آية (٦٣) : (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ)
* بعد أن ذكروا أنهم في شك ناقشهم بأمرين الأول أمر عقلي منطقي في هذه الآية والأمر الآخر ملزم قائم على الحجة في الآية التي تليها وهي المعجزة، المنطق (أَرَأَيْتُمْ) إفترضوا أن الله أرسلني حقًّا لست مدّعيًا أنا نبي إذن من يعصمني منه وينجيني منه إن خالفته وعصيته؟.
* قدّم (مِنْهُ) على (رَحْمَةً) مع أنه في قصة سيدنا نوح قدّم رحمة (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) :
بحسب الاهتمام، الآية (وَآتَانِي مِنْهُ) يعني من الله، إذن الكلام على الله سبحانه وتعالى وليس على الرحمة بدليل قوله (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) فقدّم ما يتعلق بالله، بينما الآية الأخرى (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)) الكلام على الرحمة فقدّم الرحمة.
* قال (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) وليس (إن عصيته كنت خاسرًا) :
التخسير مصدر خسّر، فعّل - مصدره تفعيل، يفيد المبالغة والتكثير مثل كلّم تكليم (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، خسارًا من خسِر خسار وخُسر وخسران وخسارة، في الآية هذه العبارة تدل على الزيادة في الخسارة قال (تَزِيدُونَنِي) هذه زيادة وقال (تَخْسِيرٍ) زيادة في الخسران وجاء بـ(غَيْرَ) لو قال كنت خاسرًا لا يؤدي هذا المعنى.
* الفرق بين الخُسر والخَسار والخُسران والتخسير:
الخُسر يستعملها عامة للقليل والكثير (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) عامّة للقليل والكثير.
الخَسار يستعملها في الزيادة في الخسارة ولذلك لم يرد إلا في الزيادة (وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا) (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) ناسب بين الزيادة والزيادة في الكلمة.
الخُسران يستعملها لأعظم الخسارة، أقوى من الخَسار (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الخُسران هذا أكثر شيء ولذلك أضاف حرفين (الألف والنون) على الخُسر.
التخسير مصدر خسّر، فعّل - مصدره تفعيل، يفيد المبالغة والتكثير، ولم يرد إلا في هذه الآية.
* ما قال ما تزيدونني إلا خسارًا كما قال في مواطن أخرى، جاء بالتخسير الذي هو مضاعفة الخسران والتكثير والمبالغة، لأنه لما افترض عليهم في المناقشة أنه نبي مرسل وآتاه منه رحمة ثم عصى، فالخسارة عنده أعظم من أيّ واحد آخر لم تأته نبوة وعصى.
* جاء نفى بالاسم (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) للمبالغة في الخسران.
آية (٦٤) : (وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)
* ينتقل من المحاجة العقلية إلى الحُجة الملزمة وهي المعجزة (وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً) .
* قدّم (لَكُمْ) على (آيَةً) للاختصاص فهي مختصة لهم لا لغيرهم هم طلبوها وهو أرسل إليهم خاصة فهي لهم من أبصرها غيرهم؟ قومه فقط.
* (وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) ما قال لا تقتلوها أو لا تعقروها وإنما نهى عن مجرد المس بالسوء وهذا أقوى في النهي يعني لا تؤذوها بأيّ شيء من الأشياء، ولذلك نكّر السوء أيّ سوء عام يشمل كل شيء كل ما هو مكروه ويشمل القليل والكثير فهو طلب أن لا تُمسّ بسوء.
* هنا حذّرهم (عَذَابٌ قَرِيبٌ) وفي نفس القصة في الأعراف قال (فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)) :
هنا في القصة قال (تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) ثلاثة أيام موعد قريب، بينما في الأعراف فهي بداية التبليغ أول مكان ذكرها فيه، لم يبلّغهم بعد، فقال عذاب أليم.
آية (٦٥) : (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)
* مع هذه الناقة دائمًا يستخدم العقر ما قال فذبحوها، فقتلوها:
العقر في اللغة بمعنى القطع ويأتي بمعنى الذبح أيضًا، حتى إذا عقر الناقة من رجلها يسمى عقر، لو قطع أيّ عضو يسمى عقر لكنهم لم يكتفوا بهذا فقط وإنما ذبحوها قطعوا رقبتها، لو قال فذبحوها لكان يُظنّ أن العقوبة نزلت بسبب الذبح لكن لو فعلوا غير ذلك لم يعاقبهم، لا، العذاب ليس بسبب الذبح، هم نُهوا عن المسّ بالسوء لو قطعوا شيئًا منها كان سيأتي العذاب.
* قال (فَعَقَرُوهَا) وفي موضع آخر (فكذّبوه فَعَقَرُوهَا) مع أنه واحد فقط عقرها (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ(٢٩) القمر) :
لأنهم لما نادوا صاحبهم إذن اشتركوا في المسألة، كل من كان سببًا في هذه الفعلة مشتركٌ فيها، هو في الحقيقة العاقر واحد لكن أراد أن يفهمنا أنه كل من اشترك في هذه يناله العقاب وإن لم يفعل لكنه كان سببًا، تمآلأوا على ذلك فإذن العقوبة تصيبهم، ثم هم قالوا (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) .
* (ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) إما أن يقدَّر غير مكذوب فيه يعني لا يُكذب فيه، وقد يأتي بمعنى الكذب يعني غير كذب، وعد صادق غير كذب، هو يخاطبهم، لأنهم يشكّون وإلا لم يعقروا الناقة.
آية (٦٦) : (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)
* تقديم سيدنا صالح على الذين آمنوا لأنه هو القائد المسؤول هو المبلِّغ وهو الناهي وهو المحاجج.
* في هذه الآية (بِرَحْمَةٍ مِّنَّا) وفي النمل (وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٣٢)) وفي فصلت (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)) بدون (برحمة منا) :
في سورة هود قال (نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ) إذن الذين آمنوا نجاهم بصفة الإيمان فقط لم يذكر التقوى معناها أن رحمة الله اتسعت لمن آمن وإن لم يكن متقيًا، هذا إلماح إلى سعة رحمة الله ولذلك مع أنه لم يذكر التقوى نجاهم برحمة منه، هؤلاء أولى بالرحمة، وإذا رحم أولئك فمن اتقى وآمن من باب أولى أن يرحمهم وهم من ذكر لهم الصفتين الإيمان والتقوى في سورتي النمل وفصلت.
* (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) نجّاهم من أمرين من العذاب ومن الخزي النفسي.
* (إِنَّ رَبَّكَ) بالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل إن الله، وهذا تحذير لقريش من مغبّة موقفهم أن يصيبهم ما أصاب أولئك إن عصوا رسولهم واتبعوا أهواءهم وأعرضوا.
* (هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) آتى بضمير الفصل بينما في الشورى (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ (١٩)) :
في هود مقام عقوبة وإهلاك لهؤلاء، وإنجاء صالح (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) يعني لا قوي غيره على الحقيقة ولا عزيز غيره على الحقيقة، بينما في الشورى في مقام لطف بالعباد (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء) ليس هناك داعٍ لتوكيد القوة والعزة.
* (الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) استخدام هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى لأنها مسألة غلبة وقهر وانتقام.
* تقديم (الْقَوِيُّ) على (الْعَزِيزُ) لأن القوة تكون أولًا وهي أساس العزّة فالعزة لا تكون إلا بالقوة، قوي فعزّ.
آية (٦٧) : (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
* هنا (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) ومع قوم شعيب (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)) :
- في قصة قوم صالح قال (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) ولم يقلها في قوم شعيب والخزي مذكّر فإذن هذا أنسب للتذكير (وَأَخَذَ) ستكون الصيحة هنا بمعنى الخزي.
- التذكير في العقوبات أقوى من التأنيث، فإذا كان هنالك أمر أشدّ من أمر يؤتى بالمذكَّر لما هو أشدّ:
--- قال (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) ولم يقلها في قوم شعيب،
--- قال (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) القوة والعزة تعقيبًا على هلاك قوم صالح لأن العذاب كان أقوى ولم يقلها في مدين.
--- قال (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) كفروا ربهم تستدعي شدة العذاب ولم يذكرها في قوم شعيب.
--- في قصة صالح قال (فلما) بالفاء تفيد الترتيب والتعقيب لأنه ذكر عذابًا قريبًا ناسب الفاء، وفي قوم شعيب قال (ولما) والواو تفيد مطلق الجمع، لا ترتيب ولا تعقيب.
* الفرق بين كلمتي (دَارِهِمْ) و(دِيَارِهِمْ) من الناحية البيانية:
الصيحة أشمل وأهمّ من الرجفة ويبلغ مداها أكثر من الرجفة فأنت تسمع صوتًا لم تكن فيه كانفجار أو زلزال يحصل في مكان لكن الصوت يُسمع في مكان آخر لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة، ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة لذا جاء استخدام كلمة (دِيَارِهِمْ) مع الصيحة كما في سورة هود، أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط لذا جاء استخدام كلمة (دَارِهِمْ) مع الرجفة كما في سورة الأعراف آية ٧٨ و٩١ (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وكذلك في سورة العنكبوت آية ٣٧.
آية (٦٩) : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)
* قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم:
لها أكثر من جانب في القرآن؛ مع قومه ومع النمرود ومع أبيه وبناء الكعبة مع سيدنا إسماعيل الذبيح، وجانب البُشرى، وحتى لما جاءته رسل ربه أحيانًا يذكرهم بصورة ضيف أو بصورة رسل، ثم بشرى له أو لزوجه بالولد ثم هي تكون مدخل إلى قصة لوط، وجانب البُشرى والمجيء على هذا الضيف ورد في ثلاث سور في هود والحجر والذاريات وهنالك إشارة يسيرة في العنكبوت لكن ليس فيها تكرار فيها جانب واحد فيها تبسُّط في بعض المواضع ويطوي جوانب أخرى:
- هنا وفي العنكبوت ذكر أنه جاءته رسل ربه، (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) العنكبوت) ، في سورتي الحجر والذاريات التسمية اختلفت ذكر أنهم ضيفه (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)) .
- ذكر التحية ورد التحية في هود والذاريات (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) (فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ)، في الحجر ذكر تحيتهم لكن لم يذكر الرد (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) ما ردّ السلام قال إنا منكم وجلون، في العنكبوت لم يذكر لا تحية ولا ردّ تحية لم يذكر (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) دخول مباشر إلى قصة لوط بعد المجيء بالبشرى.
- ذكر تقديم الطعام لضيفه في هود والذاريات، جاء لهم بعجل حنيذ أو سمين لم يذكر ذلك في الحجر، وذكر في الذاريات أنه دعاهم إلى الأكل قال (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) وفي هود لم يذكر ولكن عندما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام نكرهم وأحس منهم خيفة فقط.
- ذكر في هود أن امرأته كانت قائمة وأنها ضحكت بعد ذكر الرسل أنهم أرسلوا إلى قوم لوط ولم يذكر ذلك في أي موضع آخر.
- في هود ذكر أنهم بشروها هي بالولد (فَبَشَّرْنَاهَا) في حين أن البشارة كانت لإبراهيم في الحجر والذاريات (وَبَشَّرُوهُ).
- في هود بشروه بولد وبولد الولد من بعده هم إسحاق ويعقوب وحينما كانت البشرى في الحجر والذاريات بالولد لم يذكر ولد الولد.
- ذكرت البشارة اسمي الولد وولد الولد في هود (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)) لم يذكر ذلك في الحجر والذاريات قال (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) لم يذكر اسم.
- في هود ذكر اسم العلم إسحاق ويعقوب هنا ذكر صفة وهناك العلم.
- في هود ذكر عجب امرأة سيدنا إبراهيم ومحاورتها للملائكة (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)) وتبسّطت في ذكر العجب ولم يذكر ذلك في الحجر، أما في الذاريات فلم تزد على أن (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)) فقط أما في هود كان هنالك حديث وضحك وتبسط في الحديث وكلام عن البعل.
- ذكر في الحجر محاورة إبراهيم للملائكة في هذه البشرى كيف أنهم بشروه بعد أن مسّه الكِبَر ولم يذكر ذلك في أي موضع آخر، بل تفرّد به الحجر، في هود والذاريات كان الكلام فيما يتعلق بالبشرى بين زوجه والملائكة وليس بينه وبين الملائكة.
- ذكر تبسط الملائكة في الكلام مع زوج إبراهيم في هود (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) فهو يتعلق بالعجب ولم يذكر ذلك بالذاريات (قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)) (كذلك قال ربك) .
- في الحجر والذاريات سألهم (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) بينوا له السبب في حين في هود هم ذكروا ابتداءًا (قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) وكذلك في العنكبوت.
- التبسّط والإكرام سواء كان لإبراهيم أو الملائكة نلاحظه في سورة هود أكثر، ففي سورة هود عجل بذكر البشرى له قبل ذكر الخوف في حين كانت البشرى بعد التصريح بالخوف كما في الحجر والذاريات.
* هم مرة سلموا عليه ومرة ردّ ومرة سلموا ومرة ما ذكر أنه ردّ السلام هل هو ردّ أم لم يرد؟ هم بشروها؟ أم بشروه عليه السلام؟ جاء بعجل سمين أم حنيذ؟ مرة سألهم أم لم يسألهم؟
هذه ليست متضادة وإنما أحيانًا يذكر في موضع وأحيانًا ما يذكره كأي موقف نحن في مواقفنا في الحياة تفيض في جانب معين والباقي إما لا تشير إليه أو تشير إليه بإيجاز، هو ما قال ما رد التحية لم يقل هم حيوه وهو لم يرد التحية ما قال هذا وإلا سيكون هناك تناقض وتعارض وإنما قال سلّم عليه، كما نقول نحن والله ذهبنا إلى فلان وسلمنا عليهم ورحبوا بنا وأهلًا وسهلًا وتفضلوا واستريحوا الخ ، ومرة تقول ذهبنا وسلمنا عليهم وقعدنا ورجعنا وهم بخير، هم بشروا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبشروا زوجه، والحنيذ سمين وزيادة.
* (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا) تغير نمط بداية القصة ولم يقل وإلى عاد أخاهم كذا وإلى مدين أخاهم كذا:
الغرض من ذكر تلك القصص مختلف فبالنسبة للرسل أرسلهم إلى أقوامهم لتبليغهم الدعوة هود ونوح وشعيب (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وهكذا، والأمر هنا ليس كذلك وإنما الغرض من المجيء البشرى وإخباره أنهم أرسلوا إلى قوم لوط فقط، الإرسال إلى قوم لوط وليس إلى سيدنا إبراهيم (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، هي محطة في الطريق.
* (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) سلامًا تعتبر جملة فعلية نسلم سلاماً، مفعول مطلق، قال سلامٌ هذه اسمية، والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية والاسم أقوى وأثبت من الفعل يجتهد ليس مثل المجتهد، والله تعالى يقول (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فهو حيّاهم بخير من تحيتهم.
* دلالة استعمال المصدر المؤول (أَنْ جَاءَ) :
الاحتمال الأول أن إبراهيم هو نفسه الفاعل صاحب الشأن هو الذي جاء فما أبطيء في المجيء أو عن المجيء، والاحتمال الثاني أن يكون الفاعل المصدر يعني فما تأخر مجيئه، وطبعًا لم يذكر حرف الجر ما قال (في أن جاء) ولا (عن جاء) لأنه سينحصر المعنى بواحد قطعًا، وهذا توسع ففيه ثلاث معاني، ما أبطأ لا هذا ولا ذاك .
* الفرق بين (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) و (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) :
- الحنيذ هو السمين الحارّ المشوي على حجارة يقطر دهنه فلما تقول حنذته يعني شويته على حجارة وجعلت فوقه حجارة وحارة حتى ينضج نضجًا جيدًا، الحنيذ لا بد أن يكون سمين أساسًا، ولكن السمين ليس بالضرورة أنه مشوي ممكن أن يكون حيًا ويمشي، ولابد أن يكون حارّا يعني مشوي بارد لا يسمى هذا حنيذ، وهذه الأمور دلالة على الإكرام.
آية (٧٠) : (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)
* (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ) ولم يقل مثلاً فلما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام مع أن المفهوم ضمنًا لما رآهم لا يمدون أيديهم:
هذه إشارة إلى أدب الضيافة ليس مجرد كرم، لما قال رأى أيديهم يعني كان يسارقهم النظر ما كان يطلع عليهم مباشرة كي لا يخجلهم فرأى الأيدي لا تمتد، لأنه لا يحسن المضيف أن يحد النظر إلى ضيفه عندما يقدم له أكله فهو سيستحي ولن يستطيع أن يأكل.
* الخيفة بمعنى الخوف لكن هذا نسميه اسم الهيئة (فِعْلة) مثل جِلْسَة، حالة خاصة في هذا الموقف فقط ليست خوفًا عامًا، هيئة معينة اعترته في هذا الموقف.
آية (٧١) : (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ)
* (فَبَشَّرْنَاهَا) البشارة من الله سبحانه وتعالى وفي موضعين آخرين (وَبَشَّرُوهُ) (إِنَّا نُبَشِّرُكَ) البشارة من الملائكة:
- لما أسند البشارة إليه سبحانه عظُمت البشارة زيادة في الإكرام فبشارة الرب ليست كبشارة الملك وشملت الولد وولد الولد (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ) بشارة بطول العمر حتى ترى حفيدها، بينما لما كانت البشارة من الملائكة - ولا شك أن البشارة بأمره - كانت فقط بالولد.
* البشارة كانت لكليهما (فَبَشَّرْنَاهَا) (وَبَشَّرُوهُ) .
آية (٧٢) : (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)
* الويلة هي الفضحية، يا ويلتى يا للفضحية فيها خزي، امرأة كبيرة وحملت أمر فيه خجل، أما الويل يا ويلي للهلاك.
* هنا (إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) وفي ق (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)) وفي ص (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)) :
التأكيد على قدر العَجَب، العجب أقلّ لا يؤكد، العجب كثير يؤكِّد.
في ق (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ) تعجّب من مجيء منذر منهم فقال (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) .
في هود (أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا) عجوز عقيم، هذا عجب أكثر فقال (إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) أكّد بإنّ واللام.
في ص أكثر شيء (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) كما جاء في ق ثم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) وهم مشركون عريقون في الشرك فقاتلوه بسبب كلمة التوحيد فالعجب أكثر بعد وصفه بأنه ساحر وكذّاب سفقال (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) على صيغة فُعال وهي أبلغ في الوصف وأكثر من فعيل. تقول رجل شجيع وشُجاع أقوى تعبيرًا من شجيع، وإذا أردنا الزيادة في ذلك نقول فُعّال مثل كُرّام، كُبّار وردت في القرآن (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) فعيل - فُعال - فُعّال مثل حسن حُسان حُسّان.