عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٣٣﴾    [هود   آية:٣٣]
آية (٣٣) : (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) * (إِنَّمَا) هذه أداة حصر، يعني هذا الأمر الذي أعدكم به إنما يأتيكم به الله إن شاء فالأمر بيد الله حصراً ليس بيد أحد آخر، لا يستطيع أحد من البشر أن يفعله، لا أستطيع أنا ولا غيري. * قدّم الجار والجرور على لفظ الجلالة (يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ) وما قال يأتيكم الله به لأكثر من سبب: - الكلام عن العذاب الذي سيأتي هم يستجلبون العذاب لأنهم لا يصدقون به. - معنى هذا التعبير (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ) يعني ما يأتيكم به إلا الله، لو قال (يأتيكم الله به) فالمعنى أنه لا يأتيكم الله إلا به، هذا لا يصح، (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ) يعني لا يأتيكم إلا به إلا الله، قصر هذا الأمر على الفاعل. * (بِمُعْجِزِينَ) : - لم يقل (أنتم لا تعجزون) فالاسم دال على الثبات والدوام يعني على وجه الثبات والدوام ما أنتم بمعجزين، هذه صفتكم اصلاً على طول الزمن، لا تستطيعون أن تهربوا أو أن تفعلوا شيئاً للدلالة على ضعفهم وعجزهم. - أكدها بالباء (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) . - جعله عاماً يعني لا تعجزونه في كل شيء لا في مكان ولا في زمان.
  • ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٣٤﴾    [هود   آية:٣٤]
آية (٣٤) : (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) * قال سبحانه (إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ) يعني مع إرادتي واهتمامي بالنصح لأن أحياناً أحدهم ينصح الآخر وهو لا يريد أن ينصحه، وأحياناً هو يريد النصح فيبالغ في النصح ويهتم به. * (إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ) يبين أن هذا أمر عظيم يعرفون ربنا سبحانه وتعالى ما هي قدرته فمجرد إرادة الله الإغواء - لم يقل إن كان الله أغواكم - النصح لا ينفع مع إرادتي النصح وشدة رغبتي والحرص عليه مهما أفعل لا ينفع. * هنا قال (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) وفي الأعراف قال (وَأَنصَحُ لَكُمْ) : السياقان مختلفان، في الأعراف المقام في بدء الدعوة (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ (٦٢)) هو ذكر أنه ينصح لهم، ففي أول الدعوة ينبغي أن يذكر مهمته، ينصح لهم ويدعوهم ويعلمهم ويرشدهم، في هود في مقام الجدال بعد تطاول الزمن جادلهم فأكثر جدالهم وقالوا فائنا بما تعدنا فقال لهم لا ينفعكم نصحي. * (هُوَ رَبُّكُمْ) حصرًا ليس لكم رب غيره. * هو الآن ذكر أمرين توحيد الألوهية (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) وتوحيد الربوبية (هُوَ رَبُّكُمْ). * (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) حصرًا لا إلى غيره، (وترجعون إليه) فيها رجوع إلى الله لكن ليس فيه حصر، يمكن ترجع إلى غيره، فإذن ما اتخذتم من دونه من أرباب وما إلى ذلك هذا ليس شيئاً ولن يغني عنكم من الله شيئاً. * قال (إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) للذين ازدروهم وهنا قال (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) لم يقل وتلاقوا ربكم أيضاً، اختلف التعبير: الملاحظ في القرآن أنه يستعمل (مُلَاقُو رَبِّهِمْ) ونحو هذا التعبير في المؤمنين فقط واستعمله مرة واحدة في عموم الإنسان ولم يستعمله للكافرين، في جنود طالوت (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ربنا خاطب المؤمنين (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) وخاطب الإنسان (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) لكن لم يخص هذا الأمر بكافر. (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) عامة ليس خاصاً بأحد، قال في الصلاة (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .
  • ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴿٣٥﴾    [هود   آية:٣٥]
آية (٣٥) : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) * منطوق الآية يصلح لكل رسول، كل رسول كذبه قومه ورموه بالافتراء وقالوا يفتري على الله، والرد يصلح لكل من قال ذلك، عموم لأصحاب الرسالات، لو قيل لسيدنا محمد فسيكون هذا الرد عليه، قسم ذهب إلى أن هذا في سياق قصة سيدنا نوح رموه بالافتراء فقال هذا الأمر وقسم قال هذا كلام قريش لسيدنا محمد جملة معترضة بين القصة، أثناء القصة التفت للمسألة قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) وفي آخر القصة ذكر (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا) وفي أثناء القصة إلتفت لهم. * (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) الذي افترى على الله الكذب مجرم فعليه إثم ذلك الافتراء. * (وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) : - قسم قال أنا إن افتريته عليّ إثم ذلك وأنتم عليكم ما ترتكبون من الآثام والإجرام، كل واحد يتحمل نتيجة عمله. - قسم ذكر أنا بريء مما تنسبون إليّ مما تدّعون ومما تجرمون في حقي من الافتراء، الآية تحتمل معنيين. * (وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) لم يقل من إجرامكم كما قال (إِجْرَامِي) : هم رموه بأمر واحد وهو الافتراء على الله، هذا إجرام فقال (إِجْرَامِي)، لكنهم هم مليئون بالإجرام مستمرون في الكفر والتكذيب وما إلى ذلك فقال (مِّمَّا تُجْرَمُونَ)، ولو قال أنا بريء من إجرامكم يعني أمر واحد. * الفرق بين الآيتين (٣٥) هود و(قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) سبأ) : آية سبأ في سياق الدعوة والتبليغ والمحاجّة وهذا من باب الإنصاف في الكلام حتى يستميلهم يقول نحن لا نُسأل عما أجرمنا إذا كنا مجرمين كما لا تُسألون أنتم عن إجرامنا إذا كنا كذلك، لا يريد أن يثيرهم بل أراد أن يستميل قلوبهم فقال (عَمَّا تَعْمَلُونَ) هذا يسموه من باب الإنصاف في الدعوة وإذا قال تجرمون معناه أغلق باب التبليغ، وقال قبلها (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ (٢٢)) (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٢٤)) (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)) . آية هود هذه في قصة سيدنا نوح عليه السلام (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) لأن الذي يفتري على الله تعالى مجرم وإن افتريته فأنا مجرم، وإذا أنتم نسبتم الإفتراء إليّ أني أفتري على الله وأنا لست كذلك فأنتم مجرمون بحقي (مِّمَّا تُجْرَمُونَ)، كما أن هنا مفاصلة (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) هنا غلق باب الدعوة والتبليغ.
  • ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾    [هود   آية:٣٦]
آية (٣٦) : (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) * (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ) جاءت بالمبني للمجهول مع أنه في موقف آخر يقول (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (٢٧) المؤمنون) : في المؤمنون نوح دعا ربه لكي ينصرنه (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) هو يريد النصر من الله حصراً فاستجاب له، من دعاه أجابه وقال (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) بالمعلوم، ما قال أُوحي إليه، الفاء هنا تعقيب يعني مباشرة (رَبِّ انصُرْنِي)- (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، والملاحظ في القرآن كله إذا جاء فعل أمر بعد فعل الإيحاء يذكر الفاعل ولا يبنيه للمجهول مثلاً (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ)، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي)، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا). (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) . في هود ليس هناك دعوة فقال (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ) مبني للمجهول. * هنا قال ربنا (بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) ومع يوسف قال (فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) : من الملاحظ أن القرآن يستعمل مع الإهلاك الفعل (فعل) ولم يستعمل الفعل (عمل)، سواء كان بالنسبة لهؤلاء الذين يعاقبون أو لله سبحانه وتعالى عندما ينسب الفعل لنفسه، فعل أعمّ من عمل، مثل (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا (١٥٥)) و (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) الأعراف) و (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) الفجر) و (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ (٤٥) إبراهيم) (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ .. كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) المرسلات) عامة. في هود في سياق العقوبة والإهلاك فقال (بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)، أما في في يوسف ذكر العمل (فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦٩)).
  • ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿٣٧﴾    [هود   آية:٣٧]
آية (٣٧) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) * بدأ سبحانه بما فيه نجاة المؤمنين (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) وقدّمه على مصير الظالمين (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)، وفي كل القرآن الكريم يقدم نجاة المؤمنين على هلاك الكافرين لأنها أهم أولاً ليطمئن قلوبهم ويحفظهم ويحميهم لأنهم عزيزين عليه، مثل قوله (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا (٦٤) الأعراف) ومع باقي الأنبياء أيضاً هنا في السورة. * (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) جاء بالأعين - أي الرعاية والحفظ - جمع للدلالة على تكثير الحفظ وديمومته، يحفظه من هؤلاء وهو يعمل قد يمنعونه من العمل، وقسم قال أعيننا يعني الملائكة لأنها تحفظ أيضاً (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ (١١) الرعد)، والوحي مفرد أي نعلمك كيف تصنعها. * (فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ) ذكر صفتهم التي تستدعي إهلاكهم وعقوبتهم لا تستدعي أن تستشفع فيهم. * (ظَلَمُواْ) جعله مطلقاً لأنفسهم ولغيرهم ولذلك لم يذكر صفة معينة أو قيد معين، ظلموا عامة هذه صفتهم. * (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) جاء بالإسم الدال على الثبوت والدوام وكأن الأمر انتهى عند الله هم مغرقون، ولو قال سأغرقهم فهو لم يحصل بعد.
  • ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾    [هود   آية:٣٨]
آية (٣٨) : (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) * (ويصنع) بالمضارع مع أن الفعل حدث في الماضي، هذا يسمى حكاية الحال، تذكر أمرًا ماضيًا تذكره بالفعل المضارع تنقله إلى المشاهدين كأنما هو الآن، ويذكر في السيرة لأن الأمر المهم يؤتى به بالفعل المضارع. * (وَيَصْنَعُ) بالمضارع مع أن بعدها (مَرَّ عَلَيْهِ) بالماضي لأنه مستمر بالصنع. * قال (مَرَّ عَلَيْهِ) وليس مر به مع أنها جاءت في القرآن (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) المطففين) وهذا يدل على أن سيدنا نوح لا يصنع في طريق المارة وإنما في مكان متنحي أخفض من المكان وهم يمرون من علو، بينما (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) هم في مستوى مرور واحد. * جواب (كلما) يحتمل أمرين: - كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، يعني ملأ يسخر منه لكنه ليس بالضرورة أنه يرد على كل ساخر، أحياناً يتركهم وأحياناً يرد، والجملة (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) استئنافية. - كلما مر عليه ملأ ساخر قال (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) هو لا يترك ساخرًا إلا ويرد عليه، لكن ليس بالضرورة أن كلما مر ملأ يسخر منه. المعنى سيتغير لأن الدلالة مختلفة ولو أراد ربنا أن يعين الجواب بالتحديد لقال كلما مر عليه ملأ من قومه يسخرون منه قال (إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا) لكن هذا التعبير يحتمل الأمرين، هو أراد أمرًا أنه لا يمر ملأ إلا سخر ولا يترك ساخراً إلا رد عليه. * (إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا) بالمضارع وليس إن سخرتم مع أن الفعل حدث بالماضي (سَخِرُواْ مِنْهُ) لأنه قال (كلما) التي تفيد الاستمرار والدوام فهم مستمرون في السخرية والاستهزاء دائمون عليها. * (قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا) ولم يقل إن تسخروا مني مع أنه قال قبلها (سَخِرُواْ مِنْهُ) لأنهم كانوا إذا رأوه سخروا منه وإذا رأوا المؤمنين سخروا منهم سخروا من الجانبين فهو يرد على الكل. * (نَسْخَرُ مِنكُمْ) بالمضارع ولم يقل سنسخر منكم باعتبار أنه سيحدث في المستقبل، فالمضارع يدل على الحال والاستقبال، ومحتمل أن المؤمنين يسخرون من الكافرين في الحال لأنهم لا يعلمون ماذا سيحيق بهم ويسخرون منهم عندما يغرقون وفي جهنم، لكن هؤلاء يسخرون وهم لاهون عابثون ولا يعلمون ماذا سيحيق بهم فهؤلاء أولى بالسخرية. * الفرق بين استهزأ بـ وسخر من في الاستعمال القرآني: - الاستهزاء هو المزح في خفية وهو جانب من السخرية. - الاستهزاء عام سواء تستهزئ بالأشخاص وبغير الأشخاص (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا) (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ)، أما السخرية لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص تحديداً (سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ) . - السخرية لم ترد إلا من فعل يفعله الشخص أما الاستهزاء فقد يستهزأ به من غير فعل، مثلاً نوح يصنع الفلك وهم سخروا من فعل يفعله، (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ (٧٩) التوبة) هذا فعل، أما الاستهزاء فليس كذلك.
  • ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٣٩﴾    [هود   آية:٣٩]
آية (٣٩) : (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) * (مَنْ) تحتمل أن تكون إسماً موصولاً بمعنى (الذي يأتيه) وتحتمل أن تكون إسم استفهام بمعنى من الذي يأتيه؟، ولو أراد أن يعيّنه بمعنى واحد لعينه، لكن هكذا جعلها تحتمل المعنيين الاستفهامية والموصولة لتحتمل أكثر من دلالة. * (يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) اختلف الفعل لاختلاف الدلالة فالعذاب الآن عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: - مع عذاب الدنيا الغرق وما إلى ذلك قال (يَأْتِيهِ) والإتيان لايستلزم الثبات قد يأتي ويذهب، وقال (يُخْزِيهِ) أي يفضحه ويذله. - مع عذاب الآخرة قال (وَيَحِلُّ) الحلول هوالوجوب والثبات والدوام لأن هذا العذاب يجب ولا يذهب، ولو قال (يأتي) يمكن أن يذهب وقال (مُّقِيمٌ) ثابت في الآخرة لا يتحول عنهم. فكما كانوا يسترذلون المؤمنين ويهزأون منهم في الدنيا فجاء بعذاب يخزيهم جزاء أفعالهم، ثم يحل عليهم حلولاً ثابتاً دائماً مقيماً وهو عذاب الآخرة.
  • ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٤٠﴾    [هود   آية:٤٠]
آية (٤٠) : (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) * قال (جَاء) وليس أتى فالقرآن الكريم يستعمل (جاء) لما هو أشق وأصعب، وهو الآن في العقوبة (جَاء أَمْرُنَا) . * (وَفَارَ التَّنُّورُ) فيها احتمالان في المعنى: - فوران الماء من تنور الخبز ينزل على الأرض هذه إشارة لسيدنا نوح أن يركب السفينة. - قسم يقول هذا مجاز عن شدة الأمر كما يقال الآن حمي الوطيس هذا مجاز لشدة المعركة، الوطيس هو الفرن، فار التنور مثل حمي الوطيس، حتى في العاميّة العراقية نقول قامت القيامة وفار التنور كناية عن الشدة وعن حصول شيء. * ضمير التعظيم في (قُلْنَا) إذا كان في مقام التعظيم، وإذا كان في مقام التوحيد يأتي بالإفراد، وقسم يقول أنه إذا كان أمر الله بواسطة المَلَك يلقيه يأتي بضمير الجمع (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) وإذا لم يكن كذلك يُفرِد (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) . * قال الله سبحانه وتعالى (قُلْنَا) ثم بعدها (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)) : في نجاة المؤمنين أسند القول إلى نفسه سبحانه كأنما هو رعاية لهم ورحمة ولطف، بينما (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فيها إهانة لهم، وقد يكون القائل ليس الله سبحانه وتعالى بالضرورة وإنما قد يقول الملائكة والمؤمنون (بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) . * بدأ بالحيوان (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) لأنه قوام حياة الإنسان الطعام الذي يعيشون منه، ثم أهله (وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) لأن الأقربين أولى بالمعروف ذلك هو نادى ابنه ولم ينادِ أحدا غيره ثم المؤمنين (وَمَنْ آمَنَ) . * كلمة (وَأَهْلَكَ) الحكم القاطع هو أنها إسم بمعنى الأهل وهناك مرجحات: - الآية تشير أن الهلاك لم يحصل بعد لأنهم لم يركبوا، فلا يصح أن تعتبر كلمة (وَأَهْلَكَ) بمعنى الإهلاك. - لو كان (وَأَهْلَكَ) فعل بمعنى الهلاك عادة يكون الاستثناء مفرّقًا والاستثناء المفرّق لا يكون إلا مسبوقًا بنفي أو ما يشبه النفي وهنا مفرّق لكن ليس مسبوقاً بنفي وهذا ما يُضعّف أن يكون أهلك بمعنى فعل الإهلاك. - في آية سورة المؤمنون (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (٢٧)) فالضمير يعود على الأهل ونستدلّ من هذه الآية أن المقصود هو الأهل وليس فعل الإهلاك. - أما ما يقطع بأن المقصود هم الأهل فهو أنه لو كان أهلك فعل ماضي سيكون الناجون ما ذكر بعد الاستثناء قسمين الأول (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) والثاني (وَمَنْ آمَنَ) ومن سبق عليه القول ليسوا مؤمنين لكن في الواقع أن الناجين هم المؤمنون فقط لذا فلا يمكن ولا يصح أن تكون النجاة لغيرهم. * (سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) وليس (سبق له) (عليه) للإستعلاء مثل حق عليه القول تستعمل في العقوبة والعذاب لكن (سبق له) يستعملها في الخير (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) الصافات) . * الفرق بين احمل (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) واسلك (فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (٢٧) المؤمنون) : الدلالة مختلفة، سلك هو النفاذ في الطريق، اسلك معناها أدخِل (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) أما احمل فمن الحِمل معروف ويكون بعد السلوك أولاً يدخل السفينة ثم يحمل، في قصة نوح نفسها متى قال أُسلك؟ ومتى قال احمل؟. آية هود جاء الأمر وصنع الفلك فقال فيها احمل (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ... قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا ...) وفي سورة هود ذكر ما دلّ على الحمل لأن الحمل جاري في السفينة (حمل السفينة للأشخاص) (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ) بمعنى تحملهم (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ) بينما في آية المؤمنون قالها قبل الفعل ولم يذكر الحمل أو صورة الحمل (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) . * في سورة المؤمنون (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) وفي آية سورة هود لم ترد )منهم( : سورة هود مبنية على العموم (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) أعمّ من (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)، وكذلك الآيات (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) (بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) ذكر تعالى السلام والبركات وهذا دليل العموم، أما في سورة المؤمنون فالسياق في التخصيص فلم يذكر السلام والبركات وإنما خصص كما في الآية (أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكًا)، ولهذا ذكر (مِنْهُمْ) و(فَاسْلُكْ) . * كلمة اثنين ترد أحياناً مع زوجين (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) وأحياناً لا ترد (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) الذاريات) : اثنين معناه ذكر وأنثى، في آية الذاريات قال (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) وهذا ليس مقصوداً فيه الذكر والأنثى وإنما عموم المتضادات والمتقابلات مثل البروتون والإلكترون، هذان زوجان. الزوج هو الواحد في الأصل (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الزوج هو واحد وتطلق على الذكر والأنثى، الرجل زوج والمرأة زوج والاثنان زوجان وهذه أفصح اللغات.
  • ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٢٣﴾    [هود   آية:١٢٣]
  • ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٤١﴾    [هود   آية:٤١]
آية (٤١) : (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) * قال ربنا (مَجْرَاهَا) وليس جريها لأن الجري مصدر فقط، لكن مجرى مصدر وإسم مكان وإسم زمان، فيها عموم وشمول. * هنالك قراءتان متواترتان لـ (مَجْرَاهَا) وقراءة واحدة لـ (مُرْسَاهَا) : لغويًا: - مَجراها بالفتح (مَجرى) من الفعل الثلاثي جَرَى، هذا مصدر مثل الجري والجريان، واسم مكان يعني مكان الجري، واسم زمان يعني وقت الجري، مُجراها بضم الميم مصدر أيضاً واسم مكان واسم زمان من الفعل الرباعي أجرى، أجراها الله أو أجرتها الرياح، مرساها مصدر اسم مكان واسم زمان من الفعل الرباعي أرسى وليس الثلاثي رسى. - تحتمل مجراها بسم الله مبتدأ وخبر، ويحتمل أن يكون اركبوا فيها بسم الله، الركوب بسم الله، و تحتمل أن تكون حال اركبوا فيها مسمين الله ذاكرين الله حين جريها وحين إرسائها، ومحتمل أن يكون المجرى والمرسى حال، يعني اركبوا فيها جارية ومجراة بسم الله. بيانيًا: هذه العبارة جمعت معاني متعددة: - المصدر الجري والجريان والإرساء، بسم الله جريانها هي تجري بسم الله، وبسم الله إجراؤها من الله، وبسم الله إرساؤها من الله فالله هو مجريها ومرساها، فيكون المعنى إجراؤها وجريانها وإرساؤها كله بسم الله. - المكان مكان الجري ومكان الإجراء ومكان الإرساء، بسم الله مكان جريها ومكان إجرائها ومكان إرسائها. - الزمان في الزمان الذي تُجري فيه وتجري فيه وتُرسى فيه كله بسم الله. بسم الله سبحانه وتعالى جريها وإجراؤها وإرساؤها وبسم الله في مكان جريها وإجرائها وإرسائها وبسم الله زمان جريها وإجرائها وإرسائها ومسمين الله في جريها وإجرائها وإرسائها واركبوا فيها جارية ومجراة ومرساة بسم الله، كل هذا في هذا التعبير. * (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) الرب أنسب اسم هنا لأن الرب هو المعلم والموجه والمرشد، رئيس الملاحين في السفينة يسمى رُبّان والربان من الرب لأنه يوجهها إلى المسار الصحيح. أنسب شيء هو يوجههم ويجريها ويرسيها في المكان. * هنا (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وفي سورة يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥٣)) و (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)) : الموضع الأول في سورة يوسف على لسان سيدنا يوسف أولاً هو رسول لم يرتكب ذنباً وسُجِن ظلماً، هو فرد واحد. في سورة هود هؤلاء قوم نوح المؤمنين جماعة فاحتاج إلى توكيد أكثر أولاً ومحتمل أن يقعوا في اللمم وهم أتباع سيدنا نوح، ولم يقل ربنا أو ربكم لأنه هو الذي يدعو، هو يتكلم عنهم اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها، هو يخاطبهم، يؤكد لهم إن الله غفور رحيم لأنهم كثرة. الموضع الثاني في سورة يوسف مع سيدنا يعقوب أضاف (هو) هم قالوا (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)) بعد أن فعلوا ما فعلوا بأخيهم وما حصل لأبيهم منه وهذا الأمر ليس ليعقوب لأنه يتعلق بحقوق الآخرين هم اعتدوا على أخيهم، هذا الأمر ليس ليعقوب هذا يعود لله حصراً (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
إظهار النتائج من 2661 إلى 2670 من إجمالي 12325 نتيجة.