﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٢﴾ [المجادلة: 12]
* * *
قيل: إن قومًا من المؤمنين ومن غيرهم أيضًا من المنافقين واليهود كثرت مناجاتهم للرسول في غير حاجة، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرد أحدًا، فنزلت مشددة عليهم أمر المناجاة.
ثم نسخت.
جاء في (روح المعاني): ((أي: إذا أردتم المناجاة معه عليه الصلاة والسلام لأمر ما من الأمور ﴿فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ﴾ فتصدقوا قبلها . . . وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع للفقراء وتمييز بين المخلص والمنافق ، ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ودفع للتكاثر صلى الله تعالى عليه وسلم من غير حاجة مهمة . . . ونسخ بقوله تعالى:﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ﴾ إلخ)).
﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ﴾.
((أي: تقديم الصدقات خير لكم لما فيه من الثواب ، و(أطهر) أي: أزكى لأنفسكم)).
لقد أفرد كاف الخطاب في قوله:﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ ولم يقل: (ذلكم) كما في آيات أخرى، من نحو قوله تعالى:﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ﴾.
وغيرها من الآيات.
وقد ذكرنا في كتابنا (معاني النحو) الغرض من الإفراد والجمع لكاف الخطاب في (ذلك) و(ذلكم) في القرآن الكريم.
فقد يستعمل القرآن الجمع للتوكيد، وقد يستعمله بحسب المخاطبين من حيث الكثرة والقلة ، فيستعمل الجمع للدلالة على كثرة المخاطبين ، والإفراد للدلالة على قلتهم بالنسبة إلى غيرهم، أو غير ذلك.
جاء في (معاني النحو): ((وقد استعمل القرآن الكريم الخطاب بالجمع وبالإفراد للتمييز بين مجموعتين.
فقد تكون مجموعة أكبر من مجموعة فيستعمل لخطاب الجمع الكثير بصورة الجمع ، وللقليل بصورة الإفراد، وذلك نحو قوله تعالى:﴿ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ﴾ وقوله:﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ﴾ فإن الآية الأولى لخطاب المؤمنين وتكليفهم إلى قيام الساعة.
وأما الآية الأخرى فلخطاب الصحابة وحدهم ولا يشمل غيرهم من المسلمين ، ثم إنه حكم ما لبث أن نسخ.
فجاء لما هو عام شامل بصيغة الجمع، ولما هو خاص بالإفراد)).
وآية البقرة المذكورة إنما هي في حكم من أحكام الطلاق ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٢٣٢﴾ وهو حكم عام لجميع الأمة إلى قيام الساعة كما مر.
فجاء لمن هم أقل ولما هو موقوت غير دائم بـ (ذلك).
ولمن هم أكثر ولما هو آكد وأدوم بـ (ذلكم).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 128: 130)
﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ١٣﴾ [المجادلة: 13]
* * *
﴿ ءَأَشۡفَقۡتُمۡ ﴾.
(( الإشفاق – هنا - : الفزع من العجز على الشيء المتصدق به ، أو من ذهاب المال في الصدقة)).
والمعنى: ((أخفتم الفقر لأجل تقديم الصدقات؟)).
وجمع الصداقات لكثرة التناجي، فإن خوف الفقر قد يكون من كثرة التناجي أو جمعها ؛ لأن المخاطبين جمع.
جاء في (روح المعاني): (( جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة؛ لأنه ليس مظنة الفقر، بل من استمرار الأمر وتقديم صدقات وهذا أولى مما قيل إن الجمع لجمع المخاطبين؛ إذ يعلم منه وجه إفراد الصدقة فيما تقدم على قراءة الجمهور)).
ولعل المراد كلاهما.
أما ما رجحه صاحب (روح المعاني) من أنه جمع الصدقات؛ لأن الخوف من استمرار الصدقات لا لكثرة المخاطبين مستدلًا بالآية قبلها، فقد أفرد الصدقة مع أن المخاطبين جمع، فقد يقال ردًا على ذلك أنه لو قال: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقات) لربما أفهم أن المطلوب تقديم أكثر من صدقة قبل النجوى، فدفع ذلك الظن بإفراد الصدقة.
﴿فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ﴾ (( ما أمرتم به وشق عليكم ذلك ﴿وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ بأن رخص لكم المناجاة من غير تقديم صدقة)).
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله فيما أمر ونهى.
﴿وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾.
يعلم ظاهرها وباطنها.
قد تقول: لقد قال في هذه الآية:﴿وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ فلم يؤكد الجملة في حين أكد نحو هذه الجملة في أكثر من موطن في القرآن ، فقد قال ربنا سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُون﴾ في الآية الثامنة من سورة المائدة، وفي السورة الثالثة والخمسين من سورة النور ، وفي الآية الثامنة عشرة من سورة الحشر.
فنقول: إن التوكيد وعدمه – كما هو معلوم – إنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام ، فإذا اقتضى المقام التوكيد أكد، وإلا فلا.
وليس في آية المجادلة ما يقتضي توكيد الخبرة ، في حين أن الآيات الأخرى تقتضي التوكيد.
أما آية المائدة فهي قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٨﴾
فقد طلب ربنا في هذه الآية من عباده المؤمنين أن يكونوا كثيري القيام لله بحقوقه.
و ﴿ قَوَّٰمِينَ ﴾ صيغة مبالغة.
فطلب منهم الإتصاف بذلك على جهة الثبوت والدوام وكثرة القيام لله والقيام لله يتعلق بحق الله في الأنفس وفي حقوق العباد.
وأن يكونوا شهداء بالعدل ولو على أنفسهم هم، أو ضد مصالحهم ، فإن ذلك من القيام لله.
وأن لا يحملهم شدة بغضهم لقوم وكرههم لهم ألا يعدلوا بالحكم أو
بالشهادة أو بارتكاب ما لا يحل.
ثم أمرهم علاوة على ذلك فقال:﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ .
وكل ذلك مما يثقل على النفس.
ثم حذرهم نفسه قائلًا:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ .
وذلك يدل على عظم وأهمية حقوق العباد ومصالحهم.
فاقتضى ذلك توكيد خبرته سبحانه بأعمالنا فقال:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾.
وأما آية النور فهي قوله سبحانه في المنافقين:﴿۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٥٣﴾ [النور: 53] .
والكلام على المنافقين كما ذكرت.
وقد أكد قولهم بالقسم والمؤكدات الأخرى.
فقال:﴿۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾.
ثم قال:﴿جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي: أغلظ الأيمان، وذلك يدل على كثرة أيمانهم المغلظة ، فقد جاء بالجمع فقال:
﴿ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ .
وقال:﴿لَئِنۡ﴾ باللام الواقعة في جواب القسم.
و﴿لَيَخۡرُجُنَّۖ﴾ بنون التوكيد الثقيلة ولام الجواب.
فناسب أن يقول الله لهم سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ مؤكدًا خبرته بما يعملون كما أكدوا قولهم بالأقسام المغلظة.
وأما آية الحشر فهي قوله سبحانه:﴿وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ١٨﴾.
فقد حذر رب العزة عباده مرتين فقال:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ وقال:﴿وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ﴾ وهي تشمل عموم الأعمال.
ثم قال:﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾.
فناسب تكرار التحذير أن يؤكد ربنا سبحانه خبرته بما نعمل ، وليس شيء من ذلك في آية المجادلة.
فناسب كل تعبير موضعه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 130: 134)
﴿۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٥﴾ [المجادلة: 14-15]
* * *
﴿۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم ﴾.
قوله: ﴿۞أَلَمۡ تَرَ﴾ للتعجيب من القوم المذكورين، وهم المنافقون ، وكانوا يتولون اليهود ، وهم الذين غضب الله عليهم كما أخبر ربنا عنهم في عدة آيات ، من ذلك قوله تعالى:﴿ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ ﴾ [المائدة: 60] وقوله:﴿ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ﴾ [البقرة: 61] وقوله:﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ ﴾ [البقرة: 90] .
فكانوا يوالونهم ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين.
﴿مَّا هُم مِّنكُمۡ﴾.
أي: إن هؤلاء المنافقين ليسوا منكم أيها المسلمون.
أي:﴿وَلَا مِنۡهُمۡ﴾ ولا من اليهود، وإنما هم كالشاة العائرة بين الغنمين كما ذكر الحديث الشريف ، فهم مذبذبون بين ذلك ، كما قال ربنا سبحانه فيهم: ﴿مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ ﴾ [النساء: 143]
لقد قال:﴿مَّا هُم مِّنكُمۡ﴾ فنفى بـ (ما) ولم يقل: (ليسوا منكم) لأن (ما ) أقوى من (ليس) فهي قد دخلت على الجملة الاسمية ونفتها . وأما القول: (ليسوا منكم) فهي جملة فعلية، والاسمية أقوى.
ثم إن هذا مناسب لما بعده، وهو قوله:﴿وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ﴾ ، فناسب حلفهم على الكذب أن ينفي بـ (ما) التي هي رد لقولهم وتوكيد للنفي.
فقد أكد النفي بـ (ما) كما أكدوا قولهم بالحلف.
﴿وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾.
أي: يحلفون على الكذب فيما أسند إليهم من الأفعال التي فعلوها ، فيحلفون أنهم لم يفعلوها ، ويحلفون على ادّعاء الإسلام وهم كاذبون.
جاء في (الكشاف): ((أي: يقولون والله إنا لمسلمون ، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام ( وهم يعلمون) أن المحلوف عليه كذب بحت)).
إنه لم يقل: ( ما هم منكم ولا منهم وإنما هم يكذبون) بل قال:﴿وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ فهم أقسموا على ذلك ، وهذه تسمى (اليمين الغموس) وهي التي تغمس صاحبها في نار جهنم.
واليمين الغموس أن تحلف على أمر وأنت تعلم خلافه.
جاء في (الكشاف) ((فإن قلت: فما فائدة قوله:﴿وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ ؟
قلت: الكذب أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه ، سواء علم
المخبر أو لم يعلم.
فالمعنى أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه ، وهم عالمون بذلك ، متعمدون له؛ كمن يحلف بالغموس)).
وقال:﴿وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ﴾ بصيغة المضارع للدلالة على تكرار الحلف الكاذب.
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾.
أي: أعد الله لهم العذاب الشديد بسبب استمرارهم ، واعتيادهم العمل السيّء.
فقوله:﴿إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُون﴾ يفيد الماضي المستمر، أي: كانوا مستمرين على الأعمال السيئة، فناسب ذلك أن يكون عذابهم شديدًا. جاء في (الكشاف):
((﴿إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُون﴾ يعني: أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل، مصرين عليه، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ﴾ بسبب ذلك ﴿عَذَابٗا شَدِيدًاۖ﴾ نوعًا من العذاب متفاقمًا.
﴿إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُون﴾ ما اعتادوا عليه وتمرنوا عليه)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 134: 137)
﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ١٦﴾ [المجادلة: 16]
* * *
أي: اتخذوا أيمانهم وقاية وسترة يتسترون بها من المؤمنين، ويتقون المؤاخذة عن أفعالهم السيئة وكيدهم للمسلمين.
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: أعرضوا هم ، وصدوا غيرهم من الناس عن الإسلام ((وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ، ويضعفون أمر المسلمين عندهم)).
وجاء في (تفسير الرازي): ((أي: اتخذوا إظهار أيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح حال الإسلام)).
﴿فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾.
وهذا وعيد آخر بعذاب آخر لصدهم الناس عن الإسلام، وكل عمل من أعمال الكفر له عذاب، وبعضها أشد من بعض.
والعذاب المهين هو العذاب المخزي لهم بإظهاره وخزيه، فهم تستروا بالأيمان الكاذبة، ففضحهم الله وأخزاهم بعذابه.
جاء في (الكشاف): ((وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزي لكفرهم وصدهم كقوله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ ﴾ [النحل: 88]
وجاء في (روح المعاني): ((﴿فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم ، وقيل: الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة، ويشعر به وصفه بالإهانة المقتضية للظهور فلا تكرار)).
وجاء في (التحرير والتنوير): (( وقد وصف العذاب أول مرة بشديد، وهو الذي يجازون به على توليهم قومًا غضب الله عليهم، وحلفهم على الكذب.
ووصف عذابهم ثانيًا بـ (مهين) لأنه جزاء على صدهم الناس عن سبيل الله.
وهذا معنى شديد العذاب لأجل عظيم الجرم، كقوله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ﴾.
فكان العذاب مناسبًا للمقصدين في كفرهم، وهو عذاب واحد فيه الوصفان، وكرر ذكره إبلاغًا في الإنذار والوعيد، فإنه مقام تكرير مع تحسينه باختلاف الوصفين)).
والذي يظهر لي أن هذا عذاب آخر لعمل آخر، والله أعلم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 137: 139)
﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيًۡٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ١٧﴾ [المجادلة: 17]
* * *
هذه الآية مناسبة لقوله تعالى قبلها:﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ﴾ ((فكما لم تقهم أيمانهم العذاب لم تغن عنهم أموالهم ولا أنصارهم شيئًا يوم القيامة)).
ومعنى ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ﴾ لن تنفعهم أو تدافع عنهم وتمنعهم من العذاب.
﴿أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم﴾.
ذكر الأموال والأولاد؛ لأنها مظنة المنع وجلب المصالح والنصرة، فذكر المال والقوة، وبهما تتحقق المنافع ودفع المضار.
فقال لهم: إنه لن تنفعهم أموالهم ((التي أعدوها لدفع المضار وجلب المصالح.
(ولا أولادهم) الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة، ويعولون عليهم في المهمات المدلهمة، وتأخيرهم عن الأموال مع توسيط حرف النفي – كما قال شيخ الإسلام – إما لعراقتهم في كشف الكروب، أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب)).
وقدم المال لأنه أبلغ في النفع والدفع وجلب المصالح من الأولاد.
جاء في (البحر المحيط): ((ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب، والفتنة أبلغ من الأولاد قدم في هذه الآية، وفي قوله:﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ﴾ وفي قوله:﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ وفي قوله:﴿وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ وفي قوله:﴿لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ﴾ بخلاف قوله:﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ ﴾ إلى آخرها، فإنه ذكر هنا حب الشهوات، فقدم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال)).
وأعاد النافي فقال:﴿وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم﴾ للتوكيد، وليفيد أنه لا تنفع الأموال وحدها ولا الأولاد وحدهم ولا مجموعهم.
فإنه قد يذكر عدم الإغناء للمال ولا يذكر معه الأولاد وذلك نحو قوله تعالى:﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ٨٤﴾ [الحجر: 84] وقوله:﴿ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡٔٗا ﴾ [الجاثية: 10] وقوله:﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ٢٨﴾ [الحاقة: 28] وقوله:﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ٢﴾ [المسد: 2]
وقد يذكر الأولاد ولا يذكر الأموال كقوله تعالى: ﴿ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيًۡٔاۚ ﴾ [لقمان: 33]
وقوله: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ٣٦﴾ [عبس: 34-36]
فذكر الأموال والأولاد جميعًا في الآية، وذكر أنها لا تغني من الله شيئًا في كل الأحوال. جاء في (نظم الدرر): ((وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع، فيكون أصرح في المرام)).
وقوله: (من الله) أي: من عذابه وبأسه، أو من جهته، فـ (من) لابتداء الغاية.
وذهب الزمخشري إلى أنها بمعنى بدل، أي: بدل رحمته وطاعته، وبدل الحق.
والتعبير يحتمل، وكأن معنى الابتداء أظهر، والله أعلم.
﴿شَيۡٔٗا﴾.
يحتمل أن يكون المعنى شيئًا من الإغناء، فيكون النصب على المصدرية، وأن يكون المعنى: شيئًا من الأشياء، فيكون مفعولًا به.
والمعنيان مرادان، فهي لا تغني من الله شيئًا من الإغناء ، ولا شيئًا من الأشياء، والله أعلم.
﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾.
﴿أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ﴾ أي: ملازموها ملازمة دائمة؛ ولذا أكد ذلك بقوله: ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾.
وجاء بالجملة الاسمية للدلالة على الثبوت، و(هم) يحتمل أن يكون ضمير فصل للاختصاص ، ويتحمل أن يكون مبتدأ.
قد تقول: لقد قال في آية المجادلة هذه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾.
وقال في آل عمران:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ١١٦﴾ [آل عمران: 116]
فقال في آية المجادلة:﴿ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ ﴾.
وقال في آية آل عمران:﴿ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ ﴾ بذكر الواو.
فما الفرق؟
فنقول: إن السياق في كل تعبير يوضح ذلك.
فسياق الكلام في آل عمران إنما هو في أهل الكتاب، ومما قاله في السياق فيهم:﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ١١١﴾.
فذكر أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم شيئًا في الدنيا، ذلك أنهم سيغلبون فيها، وفي الآخرة هم أصحاب النار.
فدل ذلك على أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم في الدنيا ولا في الآخرة.
ونحو ذلك قوله تعالى في آل عمران:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ١٠﴾
وهو إشارة إلى أنهم سيغلبون في الدنيا، فلا تغني عنهم أموالهم ولا
أولادهم فيها، وفي الآخرة هم وقود النار.
ويدل على ذلك السياق ، فقد قال بعدها:﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ١١ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٢﴾.
فقد ذكر أنهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، فقد عاقبهم الله سبحانه في الدنيا وسيعاقبهم في الآخرة.
وكما قال في الآية بعدها:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٢﴾
فهم سيغلبون في الدنيا ويحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم في الدنيا ولا في الآخرة.
فالواو عطف أو استئناف.
جاء في (نظم الدرر) أنهم ((ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئًا، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا، ومحشورون في الآخرة إلى جهنم)).
أما آية المجادلة فهي في المنافقين، فذكر عدم الإغناء على العموم، ولم يعطف فإنهم لم يحاربوا الرسول في الدنيا حرب قتال، بل كانوا يظهرون له أنهم معه.
فجاء بالتعبير عامًا يعم الدنيا والآخرة في عدم الإغناء.
ولم يعطف أو يستأنف؛ فإنهم إن نجوا في الدنيا فلن ينجوا في الآخرة، فناسب كل تعبير سياقه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 139: 144)
﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ١٨﴾ [المجادلة: 18]
* * *
(( هذا متصل بقوله ﴿وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ﴾ إلى قوله:﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ﴾ )).
﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا﴾ فلا يترك أحدًا منهم.
وقوله:﴿فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ﴾ أي: يحلفون لله تعالى في الآخرة على أنهم مسلمون وأنهم لم يكونوا مشركين؛ كما قال سبحانه:﴿وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ٢٢ ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ٢٣﴾ [الأنعام: 22-23].
﴿كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ﴾ في الدنيا على أنهم منكم، كما أخبر ربنا سبحانه عنهم بقوله:﴿وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ٥٦﴾ [التوبة: 56].
و(( ليس العجب من حلفهم لكم، فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر، وأن لهم نفعًا في ذلك دفعًا عن أرواحهم، واستجرار فوائد دنيوية . . . ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة . . . والمراد وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه ، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل، كما قال:﴿وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾.
﴿وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ﴾ أي: ((يحسبون في الآخرة (أنهم) بتلك الأيمان الفاجرة على شيء من جلب منفعة أو دفع مضرة كما كانوا عليه في الدنيا)).
﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾ (( البالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب)) (( وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه عز وجل كما تروجه عند المؤمنين)).
وقد أكد كذبهم بحرف التنبيه (ألا) وحرف التوكيد (إن) وضمير الفصل الذي يفيد الاختصاص والقصر، وبالتعريف، أي: هم الكاملون في الكذب، البالغون فيه أبعد الحدود.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ144 : 146)
﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ١٩﴾ [المجادلة: 19]
* * *
﴿ ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ﴾.
أي: استولى عليهم وغلب على نفوسهم وأحاط بهم من كل جهة حتى أطاعوه في كل ما يريده منهم حتى جعلهم رعيته وحزبه.
﴿ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ ﴾.
أي: أنساهم (( أن يذكروا الله أصلًا لا بقلوبهم ولا بألسنتهم)).
وقد عطف بالفاء للدلالة على السببية والترتيب والتعقيب بحيث يجعل لهم مهلة في ذلك، فهو لم يقل: (وأنساهم) أو: (ثم أنساهم).
﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ﴾.
أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُون﴾.
((أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غاية وراءه، حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم)).
وجاء في (فتح القدير): ((﴿هُمُ ٱلۡخَٰسِرُون﴾ أي: الكاملون في الخسران، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران؛ لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه، وحلفوا بالأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة)).
وقد جاء بـ (ألا) التي للتنبيه، وأكد بـ (إن) وبضمير الفصل الذي يفيد القصر والتوكيد، وعرف (الخاسرين) ولم يقل: (ألا إن حزب الشيطان خاسرون) للدلالة على عظم الخسارة، فكأنه قد حصر الخسران فيهم، فلا أحد أخسر منهم.
هذا إضافة إلى أنه أظهر حزب الشيطان وكرره ولم يأت بالضمير الذي يعود عليهم، فإنه قال:﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ ولم يقل: (أولئك حزب الشيطان ألا إنهم) لغرض التوكيد، ولإفادة أن حزب الشيطان على العموم في كل مكان وزمان هم الخاسرون، وليس هؤلاء المذكورون فقط، فإنه لو قال: (ألا إنهم الخاسرون) لربهما أفهم أن هذا الخسران مخصوص بالمذكورين؛ لأن الضمير يعود عليهم.
فكان التوكيد بألا وإن وإظهار ما يمكن إضماره وضمير الفصل وتعريف الخاسرين بأل. جاء في (تفسير أبي السعود): (( وفي تصدير الجملة بحرفي التنبيه والتحقيق وإظهار المتضايفين معا في موقع الإضمار بأحد الوجهين وتوسيط ضمير الفصل من فنون التأكيد ما لا يخفى)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 146: 148)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ٢٠﴾ [المجادلة: 20]
* * *
ذكر الذين يحادون الله ورسوله في آية سابقة، وقد ذكر أنهم كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، أي: أُذلوا وأُخذوا وأن لهم عذابًا مهينًا (الآية 5).
وقد ذكر في هذه الآية أنهم في الأذلين، أي: (( في جملة من هو أذل خلق الله، لا ترى أحدًا أذل منهم)).
وقال عنهم: إنهم في الأذلين، ولم يقل: (أولئك هم الأذلون) ذلك أن هناك من هم من الأذلين غيرهم، وهم الذين كبتوا من الأمم السابقة ممن حاد الله ورسله، وممن سيأتي فيما بعد.
فناسب أن يقول:﴿أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّين﴾ أي: في جملتهم ((وذلك في الدنيا والآخرة)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 148، 149)
﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ٢١﴾ [المجادلة: 21]
* * *
﴿كَتَبَ ٱللَّهُ﴾
قيل: أي: في اللوح المحفوظ، أو (كتب) بمعنى قضى. والغلبة قد تكون بالحجة والبرهان، وهي ثابتة لجميع الرسل، أو بالسيف أو بكليهما. وقد تكون الغلبة للرسل بإهلاك المعاندين، كما هو شأن كثير من الأقوام التي أهلكها ربنا انتصارًا لرسله.
جاء في (تفسير الرازي): ((﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ : غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة؛ إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف ، ومنهم من لم يكن كذلك)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿كَتَبَ ٱللَّهُ﴾ أي: أثبت في اللوح المحفوظ ، أو قضى وحكم.
وعن قتادة قال: وأيًا ما كان فهو جارٍ مجرى القسم؛ فلذا قال سبحانه:﴿لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ أي: بالحجة والسيف وما يجري مجراه ، أو بأحدهما.
ويكفي في الغلبة بما عدا الحجة تحقيقها للرسل عليهم السلام في أزمنتهم غالبًا، فقد أهلك سبحانه الكثير من أعدائهم بأنواع العذاب، كقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والحرب بين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وبين المشركين، وإن كان سجالًا ، إلا أن العاقبة كانت له عليه الصلاة والسلام، وكذا لأتباعهم بعدهم)).
وقد أكد ربنا غلبته وغلبة رسله باللام الواقعة في جواب القسم ونون التوكيد الثقيلة ، ذلك أن العرب قد تجري (كتب) مجرى القسم، فيجاب بما يجاب به القسم. جاء في (معاني القرآن) للفراء: (( الكتاب يجري مجرى القول ، تدخل فيه أن وتستقبل بجواب اليمين)).
وجاء في (تفسير أبي السعود): ((﴿كَتَبَ ٱللَّهُ﴾ أي: قضى وأثبت في اللوح، وحيث جرى ذلك مجرى القسم أجيب بما يجاب به، فقيل:﴿لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ أي: بالحجة والسيف وما يجري مجراه ، أو بأحدهما . ونظيره قوله تعالى:﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٧١ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ١٧٣﴾ [الصافات: 171-173]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ﴾.
أي: إن الله قوي على نصرة أنبيائه وحزبه.
﴿عَزِيزٞ﴾ يمنع حزبه من أن يذل ـ غالب لا يدفعه أحد عن مراده.
وقد أكد قوته وعزته بـ (إن)، وذلك أنه لما ذكر غلبته وغلبة رسله ناسب أن يؤكد ربنا قوته وعزته.
ألا ترى أنه سبحانه قال في موضع آخر: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ١٩﴾ [الشورى: 19]
فقال:﴿وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيز﴾ فلم يؤكد، وذلك أن السياق في الشورى في لطفه بعباده ورزقه لهم، فلا يستدعي ذلك توكيدهما.
وقد يؤكد بأكثر من مؤكد إذا اقتضى ذلك، وذلك نحو قوله سبحانه:﴿ٱإِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ٤٠﴾ [الحج: 40] لأن السياق يقتضي ذاك.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 149: 151)
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ٢٢﴾ [المجادلة: 22].
* * *
مناسبة هذه الآية لما قبلها، فإنه بعد أن ذكر الذين يحادّون الله ورسوله ويتولون قوماً غضب الله عليهم، ذكر المؤمنين وصفاتهم وأنهم لا يوادّون من حادّ الله واليوم الآخر موالياً لمن حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب الناس إليه.
وفي هذا ما فيه من الزجر والمبالغة في النهي.
جاء في (الكاشف): ((من الممتنع المحال أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين.
والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته)).
وجاء في (النكت والعيون): ((وفيه وجهان:
أحدهما: أنه خارج مخرج النهي للذين آمنوا أن يتوادّوا من حاد الله ورسوله.
الثاني: أنه خارج مخرج الصفة لهم والمدح بأنهم لا يوادّون من حادّ الله ورسوله، وكان هذا مدحاً)).
((وقدم الآباء؛ لأنه يجب على أبنائهم طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف.
وثنى بالأبناء؛ لأنهم أعلق بهم لكونهم أكبادهم، وثلّث بالإخوان؛ لأنهم الناصرون لهم ... وختم بالعشيرة؛ لأن الاعتماد عليهم والتناصر بهم بعد الإخوان غالباً)).
﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ﴾.
أي: أثبته الله تعالى فيها.
﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ﴾.
أي: قواهم برحمته وهداه، ونور منه. فالضمير في قوله (منه) يعود على الله.
قيل: ويجوز أن يعود الضمير على الإيمان، أي: قواهم بنور الإيمان سبب لحياة القلوب. جاء في (الكشاف): ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ﴾ بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب)).
﴿رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ﴾ بطاعتهم له.
﴿وَرَضُواْ عَنۡهُۚ﴾ بما أوتوه عاجلاً وآجلًا في الدنيا والآخرة.
وجاء في (النكت والعيون): ((رضي الله عنهم في الدنيا بطاعتهم.
﴿وَرَضُواْ عَنۡهُۚ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: رضوا عنهم في الآخرة بالثواب.
الثاني: رضوا عنه في الدنيا بما قضاه عليهم فلم يكرهوه.
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: ((أنه تعالى عدد نعمه على المؤمنين، فبدأ بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ﴾ ...
والنعمة الثانية قوله: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ﴾ ...
النعمة الثالثة: ﴿وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ وهو إشارة إلى نعمة الجنة.
النعمة الرابعة: ﴿رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ﴾ وهي نعمة الرضوان، وهي
أعظم النعم وأجلّ المراتب.
ثم لما عدد هذه النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله فقال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ وهو في مقابلة فيهم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: المختصون بالفلاح، فليس لغيرهم فلاح.
قد تقول: لقد قال سبحانه في سورة المائدة: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ٥٦﴾.
فختم الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾.
وختم آية المجادلة بقوله: ﴿أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾.
فما الفرق؟
فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك.
فإن سياق آيات المائدة في استعانة الذين في قلوبهم مرض باليهود والنصارى واتخاذهم أولياء؛ ليحتموا بهم وينصرونهم، كما أخبر سبحانه عنهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ٥١ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ٥٢﴾ [المائدة: 51-52].
فقال لهم ربنا: إنه من يتول الله ورسوله والذين آمنوا هم الغالبون، وليس الذين يتولون الكافرين.
فآية المائدة في النصرة والغلبة، فختمها بقوله: ﴿هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 152: 155)