من أهل الأرض من مأخذ فلا يحمد من كل وجه، ولا ينزه من كل وجه، ولا ينزهه عموم رعيته، بل هناك من له مأخذ عليه. أما الله سبحانه فإنه ينزهه أهل السماوات والأرض، وهو المحمود على كل حال. إن هذه الآية تناسب قوله في خواتيم السورة التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ٩﴾ [المنافقون: 9]. فإنه طلب من الذين آمنوا ألا يلهيهم المال والولد عن ذكر الله، وذلك يناسب تسبيح ما في السماوات والأرض، وكأن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ تعليل لطلب الذكر من المؤمنين، وألا تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكر الله، فإن ما في السماوات والأرض يسبحون الله ويذكرونه، فاذكروه أنتم أيها المؤمنين. فيتوافق جميع ما في الكون في تسبيح الله سبحانه وذكره. وقد ذكرنا في أكثر من مناسبة أن تكرار (ما) في آيات التسبيح يدل على أنه يعقب الآية بذكر أهل الأرض، وأنه لم يكرر (ما) لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض. وقد كرر (ما) في هذه الآية فأعقبها بالكلام على أهل الأرض فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ﴾. ثم إن السورة ابتدأت بالفعل المضارع ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، وقد ذكرنا أيضًا في أكثر من مناسبة أن كل سورة تبدأ التسبيح بالفعل الماضي، أي: (سبح لله) يجري فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي: (يسبح لله). وهذه السورة بدأت بالفعل المضارع، فلم يجر فيها ذكر للقتال، وهو السمت العام في هذه السورة. وقدم الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلك﴾ للدلالة على الاختصاص والقصر، فإنه له الملك حصرًا على الحقيقة، أما غيره فملكهم من تمليكه سبحانه لهم، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٢٦﴾ [آل عمران: 26]. وكذلك قوله: ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ فإنه له الحمد حصرًا، فهو مولي النعم كلها، وكل من عداه مفتقر إليه وإلى نعمه، فله الحمد حصرًا لا لغيره على الحقيقة، أما حمد غيره لأنه سبحانه أجرى النعمة على يده، فكل حمد لغيره إنما هو بسبب نعمته سبحانه. جاء في (روح المعاني): ((﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ لا لغيره تعالى؛ إذ هو جل شأنه المبدئ لكل شيء، وهو القائم به والمهيمن عليه، وهو عز وجل المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه وتسليط. وأما حمد غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده، فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة، ولغيره بحسب الصورة. وتقديم ﴿لَهُ ٱلۡمُلْكُ﴾ لأنه كالدليل لما بعده)). وجاء في (الكشاف): ((قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل؛ لأن الملك على الحقيقة له؛ لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه، وكذلك الحمد؛ لأن أصول النعم وفروعها منه وأما ملك غيره فتسليط منه، واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده)). وجاء في (التفسير الكبير) للفخر الرازي: ((وقوله تعالى: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ معناه: إذا سبح لله ما في السماوات وما في الأرض فله الملك وله الحمد. ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه، والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾. ومن لطفه التناسب في هذا المفتتح وما بعده من الآيات: 1 – أنه قال بعدها: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. والذي يفعل هذا إنما هو على كل شيء قدير، وهو الذي ذكره في الآية الأولى. 2 – ثم قال: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾. فقوله: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ يناسب قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾. وقوله: ﴿بِٱلْحَقِّ﴾ ينساب قوله: ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ فالذي يفعل ذلك بالحق إنما له الحمد. وقوله: ﴿وَإِلَيۡهِ ٱلْمَصِير﴾ يناسب قوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ ويناسب قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾. ويناسب ما ذكره بعد ذلك من مصير الكافرين والمؤمنين في الآخرة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ٩ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ١٠﴾ [التغابن: 9-10]. وقوله: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلْحَقِّ﴾ يناسب قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ فإن ذلك يفيد تنزيهه عن الباطل. 3 – وقال بعد ذلك: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾. فالذي له الملك ينبغي أن يعلم ما في ملكه. وتمام العلم أن يعلم ما يسر عباده وما يعلنون، ويعلم ما في الصدور، والذي يعلم ذلك له الحمد وهو على كل شيء قدير. وينبغي أن يسبحه ما في السماوات وما في الأرض. كما ناسب مفتتح السورة خاتمتها ((فقد قال في أول السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير﴾. وقال في آخرها: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾. فكلتا الآيتين في الله وصفاته. فقوله في الآية الأولى: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ يناسب قوله في آخر السورة: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾. فالذي له الملك هو العزيز، وهو الحكيم من الحكم. والذي له الحمد هو الحكيم من الحكمة، وهو الذي ينزهه أهل السماوات والأرض ويسبحونه. والذي له الملك وله الحمد ينبغي أن يكون عالمًا بما في ملكه لا يندّ عنه شيء، فقال سبحانه: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾. وقال في أوائل السورة: ﴿مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾. والذي يعلم ذلك هو عالم الغيب والشهادة المذكور في آخر آية من السورة. ثم ذكر الذين كفروا بعد ذلك بقوله: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ وما بعدها. وذكر بعدها الذين آمنوا إلى خواتيمها فقال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١١ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢﴾. وذلك إلى نهاية السورة. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 159: 165)
  • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢﴾    [التغابن   آية:٢]
﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ٢﴾ * * * بدأ بالكفار لأنهم أكثر، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ١٠٣﴾ [يوسف: 103]. وقد يكون مع ذلك إشارة إلى أنه سيبدأ بذكر الكافرين ثم يذكر المؤمنين بعدهم، فقد قال بعد هذه الآية: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ٥﴾. وقال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧﴾. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٩﴾. فقدم الكلام على الكافرين، ثم ذكر المؤمنين بعدهم كما فعل في الآية التي ذكرناها أولًا... فقد تعاضد على ذلك أمران كلاهما يقتضي التقديم)). جاء في (الكشاف): ((تقديم الكفر؛ لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم)). ﴿فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ﴾. أي: فمنكم مَنْ اختار الكفر فصار كافرًا، ومنكم مَنْ اختار الإيمان فصار مؤمنًا. جاء في (الكشاف): ((يعني: فمنكم آتٍ بالكفر وفاعل له، ومنكم آتٍ بالإيمان وفاعل له، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ٢٦﴾ [الحديد: 26]. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِير﴾ أي: عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم)). وذهب بعضهم إلى أن الكفر والإيمان في ضمن الخلق. والذي يترجح عندي معنى الاختيار، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُون﴾ وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3] والله أعلم. جاء في (فتح القدير): ((قال الزجاج: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالف الكفر، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان، والكافر يكفر، ويختار الكفر بعد خلق الله إياه؛ لأن الله تعالى قدّر ذلك عليه وعلمه منه)). وقوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ﴾ أي: هو لا غيره، فكان الواجب أن يوحدوه ويعبدوه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 165: 167)
  • ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾    [التغابن   آية:٣]
﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ ولأن َإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ٣ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾ * * * قدم خلق السماوات والأرض على علمه بما فيهما؛ لأن خلقه لهما أسبق، فذكر أنه يعلم ما فيهما، أي: بعد إيجادهما. ونحوه: ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾ فإنه ذكر ذلك بعدما ذكر أنه صورهم، فإنه يعلم ما يسرون وما يعلنون بعد إيجادهم، وإن كان علمه العام هو السابق لكل شيء. وقد سطر سبحانه علمه بما كان وما سيكون قبل خلق الكائنات. وظاهر أن قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ يناسب قوله: ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾. ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾. و(ذات الصدور) الأسرار المستكنة في صدور الناس، أو القلوب التي في الصدور. لقد قدم خلق السماوات والأرض على تصوير الإنسان لأن خلقه لهما أسبق. وأخّر ذكر علمه بما في السماوات والأرض بعد خلق الإنسان ليشمل علمه الإنسان أيضًا؛ لأنه مما في الأرض. ولو قدم ذكر علم ما في السماوات والأرض على خلق الإنسان لربما ظن أن ذلك لا يشمل العلم بالإنسان. وناسب التقديم والتأخير السياق من جهة أخرى، فإنه قدم ذكر علمه بما في السماوات والأرض لما قدم خلق السماوات والأرض. ولما أخر ذكر الإنسان أخر ذكر علمه بما يسرون وما يعلنون. ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾. لم يكرر (ما) فلم يقل (وما في الأرض)، وقد يكررها في مواطن، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٢٩﴾ [آل عمران: 29]. وقوله: ﴿ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ٩٧﴾ [المائدة: 97]. وقوله: ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١٦﴾ [الحجرات: 16]. وفي مواطن أخرى لا يكرر (ما) وذلك كآية التغابن هذه، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧٠﴾ [الحج: 70]. والتكرار قد يفيد التوكيد، وقد يفيد التفصيل. فالتكرار من أساليب التوكيد اللفظي. وقد يفيد التفصيل بخلاف الإيجاز، وقد يكون لأغراض أخرى. ومن الملاحظ في القرآن الكريم أنه إذا ختم الآية بالعلم المطلق وإحاطته بكل شيء، أي: بنحو قوله: ﴿بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ كرر (ما) فقال: ﴿مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾، وذلك نحو ما جاء في آية المائدة 97، وآية الحجرات 16، وآية المجادلة 7. قد تقول: ولكنه قد ذكر سعة علمه في التغابن فقال: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾. فذكر العلم بما يسرون وما يعلنون وأنه عليم بذات الصدور ومع ذلك لم يكرر (ما) فلم يقل: (وما في الأرض) مع دلالته على سعة علمه، فلم ذاك؟ فنقول: إن قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ أشمل في الدلالة على العلم من قوله: ﴿مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾ و ﴿إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾ فإنه خصص العلم بما يسرون وما يعلنون وبما في الصدور. ولا شك أن العلم بكل شيء أوسع بكثير من هذا، فإن هذا جزء يسير من علمه سبحانه، فكرر (ما) في موضع الإحاطة التامة. قد تقول: ولكنه قال في آل عمران: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٢٩﴾ [آل عمران: 29]. فكرر (ما) مع أنها شبيهة بآية التغابن، فقد ذكر إخفاء ما في صدور أو إبداءه، وهو شبيه بالإسرار والإعلان، فما الفرق؟ والجواب أن السياقين مختلفان من أكثر من وجه: 1 – منها أنه فصل في سياق آل عمران في شؤون أهل الأرض ما لم يفصله في التغابن، فقد ذكر قبل الآية ما يتعلق بأهل الأرض وأحوالهم وتصريف الله لهم ولما في الأرض ما لم يذكر في التغابن، فقد قال: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٢٦ تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ٢٧﴾. في حين لم يقل قبل آية التغابن في أهل الأرض إلا قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ﴾. 2 – لقد ختم آية آل عمران بالقدرة الشاملة فقال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾. ومن مقتضيات القدرة الشاملة العلم الشامل، فالقادر على كل شيء ينبغي أن يكون عالمًا بكل شيء، وإلا فكيف يكون قادرًا على شيء وهو ليس عالمًا به؟!. وما أجلّ التناسب بين القدرة الشاملة والعلم الشامل!. 3 – لقد قال في آية التغابن: ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾ فذكر الإسرار والإعلان. وقال في آل عمران: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾. فذكر الإخفاء والإبداء والإخفاء كأنه ((أخفى من السر قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى﴾ [طه: 7]. وقد يكون في الأشياء التي تسترها عن الناظر من الحاجات والبضائع، تقول: (أخفيت الباضعة تحت الأرض أو في صندوق) أي: سترتها. جاء في (المفردات في غريب القرآن): ((خفي الشيء خفية؛ إذا استتر. وأخفيته: أوليته خفاء، وذلك إذا سترته، ويقابل به الإبداء والإعلان)). وقال تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ﴾ [الممتحنة: 1]. فقال: ﴿وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ﴾ بعد قوله ﴿تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ ولم يقل: (أنا أعلم بما أسررتم وما أعلنتم) ذلك لأنه أفاد أنه يعلم الدافع الذي أخفوه في أنفسهم من هذا الإسرار، فإنك قد تسرّ شيئًا لشخص وأنت تبتغي غرضًا من ذلك تخفيه في نفسك، فربنا يعلم ذلك الأمر وماذا أخفيت)). والإبداء أعم من الإعلان، فقد يكون الإبداء من غير إعلان وقد يكون بإعلان فالإبداء هو الإظهار، و(بدا) ظهر، قال تعالى: ﴿فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا﴾ [طه: 121]. وتقول: (بدا لي الأمر) أي: ظهر. فذكر في آل عمران ما هو أعم، فناسب ذكر العموم التفصيل في قوله: ﴿مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾. ومن طريف التناسب في العموم والخصوص في هاتين السورتين أنه قال في آل عمران: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ٦﴾. وقال في التغابن: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ٣﴾. فذكر من السعة في المشيئة في آل عمران ما لم يذكره في التغابن، فقوله: ﴿يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ أوسع مما ذكر في قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ﴾ فهذا جزء من مشيئته، لو شاء غير ذلك لفعل. وقوله: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ أوسع من قوله: ﴿إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فقوله: ﴿إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ بعض صفات الألوهية. فما في آل عمران من العموم والشمول في هذه الآية مناسب لقوله: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوه﴾. والخصوص في آية التغابن يناسب الخصوص في قوله: ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾. ومن الملاحظ في آيتي آل عمران والتغابن من جهة أخرى أنه قدم في آية آل عمران علمه بإخفاء ما في الصدور أو إبدائه على علم ما في السماوات وما في الأرض فقال: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾. وقدم في التغابن علمه بما في السماوات والأرض على علمه بما يسرون وما يعلنون، ذلك أنه في آية التغابن قدم –كما ذكرنا- خلق السماوات والأرض على خلق الإنسان فقال: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ٣﴾ [التغابن: 3] فناسب تقديم علمه بما في السماوات والأرض. وأما في آية آل عمران فالسياق في ذكر أهل الأرض وما في الأرض، فقد قال قبل الآية: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٢٦﴾. وقبلها: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ٢٨﴾. وبعدها إنما هو في الكلام على أهل الأرض، فناسب تقديم ما يتعلق بهم. ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾. يقدم ربنا سبحانه السر على العلن في الغالب، غير أنه قد يقدم الإعلان على الإسرار إذا كان السياق يقتضي ذلك، فقد قال في سورة نوح مثلًا: ﴿ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا٩﴾ [نوح: 9] ذلك لأنه في مقام الدعوة والتبليغ، والأصل في التبليغ الإعلان؛ ولذا قال قبل الآية: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا٨﴾ [نوح: 8]. ثم إنما أرسل هو لينذر قومه، وإنذار القوم إنما يكون بالإعلان، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ٧﴾ [الأعلى: 7] فقد قدم الجهر على الإخفاء، والمقام يقتضي ذلك، فإن المقام في الإقراء، قال تعالى: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ٧﴾. والإقراء إنما يكون جهرًا لا إسرارًا، فقدم ما هو أنسب، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِن تُبۡدُواْ شَيۡ‍ًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا٥٤﴾ [الأحزاب: 54]. فقدم الإبداء على الإخفاء، ذلك أنه السياق في الإبداء، فقد قال قبلها: ﴿وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡ‍َٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ﴾ (الآية: 53). والسؤال إنما يكون بالإبداء. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًا﴾ (الآية: 53) والنكاح إنما يكون بالإعلان والإظهار، وبعدها قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا٥٨﴾ [الأحزاب: 58]. وذلك إنما يكون بالجهر من القول، فناسب تقديم الجهر. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ [البقرة: 284]. فقدم الإبداء على الإخفاء؛ لأنه قال: ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ والحساب إنما يكون على الإبداء لا على الإخفاء بخلاف قوله: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران: 29]. فقدم الإخفاء على الإبداء؛ لأنه قال: ﴿يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ والإخفاء أدل على العلم. فناسب كل تعبير موضعه. وكل ما قدم في ذلك أو أخر إنما هو لمطابقة مقتضى الحال. ﴿َٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. قد تقول: لقد قال في سورة هود: ﴿يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٥﴾ فأكد علمه ب(إن). وقال هاهنا: ﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾ من غير توكيد. وذلك أنه ذكر في سياق آية هود ما يتعلق بعلمه فيما يفعله المذكورون، فقد قال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٥﴾. ولم يذكر في آية التغابن نحو هذا، وإنما قال: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾. فلما ذكر في آية هود فعلهم وعلمه به أكد علم ما تخفيه صدروهم، ولما لم يذكر مثل ذلك في التغابن لم يؤكد. فقد قال في هود: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ﴾ وهذا يتعلق بأفعالهم. وقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ﴾ وهذا يتعلق بأفعالهم أيضًا. وقال: ﴿يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ﴾ وذكر نحو هذا في التغابن، غير أنه لم يذكر أمرًا آخر يتعلق بهم. فلما زاد ما ذكر في هود فيما يتعلق بهم عما ذكره في التغابن أكد ذلك ب(إن). فناسب كل تعبير موضعه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 167: 176)
  • ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٥﴾    [التغابن   آية:٥]
﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ٥﴾ [التغابن: 5]. * * * قال سبحانه: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ﴾ ولم يقل (من قبلكم) في حين قال نحو ذلك، أعني بلإضافة، في أكثر من موضع، فقد قال سبحانه: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ﴾ [التوبة: 70]. وقال: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ﴾ [إبراهيم: 9]. بذكر المضاف إليه. ولعل من أسباب عدم ذكر المضاف إليه في آية التغابن أنه عمم، فلم يذكر أقوامًا بأعينهم، وإنما قال: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ﴾ فلم يذكر قومًا. في حين لما ذكر المضاف إليه ذكر الأقوام فقال: ﴿قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ﴾. فناسب الذكرُ، وناسب عدم المضاف إليه عدم ذكر الأقوام. ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾. الوبال: الثقل والشدة والسوء. ومعنى ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾ ((أي: وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حلّ بهم في الدنيا من العقوبة والخزي)). ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: في الآخرة. فذكر ما لاقوه في الدنيا وما سيلاقونه في الآخرة وهو العذاب الأليم. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 177، 178)
  • ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٦﴾    [التغابن   آية:٦]
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ٦﴾ * * * أي: إن ما ذاقوه من العذاب وما سيلاقونه في الآخرة إنما هو بسبب كفرهم وتوليهم. والهاء في (أنه) ضمير الشأن، وذلك لتعظيم هذا الأمر الذي أفضى إلى ذلك. وقال: ﴿بِأَنَّهُۥ﴾ ولم يقل (بأنهم) لأنه أراد تعظيم هذا الأمر على العموم، سواء كان منهم أم من غيرهم، ولو قال (بأنهم) لربما أفهم أن ذلك خاص بهم، ولو كان من غيرهم لكان الأمر ليس بهذه الوخامة، أو لكان له شأن آخر. قد تقول: ولكنه قال في موضع آخر: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٢٢﴾ [غافر: 22]. فقال: ﴿بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ﴾ ولم يقل (بأنه) كما قال في آية التغابن، فما الفرق؟ فنقول: إن السياقين مختلفان. وقد ذكر أن الضمير في (أنه) ضمير مناسب لسياقه الذي ورد فيه من أكثر من جهة. 1 – فقد قال قبل آية غافر: ﴿فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ [غافر: 21]. فقال: ﴿مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ بالإضافة إلى ضميرهم. وقال في آية التغابن: ﴿نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ﴾ فحذف المضاف إليه، والإضافة تفيد التبيين والتخصيص. فلما أضاف إلى ضميرهم في غافر فقال: قال: ﴿مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ (بأنهم) بذكر ضميرهم. ولما لم يذكر المضاف إليه في التغابن قال: (أنه) بضمير الشأن، فلم يذكر ضميرهم. 2 – ذكرنا أن ضمير الشأن إنما هو تعظيم الأمر. وما ذكره في التغابن أشد وأعظم. فقد قال في التغابن: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيد﴾. وقال في غافر: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٢٢﴾ [غافر: 22]. فذكر في التغابن من صفات الكفر ما هو أشد فقال: 1 – ﴿فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا﴾ وهو إنكار للرسل على العموم. 2 - ﴿فَكَفَرُواْ﴾. 3 - ﴿وَتَوَلَّواْۖ﴾. وقال في غافر: ﴿فَكَفَرُواْ﴾. فذكر شيئًا واحدًا مما ذكره في التغابن، فزاد في التغابن التولي وإنكار صفة الرسالة للبشرية. فكان هذا أعظم وأشد، فجاء بالضمير الذي يدل على عظم هذا الشأن. وهذا من الوضوح بمكان. ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾. قال: ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ ليدل على استمرار المجيء بالبينات فقوله: ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ﴾ يفيد الاستمرار، ولو قال: (أتتهم) لدل على مجيء البينات، ولم يدل على الاستمرار تصريحًا. ﴿فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا﴾. وذلك إنكار أن يكون الرسل بشرًا مثلهم، وهذا شأن كثير من المنكرين على مدار التاريخ، فقد ذكر ذلك قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، فقد كانوا يقولون لرسلهم: ﴿إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: 10]. وكذلك قال كفار قريش: ﴿هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ﴾ [الأنبياء: 3]. وقال الله لرسوله: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]. ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ﴾. أي: كفروا بالرسل، وبما جاؤوا به وأعرضوا عنهم ونكلوا عن العمل، مع تتابع واستمرارها. والتولي في الأصل ترك المكان والانصراف عنه، قال تعالى في قصة موسى بعد ما سقى للمرأتين: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ﴾ [القصص: 24] أ أي: انصرف إلى الظل. وقال عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 84]. وقال عن قسم من الصحابة الفقراء: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ٩٢﴾ [التوبة: 92] أي انصرفوا عنه. والتولي قد يكون بالإعراض الذي ليس من الكفر، وقد يكون التولي كفرًا وهو الإعراض عن الرسول والرسالة. فلقد قال عن جماعة من الصحابة انهزموا يوم أحد: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ١٥٥﴾ [آل عمران: 155]. وقد يكون كفرًا، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ٢٣﴾ [الغاشية: 23]. وقال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ﴾ [التغابن: 6]. وقال: ﴿فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ [آل عمران: 20]. وقال: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ٣٢﴾ [آل عمران: 32]. وقال: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]. وقال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ٤٣﴾ [المائدة: 43]. لقد قدم الكفر على التولي في آية التغابن هذه فقال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ﴾. وقدم التولي على الكفر في موضع آخر فقال: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ٢٣﴾ [الغاشية: 23]. والواو لا تفيد الترتيب، وإنما هي لمطلق الجمع، وإن التقديم والتأخير بحسب السياق كما ذكرنا في أكثر من موضع. فالسياق في التغابن إنما هو في ذكر الكافرين فقال: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ٥﴾ [التغابن: 5]. وقال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ﴾ [التغابن: 7]. وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾ [التغابن: 10]. فناسب تقديم الكفر. وأما في الغاشية فالسياق مناسب لتقديم التولي، فقد قال: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ٢٢﴾. وهؤلاء تولوا عن التذكير وانصرفوا عنه وأعرضوا. وكثيرًا ما يكون الإعراض والتولي إعراضًا وتوليًا عن التذكير. قال تعالى: ﴿وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ٢٣﴾ [الأنفال: 23]. وقال: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: 82]. وقال: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [المائدة: 92]. وقال: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا﴾ [الكهف: 57]. وقال: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ﴾ [السجدة: 22]. فذكر التولي مناسب للتذكير والتبليغ. فلما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾ ناسب تقديم التولي. فناسب كل تعبير موضعه. ومن لطيف المناسبات ما قاله سبحانه في آخر سورة الغاشية: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ﴾ ذلك أنه لما قال: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾ والتولي هو الانصراف، والمنصرف لابد أن يؤوب إلى مكانه، قال: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ﴾ أي: إن هذا المتولي المنصرف عن التذكير إلينا إيابه، أي: سيؤوب إلينا وليس إلى جهة أخرى. ﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾. أي: لم يلتفت إليهم واطّرحهم ((حيث أهلكهم وقطع دابرهم))، من استغنى عن الشيء فلم يلتفت إليه. ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن العالمين وعن إيمانهم وطاعتهم. ﴿حَمِيدٞ﴾ أي: محمود على جهة الثبوت والدوام. وقد تكلمنا في هذين الوصفين في أكثر من موضع، من ذلك ما ذكرناه في تفسير سورة لقمان في قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾. ولئلا يظن أن الاستغناء إنما حصل بعد هلاكهم قال: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ أي: إن الله غني حميد على جهة الدوام قبل ذلك وبعده. قد تقول: لقد قال ههنا: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ من دون توكيد. وقال في سورة الممتحنة: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ بالتوكيد ب(إن) وذكر ضمير الفصل، وتعريف الغني الحميد، مع أن السياق في التولي في الموضعين، فقد قال في آية التغابن: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ٦﴾. وقال في آية الممتحنة: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيد﴾. فنقول: ليس الأمر على ما ظننت، وإنما السياق مختلف في الموضعين. فقد قال في الممتحنة: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ٦﴾ والخطاب للمؤمنين، والسياق في أمر آخر غير ما في التغابن، فإن هذه الآية التي قبلها في سياق آخر. فإن أول سورة الممتحنة هو قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقّ...﴾. وسبب النزول إنما هو في أحد الصحابة، وهو حاطب بن أبي بلتعة، أرسل كتابًا إلى أناس من المشركين في مكة يخبرهم بتوجه الرسول إليهم لفتح مكة؛ لتكون له عندهم يد، يدفع بها عن أهله وماله. فنزلت آيات تبين موقف إبراهيم والذين معه من قومه والبراءة منهم، وطلب إليهم أن تكون لهم أسوة فيهم، لا أن يتخذوا عندهم يدًا ويوادّوهم ليرجوا نفعهم فقال: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]. وقال: ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ٦﴾. فينبغي أن تبرؤوا منهم لا أن توادّوهم، وأن ترجوا الله واليوم الآخر لا أن ترجوهم، فإن الله هو الغني، وليس هؤلاء، بل إن الله هو الغني الحميد، وليس ثمة غني غيره، وهو المحمود على الدوام، فارجوا الله واليوم الآخر لما تريدون، ولا ترجوا أولئك؛ فإنه ليس عندهم ما ترجونه. فقال: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ بالتعريف والقصر والتوكيد وحذر من يتولى أنه لا ينال شيئًا ولا يبلغ مرادًا. وليس في سياق التغابن شيء من ذلك، فلم يؤكد ولم يقصر. فناسب كل تعبير موضعه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 178: 186) ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧﴾ * * * الزعم قيل أكثر ما يكون فيما يشك ولا يتحقق، وقيل: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب، وقد يطلق على الظن والكذب، وأكثر ما يستعمل للادعاء الباطل. ولم يرد في القرآن إلا في الذم. فقد ادعى الذين كفروا أن لن يبعثوا، فأمر الله سبحانه رسوله أن يقسم على أن البعث سيكون، وسيحاسبون على أعمالهم. ونفوا البعث ب(لن) المؤكدة لنفي المستقبل. وكان الجواب بالقسم وتوكيد الفعل الدال على الاستقبال، وقال: إن ذلك يسير على الله. وقدم الجار والمجرور (على الله) للحصر، أي: إن ذلك على الله وحده يسير، وليس يسيرًا على غيره. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 186، 187)
  • ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٨﴾    [التغابن   آية:٨]
﴿فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ٨﴾ * * * دعاهم إلى الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليه؛ لينجوا من عذاب الله في الدنيا والآخرة. فقد ذكر نبأ الذين كفروا من قبلهم، وأنهم ذاقوا وبال أمرهم في الدنيا، وأن لهم عذابًا أليمًا في الآخرة. وذكر ما زعمه الذين كفروا من عدم إيمانهم بالبعث وما سيجره عليهم عدم الإيمان، فدعاهم إلى الإيمان؛ لينجوا من عذاب الله ويفوزوا. وذكر الإيمان والرسول وما أنزل إليه وسماه نورًا فقال: فذكر النور مناسبة لما مر قبلها وهو وقوله: ﴿وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾. والنور إنما هو للهداية، فهو مناسب لقوله: ﴿أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا﴾. ومناسب لقوله: ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ لأن الأمور تتضح وتتبين بالنور، والبينات إنما هي النور. وهو مناسب لقوله بعدها: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾. والنور إنما هو للهداية، والإيمان نور، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ﴾ [البقرة: 257]. وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ﴾ [الأنعام: 39]. فذكر أن الذين كفروا في الظلمات. جاء في (تفسير الرازي) في قوله: ﴿وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَا﴾ ((وهو القرآن، فإنه يهتدي به في الشبهات كما يهتدي بالنور في الظلمات)). وجاء في (روح المعاني): ((﴿وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَا﴾ وهو القرآن، فإنه بإعجازه مبين لغيره، كما أن النور كذلك، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بأمر الإنزال، وفي ذلك من تعظيم شأن القرآن ما فيه)). ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِير﴾. الخبير: هو العالم ببواطن الأمور. وناسب هذا ما جاء في الآية التي قبلها: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ﴾، وقال ههنا: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ فكأن معنى هذه الآية تتمة لمعنى الآية التي قبلها، وكأنهما متتاليتان. فلو قيل: (ثم لتنبؤن بما عملتم والله بما تعملون خبير) لكان في غاية الحسن والمناسبة. وقد بنى الفعل في الآية السابقة للمجهول فقال: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ﴾ وقد بين في هذه الآية من الذي ينبئ ويعلم بواطن الأمور، وقدم ﴿بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ على ﴿خَبِير﴾ لأن السياق في العمل؛ فقد قال في أوائل السورة: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِير﴾، وقال فيما بعد: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ﴾، وقال بعدها: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا﴾ فناسب تقديم العمل. وقد ذكرنا في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) أنه ((إذا كان السياق في عمل الإنسان قدم عمله فيقول: ﴿بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِير﴾. وإذا كان السياق في غير العمل، أو كان في الأمور القلبية، أو كان الكلام على الله؛ قدم صفته فيقول: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾. وقد ضربنا لذلك أمثلة فلا نعيد القول فيه. وقل هاهنا: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ فذكر الخبرة. وقال في آية سابقة: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فذكر البصر. ولعل من أسباب ذلك أنه في الآية السابقة ذكر الخلق فقال: وذلك مما يبصر فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ﴾ وقال بعدها: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ﴾ وكل ذلك مما يبصر، فناسب ذكر البصير. وأما الآية التي ذكرت فيها الخبرة فهي في الإيمان، قال تعالى: ﴿فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾ ، والإيمان أمر قبلي، فناسب ذكر الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور. وأضاف الرسول إلى ضميره سبحانه تعظيمًا له. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 187: 190)
  • ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾    [التغابن   آية:٩]
﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٩﴾ [التغابن: 9]. * * * ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ﴾. ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ﴾ ظرف ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أي: لتنبؤن يوم يجمعكم، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار (اذكر) مقدرًا، وقيل غير ذلك. و(يوم الجمع) هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون. وقيل: جمع أهل السماوات والأرض. جاء في (تفسير ابن كثير) في قوله ((يوم الجمع)): ((هو يوم القيامة سمي بذلك؛ لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ١٠٣﴾. وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ٤٩ لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ٥٠﴾. وقال: ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ﴾: واللام للتعليل، أي: لأجل ذلك اليوم للدلالة على عظمة ذلك اليوم، ولم يقل (فيه) فإنه لابد لكل جمع ن يوم يجمع فيه ذلك الجمع، وإنما قال ﴿لِيَوۡمِ﴾ ليدل على أن الجمع لأجل ذلك اليوم. وقد ذهب بعضهم إلى أن اللام بمعنى (في). ولا أراه سديدًا، فإنه لم يأت ب(في) في القرآن في نحو التعبير، وإنما يأتي باللام، أو قد يأتي ب(إلى) للدلالة على انتهاء الغاية، أي: يستمر جمعهم إلى ذلك اليوم. قال تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25]. وقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ [آل عمران: 9]. وقال: ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ﴾ [هود: 103] للدلالة على عظم ذلك اليوم. وقد حذرنا ربنا من ذلك اليوم وأمرنا بخشيته، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ﴾ [لقمان: 33]. وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [النور: 37]. وقال: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ [الإنسان: 7]. وقال:﴿فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] . وعداه أيضًا ب(إلى) قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: 26]. وقال: ﴿لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ﴾ [النساء: 87]. وقال: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ٤٩ لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ٥٠﴾ [الواقعة: 49-50]. للدلالة على الانتهاء. ﴿ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ﴾. الغبن بخس الحق وفوت الحظ والنقص في الثمن وغيره. والمراد بيوم التغابن اليوم الذي يغبن فيه أهل الجنة أهل النار، فيغبن فيه أهل النار بخسران أنفسهم وأهليهم. وقيل: ((سئل بعضهم عن يوم التغابن فقال: تبدو الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في الدنيا)). وقيل: هو ((يوم غبن فيه أهل الجنة أهل النار)). وقيل: التغابن ((هو فوت الحظ، والمراد بالمغبون: من غبن في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان)). وفي (فتح القدير): ((يغبن فيه بعض أهل المحشر بعضًا، فيغبن أهل الحق أهل الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر، وأهل الطاعة أهل المعصية... فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة)). فهو يوم التغابن العام، يغبن فيه أهل الكفر والضلال، ويغبن فيه أهل الحق؛ لأنهم تركوا ما لو فعلوه لنالوا ما لم ينالوه من الدرجات العلى، فالكل مغبون على حسب عمله. فهو يوم التغابن. ومن لطيف التناسب في ذكر التغابن أنه ذكر بعده أصحاب الجنة وأصحاب النار، فأحدهما غابن والآخر مغبون، فأصحاب النار مغبونون، عافانا الله من ذلك. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 190: 194)
  • ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾    [التغابن   آية:٩]
﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٩﴾ [التغابن: 9] * * * قال هاهنا: ﴿يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ﴾، وقال في موطن آخر: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّ‍َٔاتِكُمۡۗ ﴾ [البقرة: 271] بذكر ﴿مِّن﴾ التي تفيد التبعيض. وسياق كل من الآيتين يبين سبب ذلك. فقد قال في آية البقرة: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّ‍َٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ٢٧١﴾ [البقرة: 271]. فآية التغابن إنما هي في الإيمان بالله والعمل الصالح عامة: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا﴾. أما آية البقرة فهي في إيتاء الصدقات، وهي جزء من العمل الصالح، فما ذكر في آية التغابن أعم وأعلى، فناسب ذلك تكفير السيئات عامة. فناسب العمومُ العمومَ، وناسب البعضُ التبعيضَ. قد تقول: لقد قال في سورة الطلاق: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا﴾ [الطلاق: 11] فزاد في آية التغابن قوله: ﴿يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ﴾ دون آية الطلاق ((ذلك أن آية التغابن خطاب للكافرين، وقد دعاهم إلى الإيمان فقال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧ فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ٨﴾. ثم قال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ﴾ (الآية: 9). وأما آية الطلاق فهي خطاب للمؤمنين وقد دعاهم إلى التقوى فقال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا١٠﴾ [الطلاق: 10]. ثم قال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ﴾ [الطلاق: 11]. فكان ذكر تكفير السيئات مع الكافرين الذين هم في معصية مستديمة، وسيئاتهم غير منقطعة؛ أولى من ذكرها مع المؤمنين)). جاء في (درة التنزيل): ((للسائل أن يسأل عما خصص الآية الأولى بقوله: ﴿يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ﴾ وإخلاء الآية الثانية منه؟ والجواب أن الأولى جاءت بعد قوله مخبرًا عن الكفار فقالوا: ﴿أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ٦ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧﴾ فهذه سيئات تحتاج إلى تكفير إذا آمن بالله بعدها فقال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا﴾ في مستقبل عمره يمسح عنه ما سبق من كفره، ثم يوجب له جنات. والآية الثانية لم يتقدمها خبر عن الكفار بسيئات فيوعدوا بتكفيرها إذا أقلعوا عنها وتابوا منها وعملوا الصالحات مكانها، وكان مضمونًا تكفير السيئات عند الإيمان وعمل الصالحات، فلم يحتج إلى ذكره كما كان الأمر في غيره)). ومن الملاحظ أنه ختم آية الطلاق بقوله: ﴿قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا﴾ وهو مناسب لما ورد في السورة وتكرر فيها من ذكر الإنفاق والرزق. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾. وقال: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]. وقال: ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا٧﴾ [الطلاق: 7]. فناسب ذكر الرزق الحسن في الآية. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 194: 196)
  • ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٠﴾    [التغابن   آية:١٠]
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ١٠﴾ * * * ذكر التكذيب بالآيات إضافة إلى الكفر، وذلك مناسب لما ورد في السورة؛ فقد قال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ﴾ [التغابن: 6]. والبينات: إنما هي آيات من آيات الله. وقال: ﴿فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾ [التغابن: 8]. والنور الذي أنزله إنما هو القرآن وما فيه من آيات. والتكذيب بالآيات يشمل الآيات التي أوتيها رسل الله من المعجزات وغيرها. ويشمل آيات الله في كتبه ومنها آيات القرآن الكريم. فالتكذيب بالآيات يشمل كل أنواع الآيات. قد تقول: لقد قال في الآية التي قبلها: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ﴾ بأسلوب الشرط. وقال هاهنا: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾ بذكر الاسم الموصول، فما الفرق؟ والذي يبدو أن سبب الاختلاف أنه قال قبل الآية الشرطية: ﴿فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾. فطلب منهم الإيمان بالله ورسوله، ثم قال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا...﴾. فهذه عاقبة من يستجيب. وأما قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ﴾ بالاسم الموصول والفعل الماضي فلأنه تقدم ذكر الكافرين، وذكر الذين كفروا من الماضين، وأخبر عنهم بالماضي فقال: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ﴾. وقال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي...﴾ [التغابن: 7]. فناسب الإخبار عنهم بالماضي فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾. ولم يسبق ذكر للمؤمنين في الماضي، وإنما طلب الإيمان. فجاء مع المؤمنين بأداة الشرط الدالة على الاستقبال. وجاء مع الكافرين بالاسم الموصول والفعل الماضي. فناسب كل تعبير ما ورد من السياق. جاء في (تفسير الرازي): ((قال تعالى في الإيمان: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ بلفظ المستقبل، وفي الكفر: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بلفظ الماضي. فنقول: تقديم الكلام: ومن يؤمن من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار)). والملاحظ أنه لم يأت الخلود مع أصحاب الجنة بلفظ المفرد، وإنما يؤتى به بلفظ الجمع دائمًا، فلم يقل في أصحاب الجنة (خالدًا) وإنما يقول (خالدين) بلفظ الجمع دائماً بخلاف أصحاب النار، فإنه يؤتى به بلفظ الجمع أوالإفراد بحسب السياق. فإنه يؤتى مع أصحاب الجنة بلفظ الجمع للاستئناس، فإن الجمع يفيد الأنس بخلاف الوحدة. وقد ذكرنا نحو ذلك في أكثر من مناسبة. ومن الملاحظ في التعبير القرآني أنه حيث ذكر أصحاب الجنة أو أصحاب النار، أعني ذكر كلمة (أصحاب) مضافة إلى الجنة أو إلى النار، لم يذكر الأبد، وإنما قد يكتفي بذكر الخلود، فإن كلمة (أصحاب) تغني عن الأبد، فإنه صاحبها. وهو من دقيق الإيجاز. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 196: 199)
  • ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١١﴾    [التغابن   آية:١١]
﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١١﴾ [التغابن: 11] * * * أطلق الإصابة فلم يذكر مفعولًا أو مكاناً لها أو زمانًا أو غير ذلك، فلم يقل (ما أصابكم) أو نحوه، ولم يقل (في الأرض) أو ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ أو غير ذلك. وجاء ب(من) الاستغراقية، فحيثما حلّت مصيبة؛ فإن ذلك لا يكون إلا بإذنه وأمره. قد تقول: لقد قال في سورة الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ [الحديد: 22]. فزاد ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ على ما في التغابن ((وذلك لأنه فصل في سورة الحديد في أحوال الدنيا والآخرة ما لم يفصله في التغابن، فكان المناسب أن يفصل ويزيد موافقة لما قبلها. جاء في سورة الحديد: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ٢٠ سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ٢١ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ ولم يرد مثل ذلك في سورة التغابن، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ١٠ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾. فأنت ترى أنه فصل وذكر في سورة الحديد مالم يذكره في التغابن؛ ولذا زاد في التفصيل في الآية المذكورة موافقة لما قبلها. جاء في (البرهان) للكرماني أنه ((فصل في هذه السورة وأجمل هناك موافقة لما قبلها في هذه السورة، فإنه فصّل أحوال الدنيا والآخرة فيها بقوله: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ ﴾ [الحديد: 20]. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ما ذكره في سورة التغابن أعم مما ورد في سورة الحديد، فقد قال في سورة الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ فذكر المصيبة في الأرض أنفس المخاطبين. أما في سورة التغابن فإنه خصص، بل أطلق كما ذكرنا، فقال: وهو يشمل كل شيء يمكن أن تقع فيه مصيبة؛ ولذا ختم بقوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيم﴾. ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُ﴾. قال بعد آية الحديد التي ذكر فيها المصيبة في الأرض والأنفس: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وقال في آية التغابن: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥ﴾، ولا شك أن قوله ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾ أعم من قوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ فإن هذا جزء من هداية القلب، فهداية القلب عامة. ولذا ذكر في تفسير ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾ كلام كثير على العموم، وأنه ليس نصًا في أمر واحد، فقد قيل: إن معناه ((يهد قلبه لليقين))، وقيل: ((أي: يلطف به ويشرحه لازدياد الخير والطاعة)). وقيل معناه: ((يهد قلبه عند المصيبة... للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾. قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء)). وفي (فتح القدير) ((يهد قلبه للصبر والرضا بالقضاء)). إن قوله ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُ﴾ يحتمل كل ما قيل، فهو تعبير عام يحتمل عموم الهداية. وواضح أن هذا أعم من قوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه، فقد ناسب العمومُ العمومَ في قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ فأطلق المصيبة وأطلق الهداية. وناسب الخصوصُ الخصوصَ في قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾. فعقب بقوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وهو من لطيف المناسبات. وهو من لطيف التناسب في السياقين أنه قال في آية الحديد: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ﴾ وبعدها: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ٢٤﴾. وقال قبل آية التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِير﴾ وبعدها قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ....﴾. وواضح أن ما ورد في آية التغابن أعم مما ورد في آية الحديد. فقد قال في آية الحديد: ﴿كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ﴾. وقال في التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ﴾. ولا شك أن المذكورين في آية الحديد هم قسم ممن لا يحبهم الله. فما ورد في التغابن أعم وأشمل، فقد يدخل المذكورون في سورة الحديد فيمن ذكروا في آية التغابن. فناسب العموم في التغابن ما ذكرناه من العموم. وناسب الخصوص في آية الحديد ما ورد فيها من الخصوص. ومن لطيف ذلك أيضًا ما ورد بعد قوله تعالى في التغابن: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ وذلك قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢﴾. وقال بعد آية الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾. ومن المعلوم أن قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾ أعم وأشمل من قوله: ﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ فهذا جزء من إطاعة الله وإطاعة الرسول. فناسب العمومُ العمومَ من جهة أخرى. وناسب الخصوصُ الخصوصَ. ونلخص ما ورد في التناسب في العموم والخصوص في هذين الموطنين من سورة التغابن والحديد بما يأتي: 1 – قوله في التغابن: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾. وقوله في الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾. وما في التغابن أعم. 2 – قوله في التغابن: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥ﴾. وقوله في الحديد: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وما في التغابن أعم. 3 – قوله في التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾. وقوله في الحديد: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾. وما في التغابن أعم؛ إذ ما في الحديد إنما هو جزء من صفات الذين كفروا وكذبوا. 4 – قوله في التغابن: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾. وقوله في الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾. وما في التغابن أعم؛ إذ القيام بالقسط إنما هو جزء من إطاعة الله وإطاعة الرسول. 5 – قوله في التغابن: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾. وقوله في الحديد: ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾. وظاهر أن ما في التغابن أعم، فقد جعل علمه عامًا بكل شيء، وأما في الحديد فالكلام على المصيبة. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 199: 205)
إظهار النتائج من 7941 إلى 7950 من إجمالي 12325 نتيجة.