﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ١٩١﴾ [آل عمران: 191]
* * *
ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب ، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ٢٠٥﴾ [الأعراف: 205]
وقدم القيام على القعود ، والقعود على الاضطجاع على الجنب في حالة العافية ؛ لأن الإنسان في حالة العافية كذلك بخلاف حالة المرض ، فإن الأكثر أن يكون ملازمًا لجنبه. وقد غاير ربنا الترتيب في حالة المرض فقال:﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا ﴾ [يونس: 12]
فقدم الجنب في حالة الضر وأخر القيام ، وقدم القيام في حالة العافية وأخر الاضطجاع على الجنب.
والمعنى أنهم يذكرونه في جميع أحوالهم.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾.
أي: يتفكرون في إنشائهما وإيجادهما ، ويتفكرون فيهما بعد الإنشاء والإيجاد ، فهم يتفكرون في خلقهما ، وفيهما بدليل قوله سبحانه على ألسنتهم:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ فقد أشار إلى هذه المخلوقات بقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾
لم يقل: (يقولون ربنا) أو: (قائلين ربنا) ليشمل قولهم بألسنتهم وفي نفوسهم وفي تفكرهم.
وقدر بعضهم قولًا مقدرًا ، أي: يتفكرون في ذلك قائلين أو يقولون.
وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ حكاية لتفكرهم في نفوسهم ، جاء في (التحرير والتنوير): ((ويجوز عندي أن يكون قوله:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ حكاية لتفكرهم في نفوسهم ، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكرين)).
ويترجح عندي إرادة الأمرين ، فلم يذكر القول.
وقولهم:﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ أي: تنزهت عن العبث والباطل ، فإنك لا تفعل إلا الحق (( وصدرت الجملة بالنداء مبالغة في التضرع إلى معوّد الإحسان كما يشعر به لفظ الرب)).
وبعد دوام الذكر على جميع أحوالهم وتفكرهم فيما خلق ربهم ، وتنزيههم له عن العبث والباطل وعن كل ما لا يليق ، تضرعوا إليه بالدعاء أن يقيهم عذاب النار ، وهو أعظم ما يخافه ويخشاه أهل الذكر والمعرفة بالله ، فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو لهم غير ظالم.
ولعل هذا إشارة إلى أن الداعي يحسن أن يقدم بين يدي دعائه ذكر الله والثناء عليه ، وألا يكون غافلًا ، كما علمنا ربنا في سورة الفاتحة أن ندعوه بعد الثناء عليه وإخلاصهم له بالعبادة وذلك قوله:﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيم﴾ بعد قوله:﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِين﴾
والوقاية من عذاب النار فوز ، كما قال ربنا: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ١٥ مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ١٦﴾ [الأنعام: 15-16]
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني
للدكتور فاضل السامرائي- صـ 32: 35)
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ١٩٢﴾ [آل عمران: 192]
* * *
تكرار النداء بقولهم ﴿ رَبَّنَآ ﴾ يدل على تضرعهم وتذللهم له.
﴿ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ ﴾ أي: فضحته وأهنته.
﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ أي: ليس لهم من ناصر ينصرهم.
وجاء بـ (من) الاستغراقية لتأكيد ذلك ولاستغراق نفي الأنصار على وجه العموم. جاء في (روح المعاني): ((أي: ليس لكل منهم ناصر ينصره ويخلصه مما هو فيه ... ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم ، والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم)).
ثم إن اختيار (الظالمين) مناسب للسياق الذي وردت فيه الآية.
وذلك ليشمل الذين قتلوا الأنبياء الذين ذكرهم فيما تقدم من قوله سبحانه: ﴿قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ١٨٣﴾
وقوله: ﴿وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ . . . ١٨٦﴾
وقوله بعد ذلك: ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي . . . ١٩٥﴾
وكل ذلك من فعل الظالمين.
وقال: ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ بجمع النصير ، ولم يقل: (وما للظالمين من نصير ) كما قال في الحج( 71) ؛ لأن المذكورين في آية آل عمران أكثر ، وهم على مدى الأزمان. أما المذكورون في الحج فهم المذكورون في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى:﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ٦٨ ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ٦٩﴾
ويستمر في ذكرهم.
وهؤلاء قلة بالنسبة إلى عموم الظالمين، وقد يكون لهؤلاء نصير واحد ، فناسب ذكر المفرد.
أما المذكورون في آية آل عمران فهم مستمرون إلى آخر الدنيا فلا يكون لهم نصير واحد.
قم إنه ناسب الكثرة الجمع ، والقلة الإفراد.
قد تقول: لقد قال في مواطن: ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22 - 56].
فقال:﴿ نَّٰصِرِينَ٢٢﴾
وقال في مواطن: (من أنصار) فما الفرق؟
فنقول: إن (الأنصار) يحتمل أن يكون جمع (نصير ) كشريف وأشراف ، وأن يكون جمع (ناصر)
فإن جمع (النصير ) على أنصار.
و(الناصرون) جمع ناصر.
و(النصير) صيغة مبالغة ، و(الناصر) اسم فاعل.
والنصير أقوى من الناصر ، فإن نفيت الناصر كان نفي النصير من باب أولى.
ونفي النصير لا يعني بالضرورة نفي الناصر ، فإن نفي الكثير لا يعني بالضرورة نفي القليل.
فقولك: (مالك من ناصر) أقوى في نفي من ينصرك من قولك: (مالك من نصير)
وهذا الأجر جارٍ في القرآن الكريم ، فإنه يقول: ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ﴾ في الكفار ، وما هو أشد ضلالًا ، وفيمن هم أشد ضلالًا ، من قوله: ( ما لهم من أنصار).
فإنه يقول في مواطن عدة: ﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ٢٧٠﴾ [البقرة: 270] ، [آل عمران: 192] ، [المائدة: 72].
والظالم ليس كافرًا بالضرورة ، فإن الظالم قد يكون كافرًا وغير كافر.
وأما قوله: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾ فقد يقوله في الكفار ومن هو أشد ضلالًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ٢١ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٢﴾ [آل عمران: 21-2
فقد ذكر كفرهم وظلمهم لقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقتلهم من يأمر بالقسط من الناس ، فقال: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾
وقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٥٦﴾ [آل عمران: 56]
فذكر الذين كفروا ، وذكر أنهم يعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة ، فقال: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾
وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٩١﴾ [آل عمران: 91]
فذكر الذين كفروا وماتوا وهم كفار.
وقال: ﴿إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٣٧ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٣٨﴾ [النحل: 37-38]
فذكر أن الله لا يهدي من يُضل ، ومعنى ذلك أنهم يموتون على الكفر ، ثم ذكر أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، فذكر أنه لا يؤمنون بالبعث.
فهؤلاء كفار ضالون لا يهديهم الله.
وقال في قوم إبراهيم الذين ألقوه في الجحيم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٥﴾ [العنكبوت: 25]
فذكر أن هؤلاء يعبدون الأوثان وذكر حالهم في الآخرة.
وقال:﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٩﴾ [الروم: 29]
فهؤلاء ظالمون يتبعون أهواءهم ، وإن الله أضلهم فلن يهديهم أحد ،
ومعنى ذلك أنهم كافرون ظالمون .
وقال:﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ٣٢ وَبَدَا لَهُمۡ سَئَِّاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ٣٣ وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ٣٤ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ٣٥﴾ [الجاثية: 32-35]
فهؤلاء منكرون للساعة مستهزئون بآيات الله ، وهم سيمكثون في النار لا يخرجون منها.
فأنت ترى أن كل من قال فيهم: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾ هم أشداء في الكفر ضالون لن يهديهم أحد.
في حين قال:﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ٢٧٠﴾ [البقرة: 270]
فلم يذكر غير الظلم فقال:﴿مِنۡ أَنصَارٍ﴾
وقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ١٩٢﴾ [آل عمران: 192]
فذكر الظالمين.
وكذا قال في المائدة:﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ٧٢﴾ [المائدة: 72]
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني
للدكتور فاضل السامرائي- صـ 35: 40)
﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ١٩٣﴾ [آل عمران: 193]
* * *
كرروا نداء ربهم بقولهم: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا ﴾ إظهارًا لتضرعهم وتذللهم.
﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾
المنادي قيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل: هو القرآن ، قيل: لأنه ليس كل واحد يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما القرآن فظاهر باق على مرّ الأيام والدهور.
قد تقول: لم لم يقل: (إنا سمعنا مناديًا للإيمان) ويكتفي ، ولكن جمع بين المنادي وفعله فقال: ﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾
وأجيب عن ذلك بأنه للتعظيم والتفخيم. جاء في (الكشاف): ((فإن قلت: فأي فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟
قلت: ذكر النداء مطلقًا ثم مقيدًا بالإيمان تفخيمًا لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهادٍ يهدي للإسلام. وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، وغير ذلك فإذا قلت: ينادي للإيمان ، ويهدي للإسلام ، فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته)).
وجاء في (روح المعاني): (( وفي إطلاق المنادي أولا حيث قال سبحانه: ﴿ مُنَادِيٗا ﴾ ولم يذكر ما دعي له ، ثم قوله عز شأنه: ﴿ يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾ ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادي والمنادى له. ولو قيل من أول الأمر: (مناديًا للإيمان) لم يكن بهذه المثابة.
وحذف المفعول الصريح لـ (ينادي) إيذانًا بالعموم ، أي: كل واحد)).
واختار (المنادي) على (الداعي) لأن النداء فيه رفع الصوت ، فكأنه رفع صوته بالدعاء إلى الله ليسمعه كل أحد.
وجاء في (روح المعاني): ((وإيثاره على (الداعي) للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد ؛ لما فيه من الإيذان برفع الصوت)).
وجاء في (التحرير والتنوير): (( المنادي الذي يرفع صوته بالكلام ، والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قويًّا لأجل الإسماع ... ومنه سمي الأذان: نداء.
وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت)).
وذكروا أنهم آمنو عن طريق السماع لا عن طريق رؤيته صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك إظهار لصدق إيمانهم وسرعة استجابتهم.
فالذين آمنوا برسول الله ولم يروه لهم فضلهم وكرامتهم على الله.
ثم إن ذكر السماع مناسب لذكر النداء ، فإن النداء يسمع.
وقالوا: (إننا) بتكرار النون إشارة إلى توكيد ذلك جاء في (نظم الدرر) أنهم أظهروا النون في (إننا) إبلاغًا في التأكيد.
قد تقول: ولكنه قال في مواطن: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا﴾ ولم يظهر النون ، وذلك في قوله تعالى على لسان الجن:﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ٣٠﴾ [الأحقاف: 30]
وقوله:﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فََٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا٢﴾ [الجن: 1-2]
وكلتا الآيتين على لسان الجن.
فنقول الاختلاف من أوجه:
ذلك أنهم ذكروا أنه سمعوا الكتاب ولم يسمعوا المنادي ، في حين أنه قال في آل عمران أنهم سمعوا المنادي.
وسماع المنادي أدعى إلى التأكيد ، هذا إضافة إلى أن النداء من رفع الصوت ما يدعو إلى المبالغة.
فناسب التوكيد في آية آل عمران.
والأمر الآخر أنه في آية آل عمران ذكروا ذلك توسلًا وطلبًا لمغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وحسن الخاتمة وأمور أخرى ذكروها في قوله: ﴿وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ ، والداعي ينبغي أن يتوسل ويتضرع ويؤكد ذلك ، فناسب التأكيد.
ولم يرد مثل ذلك في آيتي الأحقاف وسورة الجن.
فناسب كل تعبير موضعه.
﴿ فََٔامَنَّاۚ ﴾
عطف بالفاء للدلالة على سرعة استجابتهم ، وهو ((مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة)).
﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا ﴾
ذلك أن الإيمان مدعاة إلى مغفرة الذنوب ؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله وأما من لم يؤمن فلا مغفرة له ولا تكفير.
وقيل فيما قيل: إن المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي ، ومن السيئات ما تأخر منها جاء في (نظم الدرر) لللبقاعي في قوله: ﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ((أي: التي أسلفناها قبل الإيمان ، بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كانت جابّاً في ظاهر الشرع.
وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بعد توبة ، وإليه الإشارة بقوله:﴿وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا﴾ أي: بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر)).
والأكثرون على أن الذنوب هي الكبائر ، والسيئات هي الصغائر ، ويؤيد ذلك قوله: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ ﴾ [النساء: 31] فأفرد السيئات عن الكبائر.
لقد ذكر في الآية مع الذنوب المغفرة ، ومع السيئات التكفير ؛ ذلك أن (غفر) معناه: ستر وغطى ، وكل شيء سترته فقد غفرته.
ومنه (المِغفر) وهو زرد من الحديد يكون تحت بيضة الحديد على الرأس ؛ لأنه يغطي ما تحته.
وأما (كفر) فهو من الستر أيضًا والكفر في اللغة: التغطية ، غير أنه لا يرقى إلى صلابة المغفر وشدته وقوته فـ ((الكافر: الزّرّاع لستره البذر بالتراب ، والكفار: الزُّرّاع ، والكافر: الليل ، والكافر والكفر: الظلمة ، لأنها تستر ما تحته ، والكفر: ظلمة الليل)).
فلما كان الذنب أعظم وأثره أكبر وعقوبته أشد ، استعملت معه المغفرة ؛ لأن المغفر يقي ما تحته ويحميه.
ولما كانت السيئة من الصغائر ؛ استعمل لها ما هو أخف ، فالكافر: الليل ، والكافر: الظلمة.
والليل والظلمة يحجبان الرؤية ، ولكنهما لا يحميان من السهام والسلاح أو الضرب.
وكذلك إذا كان بمعنى (كفر البذرة) أي: غطاها بالتراب ، فإن التراب يكون قليلًا فوقها ، وهو لا يحميها إذا أرادها أحد بسوء.
فلما كانت السيئة أخف استعمل منها ما هو أخف في التغطية.
وقدم مغفرة الذنوب على تكفير السيئات لأنها أعظم ، ولأن الإسلام يجبّها ، وقدمهما على التوفي ليموتوا مغفورًا لهم فلا يصيبهم عذاب القبر.
ثم سألوه صحبة الأبرار وذلك قوله:﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
((مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في جملتهم)).
فهم بدعائهم هذا سألوه حسن الخاتمة وصحبة الصالحين ، كما قال تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا٦٩﴾ [النساء: 69]
قد تقول: لقد قال هنا: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ ، وقال في آية أخرى من السورة: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 147]
فقال في الآية السابقة: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
وقال في هذه الآية: ﴿ وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾
فاختلفت الخاتمتان ، فما السبب؟
فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك ، فإنه قال في سياق الآية التي ذكرناها آنفا:﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 146-147]
فالسياق كما هو بيّن في الجهاد وساحة القتال ، فسؤال التثبيت والنصر هو المناسب ، ولا يناسب طلب الوفاة.
فالذين في ساحة القتال يسألون التثبيت والنصر ، وهذا هو المناسب، فكانت كل خاتمة أنسب بسياقها.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 40: 47)
﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ١٩٤﴾ [آل عمران: 194]
* * *
أي: آتنا ما وعدتنا ، وهو الوعد الذي ذكرته على لسان رسلك للمصدقين بهم ، فنحن آمنا بك وصدّقنا رسلك.
والظاهر – والله أعلم – أن الوعد يشمل ما وعد المؤمنين من النصر في الدنيا ، وما وعدهم من حسن ثواب الآخرة.
وقوله: ﴿ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ﴾ يعني: لا تفضحنا بسوء ما عملناه إن كنا أذنبنا ، فاستر ذلك علينا يا ربنا. جاء في (الكشاف): (( الموعود هو الثواب ، وقيل: النصرة على الأعداء)).
وجاء في (روح المعاني ): ((وأيد كون المراد النصر لا الثواب الأخروي تعقيب ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ﴾ ؛ لأن طلب الثواب يغني عن هذا الدعاء؛ لأن الثواب متى حصل كان الخزي عنهم بمراحل. وهذا بخلاف ما إذا كان المراد من الأول الدعاء بالنصر في الدنيا ، فإن عدم الإغناء عليه ظاهر ، بل في الجمع بين الدعاءين حينئذ لطافة ؛ إذ مآل الأول لا تخزنا في الدنيا بغلبة العدو علينا.
فكأنهم قالوا: لا تخزنا في الدنيا ، ولا تخزنا في الآخرة ...
وترك العطف في هذه الأدعية المفتتحة بالنداء بعنوان الربوبية للإيذان باستقلال المطالب وعلو شأنها)).
وجاء في (التحرير والتنوير) أنه ((ثواب الآخرة وثواب الدنيا لقوله تعالى:﴿فََٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾ )).
وهو الراجح فيما أحسب.
قد تقول: لقد قال في هذه السورة في موضع سابق:﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ٩﴾ [آل عمران: 9]
فقال بعد الخطاب:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
بإسناد ذلك إلى لفظ الجلالة:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
وقال في هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾
بالإسناد إلى ضمير المخاطب ﴿ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
فما الفرق؟
والجواب أن الظاهر من تعبير:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾ أن هذا كلام الله سبحانه ، وليس كلام الراسخين ، جاء في (البحر المحيط): ((ظاهر العدول من ضمير الخطاب إلى الاسم الغائب يدل على الاستئناف ، وأنه من كلام الله تعالى لا من كلام الراسخين الداعين.
قال الزمخشري: معناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد ، كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله)).
وجاء في (روح المعاني): (( جوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين. قال السفاقسي: وهو الظاهر)).
وجوز أن يكون ذلك من كلامهم على الالتفات ((للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب ... وهذا بخلاف ما في آخر السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الإنعام)).
والفرق بين الموطنين أن الراسخين في العلم لم يشيروا إلي موعد وعدهم إياه، ولم يطلبوا إلا الهداية وطلب الرحمة وعدم زيغ القلوب فقالو:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ٨﴾ ثم ذكروا جمع الناس ليوم لا ريب فيه فقالو:﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ﴾.
وقوله:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾ يعني: جمع الناس لذلك اليوم.
وأما الآية الأخرى فهي في سياق جملة من الأدعية ، ومن ذلك قولهم:﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾.
فهم طلبوا أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسنة رسلهم في الدنيا والآخرة ، فلما سألوه إنجاز ما وعدهم قالوا:﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ فناسب ذلك تذييل كلامهم بما قالوا توسلًا لإنجاز ما وعدهم إياه ربهم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 47: 50)
﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ١٩٥﴾ [آل عمران: 195]
* * *
﴿ فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ ﴾.
جاء بالفاء للدلالة على سرعة استجابة دعائهم.
وذكر الرب مضافًا إليهم ، وذلك لما دعوه قائلين:﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا . . . رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ بإضافة الرب إليهم ، فاستجاب ربهم دعاءهم بإضافة الرب إليهم، فإنهم دعوا ربهم فاستجاب لهم ربهم.
وهو نظير قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ ﴾ بذكر الرب مضافًا إليه ، فاستجاب له سبحانه بقوله:﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ﴾ فإنه دعا ربه فاستجاب له ربه.
لقد ذكر الإيمان أولًا بقوله:﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
وذكر ههنا العمل فقال:﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم﴾
فدل ذلك على أن استجابة دعائهم إنما كانت للإيمان والعمل الصالح ، ولما قدموه بين يدي الدعاء من التعظيم والثناء على الله ، وذلك قوله:﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ . . .﴾ مما يدل على أنه ينبغي الثناء على الله وتعظيمه وذكره قبل الدعاء.
جاء في (روح المعاني): (( وذكر الرب هنا مضافًا ما لا يخفى من اللطف ... والإشعار بأن مدارها (أي: الاستجابة) أعمالهم التي قدموها
على الدعاء لا مجرد الدعاء)).
وقال:﴿مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ﴾ ليشمل جميع المتصفين بهذه الصفات ، وأن هذا لا يختص بالذكور وهو نظير قوله في (غافر):﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ٤٠﴾ [غافر: 40]
فذكر الذكر والأنثى .
وقد تقول: لقد قال في غافر:﴿ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ ﴾ ولم يقل مثل ذلك في آل عمران ، فما السبب؟
والجواب ظاهر ، وذلك أنه ذكر أنهم مؤمنون ، فقد قال عنهم: إنهم قالوا:﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
وقد وصفهم بصفات المؤمنين.
وقد قال:﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم﴾ أي: من المؤمنين ، وذكر أنهم أوذوا في سبيله فذكر الإيمان والعمل الصالح في الموضعين.
لقد ذكر في هذا السياق:
1- الإيمان بالله ، فقال:﴿ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
2- وذكر الإيمان بالرسل ، وذلك قوله:﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ . ومقتضى الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب وما نزل إليهم. والإيمان بالملائكة ، فإنهم هم الذين يبلغون الرسل عن الله.
وقد ذكر الذين أوتوا الكتاب قبل هذه الآيات فقال:﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ١٨٧﴾
3- وذكر الإيمان باليوم الآخر فقال: ﴿وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَاد﴾
ومقتضى الإيمان بالكتب الإيمان بما ورد فيها ، ومنها الإيمان بالقدر
فاستكملوا عناصر الإيمان.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 50: 52)
﴿ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ﴾ [آل عمران: 195]
* * *
لقد رتب هذه الأمور بحسب الشدة.
فذكر الهجرة ، والهجرة قد تكون اختيارًا ، وقد تكون اضطرارًا.
ثم ذكر الذين أخرجوا من ديارهم ، وهو أشد مما قبله ، فإنهم أخرجوا منها إخراجًا.
ثم ذكر الإيذاء في سبيل الله ، وهو أشد مما قبله.
ثم ذكر القتال ، وهو أشد مما قبله ، فإن الإيذاء قد لا يؤدي إلى القتال.
ثم ذكر بعد ذلك القتل ، وهو أشد من كل ما سبق.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.
قدم تكفير السيئات على دخول الجنات؛ لأن دخول الجنات بعد تكفير السيئات ، فقدم ما هو أسبق.
لقد أكد تكفير السيئات وإدخال الجنات بنون التوكيد الثقيلة ، وقال في أكثر من موضع:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ ﴾ [النساء: 57 - 122].
والسين ونون التوكيد كلتاهما تفيد الاستقبال ، فما سبب اختيار كل تعبير؟
والجواب أن السياق يوضح سبب ذلك.
فإنه يؤكد بالنون إذا كان العمل ثقيلًا شاقًا ، وإن لم يكن السياق كذلك جاء بالسين.
فقد ذكر ههنا الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا ، وكل ذلك من المشاق ، فأكد بالنون.
ونحو ذلك قوله تعالى:﴿۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ﴾ [المائدة: 12].
فقد ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاء والإيمان برسل الله ومساندتهم وتقويتهم وإقراض الله قرضًا حسنًا.
وفيها شيء من المشاق ، وخصوصًا تقوية الرسل ومساندتهم ، وذلك قوله سبحانه:﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ﴾ فقد يقتضي ذلك مواجهة من لم يؤمن.
ونحو ذلك قوله سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ٥٨ لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ٥٩﴾ [الحج: 58-59]
فقد ذكر الهجرة والقتل والموت، ولا تخفى مشقة ذلك.
أما ما جاء بالسين فليس السياق في نحو ذلك.
قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا٥٧﴾ [النساء: 57]
فليست هذه في سياق الجهاد والفتنة وما إلى ذلك ، حتى إنه لم يفصل في الإيمان والعمل الصالح كما فصل في آية المائدة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها إضافة إلى الإيمان.
ونحو ذلك قوله سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا١٢٢﴾ [النساء: 122].
فليست الآية في سياق مشاف الأعمال وثقيلها.
فلما كانت الآيات في سياق مشاق الأعمال وثقيلها أكد بالنون الثقيلة ، ولما لم تكن كذلك لم يأت بها والله أعلم.
﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَاب﴾.
لم يقل: (وعند الله الثواب الحسن) ؛ لأن الكلام على الله ودعائه وتنزيهه وأنه استجاب لهم ووعدهم بأنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات ، ثم قال ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ فناسب تقديمه والإخبار عنهم بأنه عنده حسن الثواب.
كما لم يقل: (والله عنده الثواب الحسن) بوصف الثواب بالصفة المشبهة ، وإنما قال : ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَاب﴾ فجاء بـ (الحسن) مصدرًا ، مبالغة في وصفه بالحسن ، أي: هو الحسن بعينه.
وقدم الخبر للحصر ، فليس عند غيره ثواب أصلًا ، وإنما هو عنده حصرًا ، فإذا كان عنده الحُسن فكيف يكون حسن عند غيره؟ وكيف يكون عند غيره نصيب منه؟
قم انظر من ناحية أخرى كيف قابل في التعبير الآية.
فإن قوله:﴿وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ﴾ قابله بقوله:﴿وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ﴾ فالإخراج مقابل الإدخال.
و ﴿أُخۡرِجُواْ﴾ مبني للمجهول ، و(أدخلنهم) مبني للفاعل ، وهو مسند إلى رب العزة.
و(الديار) التي أخرجوا منها تقابل (الجنات) التي أدخلهم ربهم فيها.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 53: 56)
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ١٩٦ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٩٧﴾ [آل عمران: 196-197]
* * *
التقلب: هو التصرف على حسب المشيئة من ذهاب ومجيء وسفر وتجارة وحروب.
وهذا دال على تمكنهم وسعة تصرفهم.
فنهاه عن أن يغتر بذاك ، فإن هذا متاع قليل.
وقد أكد بالنهي بالنون؛ لأن المقام يقتضي ذلك ، فهم متمكنون آذوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم وآذوهم وقاتلوهم ، وكل ذلك مدعاة إلى الاغترار بقوتهم وقدرتهم ، فنهاه عن أن يغتر بذاك ، وأخبر عن ذاك بأنه متاع قليل.
والمتقلب لا بد أن يأوي بعد تقلبه، فذكر أن مأواهم جهنم.
والمتقلب يريد أن يمهد لنفسه ما يستريح إليه ويجد فيه راحة فقال:﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم.
جاء في (البحر المحيط): ((﴿ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ﴾ : ثم المكان الذي يأوون إليه إنما هو جهنم.
وعبر بـ (المأوى) إشعارًا لهم بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها ، وكأن البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لهم أماكن انتقال من مكان إلى مكان ، لا قرار لهم ولا خلود . ثم المأوى الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو جهنم.)).
وجاء في (تفسير أبي السعود) : ((﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ ذم لها وإيذان بأن مصيرهم مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم.
وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى تلك الدار مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 56، 57)
﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ١٩٨﴾ [آل عمران: 198]
* * *
لقد أثير سؤال في هذه الآية، وقوله سبحانه في الآية ذات الرقم (195) ، وهي قوله: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ . . . ﴾
وهو أنه قال في هذه الآية:﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ ولم يقل في الآية السابقة ذلك ، فلم ذاك؟
وظاهر أن ثمة أكثر من اختلاف بين هاتين الآيتين:
1- فقد قال في الآية (195):﴿ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ ﴾.
وقال في هذه الآية:﴿ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ ﴾.
2- وقال في الآية (198):﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾.
ولم يقل في الآية (195) ذلك.
3- وقال في الآية (195): ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾.
وقال في الآية (198):﴿نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ﴾.
ومن النظر في الآيتين يتضح سبب الاختلاف بينهما.
1- ذلك أن المذكورين في الآية (198) أعم وأشمل وأعظم ممن ذكر في الآية (195).
فإن الأولين ، وهم الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ومن ذكرهم بعدهم ، إنما هم من المتقين ، بدليل قوله تعالى:﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ [البقرة: 177]
فإن الموصوفين بالآية (195) إنما هم قسم ممن ذكر في الآية (198).
قال تعالى:﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾
جاء في (تفسير الرازي) في قوله:﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ﴾ أنه (( يتناول جميع الطاعات؛ لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات وعن ترك المأمورات)).
فلم ذكر أن المتقين خالدون فيها دخل فيهم أولئك المذكورون في الآية (195).
ولما كان المذكورون في الآية (198) أعم وأشمل، ناسب ذكر الخلود فيما هو أعم.
ثم إنه لما ذكر تقلب الذين كفروا في البلاد وقال إنه متاع قليل، أي: هو زائل وهم زائلون ، ناسب أن يذكر أن الذين اتقوا ربهم خالدون في الجنة وليس المتاع قليلًا.
2- ذكر في الآية (195) أنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
وذكر فيمن هم أعم واشمل ، وهم الذين اتقوا ربهم أن لهم جنات تجرب من تحتها الأنهار.
ولا شك أن هؤلاء أعلى ؛ فإن قوله:﴿لَهُمۡ جَنَّٰتٞ﴾ يفيد التمليك. أما الإدخال فلا يعني التمليك بالضرورة، فإنك لو أدخلت شخصًا في قاعة أو قصر ، لا يعني أنك ملكته إياه ، بخلاف ما لو قلت: إنه لك.
فناسب الجزاء العمل.
3- وقال في الآية (195): ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾.
والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات)).
4- قال تعالى:﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَار﴾ ولم يقل: (وما عند الله خير لهم) ليبين أن الذين اتقوا إنما هم من الأبرار. قال تعالى: وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ ﴾ [البقرة: 189]
وقال:﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ . . . أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ [البقرة: 177]
(( والتعبير عنهم بالأبرار ، ووضع الظاهر موضع المضمر ، كما قيل؛ للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر ، كما أنها من قبيل التقوى)).
ثم إن قوله: ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَار﴾ مناسب لدعاء المؤمنين:﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ وقد ذكر طرفًا من صفاتهم ، وهو الإيمان والتفكر في خلق السموات والأرض وذكر الله سبحانه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 58: 62)
﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩٩﴾ [آل عمران: 199]
* * *
هذه الآية مناسبة لما قبل هذه الآيات ، وهو قوله: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ١٨٧ لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ١٨٨﴾ [آل عمران: 187-188]
فذكر الذين أوتوا الكتاب وأخذه الميثاق عليهم ليبينه للناس فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا.
ثم ذكر ههنا أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إلى الرسول وما أنزل إليهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا.
فأولئك اشتروا به ثمنًا قليلًا ، وهؤلاء لا يشترون به ثمنًا قليلًا.
وذكر أن أولئك لهم عذاب أليم.
وأما هؤلاء فلهم أجرهم عند ربهم.
وهي مناسبة أيضًا لما ورد في أول السورة من إنزال القرآن والتوراة والإنجيل، وهو قوله سبحانه:﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾.
وقد ذكر في هذه الآية ، أعني الآية ذات الرقم (199)، أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وهي الكتب المذكورة في أول السورة.
فناسب الآية ما تقدمها وما ورد في أول السورة.
لقد قال ههنا: ﴿ وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ . . .﴾.
بالتوكيد بـ (إن) واللام.
وقال في موضع آخر:﴿۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ﴾ [آل عمران: 75] من غير توكيد ، وذلك لأن هذا الموطن أدعى إلى التوكيد، ذلك أن المؤتمنين في خلق الله كثير . ولا شك أن من أهل الكتاب من يؤدي الأمانة ، ولكن أن يغير الذي من أهل الكتاب دينه ويؤمن بما أنزل إلى الرسول خاشعًا لله، فهذا قليل نادر . وهو الذي به حاجة إلى توكيد أكثر من الحالة الأخرى.
فأكد ما هو أولى بالتوكيد.
أكد سرعة الحساب بـ(إن). وفي مواطن لا يؤكد ذلك ، وإنما يقول:﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ أو نحوه.
وهناك أمور تقتضي التوكيد، منها: أن يكون الخلق كثيرين، وهذا في العادة يقتضي طول الحساب، ولئلا يظن أن ذلك يقتضي طول مدة بالنسبة إلى الله ؛ يؤكد سرعة الحساب.
أو أن الحساب قريب عاجل ، فيؤكد لئلا يظن أنه سيؤخره. أو أنه نافذ علمه في الحساب ، وفي كل شيء لا يندّ عنه شيء ، فإن ذلك يؤكد سرعة الحساب، بخلاف من لا علم له.
جاء في (نظام الدرر) للبقاعي: ((ولما كانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ... فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك ؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ﴾ أي: بما له من الجلال والعظمة والكمال ﴿سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾.
وجاء في (الكشاف) في قوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ ((لنفوذ علمه في كل شيء ، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر.
ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي ... وإما كناية عن قرب الأجر الموعود؛ فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء)).
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى:﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٥١﴾ [إبراهيم: 51]
وهذا يشمل جميع النفوس على الإطلاق (كل نفس) فاقتضى توكيد سرعة الحساب.
وقال:﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٧﴾ [غافر: 17].
وهذا نظير الآية السابقة ، فذكر كل النفوس ، فاقضى التوكيد. في حين قال:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۢ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمَۡٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٣٩﴾ [النور: 39] وهذا شخص واحد جرى نحو الراب فمات ظمآن ، فلا يستدعي توكيد سرعة الحساب.
وقال: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤١﴾ [الرعد: 41]
وهو في هذه الآية لم يذكر أناسًا يحاسبهم ، وإنما هو من باب ذكر صفته سبحانه.
وقال:﴿ وَمَن يَكۡفُرۡ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩﴾ [آل عمران: 19]
والكفرة كثيرون ، فناسب توكيد سرعة الحساب.
وقال:﴿يَسَۡٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤﴾ [المائدة: 4].
وفي هذه الآية أمران ، كل منهما يقتضى التوكيد:
الأمر الأول: أنه حكم لعموم المسلمين ، وهم كثرة.
والأمر الآخر: أنه أمرهم بالتقوى والتقوى مما يقتضي سرعة توفية الأجر في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى:﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ﴾ [الطلاق: 2-3].
وأما بالنسبة للمذكورين في آية آل عمران التي نحن بصدد بيانها، فإنه أكد سرعة الحساب ليدل على أنه سيعجل لهم أجرهم في الدنيا، علاوة على ما أعد لهم في الآخرة من الأجر ، وخاصة ذكر أن هؤلاء لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا.
ومن يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا إنما يطلب عاجل الدنيا، فقال ربنا إنه سيعجل للذين لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا أجرهم في الدنيا، علاوة على ما في الآخرة ، فالتوكيد مناسب من أكثر من وجه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 62: 67)
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ٢٠٠﴾ [آل عمران: 200]
* * *
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ ﴾ والصبر عام ، صبر على المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية.
﴿ َصَابِرُواْ ﴾ أي: اصبروا على شدائد الحرب ، واثبتوا في مواجهة الأعداء. جاء في (الكشاف): ((أي: غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، لا تكونوا أقل صبرًا منهم وثباتًا)).
وجاء في (التحرير والتنوير): ((المصابرة: الصبر في وجه صابر وهذا أشد الصبر ثباتًا في النفس ، وأقربه إلى التزلزل ، وذلك أن الصبر في وجه صابر آخر شديد على نفس الصابر ؛ لما يلاقيه من مقاومة قرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه)).
﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أي: أقيموا في الثغور والمرابطة نوع من الصبر.
﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ (( في مخالفة أمره على الإطلاق ، فيندرج فيه جميع ما مر اندراجًا أوليًا.
﴿ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴾ ((أي: لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية ودرك البغية والوصول إلى النجح في الطلبة ، وذلك حقيقة الفلاح)).
وهذا الأوامر متدرجة في الشدة على حسب ما ذكر.
فالمصابرة أشد من الصبر ، والمرابطة أشد من المصابرة وأدوم ، وتقوى الله عامة في كل الأحوال.
ثم لننظر من ناحية أخرى:
إن هذه الآية كأنها في مقابل قوله سبحانه:﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾
ونظيرته في الشدة.
فقوله:
﴿ ٱصۡبِرُواْ ﴾بمقابل الذين هاجروا.
﴿ َصَابِرُواْ ﴾ بمقابل قوله ﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي﴾.
﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ بمقابل ﴿وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾.
وأما قوله:﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ فهو بمقابل قوله: ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ﴾.
ثم إن هذه الآية مناسبة لأول السورة بعدها ، وهي مفتتح سورة النساء.
قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا١﴾
فقد أمر المؤمنين بالتقوى في خاتمة آل عمران فقال:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.
وأمر الناس عمومًا بها في آية النساء فقال:﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ﴾.
ثم إنه في خواتيم آل عمران ذكر الذين اتقوا ربهم فقال:﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ﴾ فذكر الرب.
ثم أمر بتقوى الله في خاتمة السورة فقال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.
فذكر اسمه العلم (الله).
وكذلك ذكر في مفتتح سورة النساء ، فذكر الرب وذكر لفظ الجلالة فقال: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ﴾.
ثم قال بعدها:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ﴾
فذكرهما ههنا كما ذكرهما ثَم ، وهو من لطيف التناسب.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 67: 69)