* (لا جناح عليكم) أقوى وأدلّ على الثبوت من (ليس عليكم جناح) وتستعمل (لا جناح عليكم) في القرآن فيما يتعلق بالعبادات وشؤون الأسرة والأمور المهمة، أما(ليس عليكم جناح) في أمور المعيشة اليومية كالتجارة، وفي الآية (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) الأمر يتعلق بالسير في الأرض للتجارة أو غيرها، قال بعدها (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ (١٠٢)) الأمر هنا يتعلق بالصلاة في موطن الجهاد، فالموطن مختلف لأن موطن الجهاد أهم من موطن الراحة والاستجمام، والجهاد في مقتصد الدين أكثر من الضرب في الأرض.
آية (٧) : (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)
* مناسبتها لما قبلها:
- بعد أن ذكر ربنا سبحانه وتعالى قدرته وعلمه بالبشر وعموم الأحياء في الآية السابقة وذكر قبلها أنه (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤))، ذكر الآن قدرته بعموم الخلق فقال (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) هو الذي خلق يعني هو حصراً لا غيره.
- ارتبط خلق السموات والأرض بقوله في أول السورة (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، وارتبط بقوله (حَكِيمٍ) لأن خلق السموات هذا النظام المحكم الدقيق لا بد أن يكون صاحبه حكيماً، هذا النظام ألا يدل على حكمة؟ وقوله (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) معناه أن هذا جعله لحكمة.
- وإذا كان هو الذي خلق السموات والأرض حصراً فلِمَ يعبد سكانهما غيره؟ قال (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (٢)) .
- (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ) هذا مرتبط (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)) .
* (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء) هذا يدل على أنه الملك والمالك والحاكم:
- المالك هو الذي خلق السموات والأرض إذن هو مالك.
- صاحب العرش ملك، إذن هو مالك وملِك.
- إذا صار ملكاً فهو حاكم.
وهذا يدل على أن ملكه وحكمه قديمان، عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض، فهو رب العرش العظيم.
* (لِيَبْلُوَكُمْ) الإبتلاء هو الاختبار والامتحان والفعل يبلو متعلق بـ (خَلَق) يعني خلق هذه الأشياء من أجل امتحانكم ومن أجل ابتلائكم، وليس بما وراء خلق (في ستة أيام) وإن كانت كل هذه المعاني داخلة ضمن الامتحان والاختبار هي جزء منه، لما يسأل الإنسان لماذا ستة أيام؟ ما المراد بالعرش؟ ما المراد بالماء؟ كيف كان عرشه على الماء؟ هذا كله يندرج بالغيب الذي يؤمن به المؤمنون لأن كل ما غاب عنا إدراكه الخوض فيه هو كدٌ للذهن لا يوصل إلى نتيجة، والإيمان بهذا النص القرآني هو جزء من الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
* دلالة إختلاف تشكيل كلمة ليقولن في الآيتين (٧) و (٨) :
في الآية (٧) الفعل يُبنى على الفتح لأن نون التوكيد باشرته لأنه مُسند إلى اسم ظاهر (الَّذِينَ كَفَرُواْ) وإذا كان الفاعل مذكوراً ظاهراً فنأتي بالفعل في حالة الإفراد، نقول حضر الرجال يحضر الرجال ولا نقول يحضرون الرجال.
في الآية (٨) الفعل مُسند إلى واو الجماعة وإذا أخفي الفاعل مع الجمع نقول ليحضرُنّ، لا نقول ليحضرَن الرجال، فهذا جمع مرفوع بالنون المحذوفة والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، وأصل الفعل إذا حذفنا نون التوكيد (يقولون) مرفوع بثبات النون وعندما جاءت نون التوكيد الثقيلة يصبح عندنا ٣ نونات ويصبح هذا كثيراً فيحذفون نون الرفع وتبقى نون التوكيد واللام لام الفعل.
* (إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) أين السحر؟ هم لا يؤمنون بأن هنالك بعث، وينكرون الساعة وقد قالوا أنه يسحرهم بهذا الكلام وكلامه باطل بطلان السحر الذي لا حقيقة له فكلامه باطل وإنما هو من باب التزيين.
* أمر الله المجاهدين بأخذ السلاح مع أن الأمر الطبيعي للمجاهد أن يكون مستلاًّ سلاحه حاملاً له ولكن عبّر الله تعالى عن النهي عن طرح الأسلحة للمجاهدين حين يشرعون بالصلاة بقوله (وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ) للإيذان بضرورة الحذر من الكافرين وللتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب.
*خصّ الله تعالى ودّهم في هذا الموضع فقال (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ) ولم يقل (تمنّى) مع أن شأن كل محارب أن يتمنى الغفلة من عدوّه لأن الله تعالى أراد أن ينبّه المؤمنين إلى أن أعداءهم لديهم ودٌ وأمل قريب في وقوع الغفلة منهم ظانّين أن اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم.
آية (٨) : (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)
* (أَخَّرْنَا) أسند تأخير العذاب إلى ذاته سبحانه لكن في الصرف لم يسند الفعل لنفسه قال (لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) ولم يقل لا نصرفه عنهم مع أن الكل من قِبَل الله سبحانه وتعالى، ولم يقل (ليس منصرفاً عنهم) إذن هو لا ينصرف من نفسه وإنما يصرفه صارف فجعله اسم مفعول (مَصْرُوفًا) :
هو أسند تأخير العذاب لنفسه إشارة إلى رحمته ولطفه بالعباد، لكن لما قال لا نصرفه عنهم يعني العذاب سيبقيه، عدم صرفه ليس فيه رحمة وإنما هو مظنة العذاب فلم ينسبه إلى نفسه سبحانه وتعالى.
* قال (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) ولم يقل ألا يوم نأتي به، هو يقصد العذاب إذا وقع، فلم ينسبه إلى نفسه سبحانه وتعالى.
* (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) حاق لا يستعمل إلا في المكروه للأمور السيئة، حاق بهم أمر سيء من كل جانب، هو قال (مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) العذاب الذي ما قال كبير أو صغير وإنما هو محدد باستهزائهم، هذا منتهى العدل أنه يحيط بهم على قدر استهزائهم
* دلالة استخدام صيغة الماضي في قوله (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا) :
كان في اللغة قد تكون للماضي أو للماضي المستمر وقد تأتي للإستقبال وفي كل صيغة تفيد معنى خاصاً:
• أولاً: الزمان الماضي المنقطع كأن تقول كان نائماً واستيقظ، كان مسافراً ثم آب.
• ثانياً: في الماضي المستمر (كان الإستمرارية) بمعنى كان ولا يزال، أي هذا كونه منذ أن وُجِد (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) لا تعني كان عدواً والآن أصبح صديقاً.
• ثالثاً: و(كان) تفيد الإستقبال (وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا) أي صارت في المستقبل.
• رابعاً: وتأتي بمعنى الحالة كقوله تعالى (كنتم خير أمة أُخرجت للناس) و (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا).
• خامساً: قد تكون بمعنى ينبغي.
آية (١٠) : (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)
* الفرق بين النعمة والنعماء:
النعمة عامة قد لا تظهر، الإنسان فيه نعم كثيرة البصر والعافية والسمع والكلام نعم كثيرة لا تحصوها لكن النعماء هي ما يظهر أثرها على صاحبها، أثر ما أنعم الله عليه من غنى أو ما إلى ذلك.
* الفرق بين المضرة والضراء:
المضرة قد تكون عامة لكن الضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها إما في البدن أو شيء يظهر عليه.
* من الملاحظ أنه أسند مظاهر الخير والرحمة إلى نفسه (أَذَقْنَا، وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ) (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء) رحمة، ولكن قال (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) وليس نأتيهم، (بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ).
* (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ذهب فعل نحسبه للمذكر والسيئات مؤنث لكنه لم يقل ذهبت السيئات:
لغة يجوز، فهو مؤنث مجازي، لكن في جميع القرآن إذا جعل السيئات فاعلًا فالفعل يأتي معها مذكراً (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ) هذا عام، لكن القرآن يذكر ويؤنث لمراعاة المعنى، إذا قصد به معنى المذكر ذكّر وإذا قصد به معنى المؤنث أنّث، سيصيبهم جزاء السيئات إشارة إلى العذاب، (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) يعني ذهب البؤس وسوء العيش، فذكّر.
* (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) :
الفرِح هو الأشر البطر الذي يعني يبطر بنعمة الله سبحانه وتعالى (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) ولذلك ربنا سبحانه وتعالى إذا ذكر الفرح مطلقاً ذمّه إلا عندما يقيّده بما فيه خير (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) هذا مطلق، لكن يمدحه إذا كان مقيداً بما فيه خير (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) ، الفرح عام في اللغة لكن القرآن يستعملها إستعمالًا خاصًا.
الفخور هو الذي يفخر على الناس بما عنده كما صنع قارون ، فيها معنى الكِبر ولذلك لم تأت في القرآن إلا في مقام الذمّ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) .
* عدل الله سبحانه وتعالى عن اللفظ الحقيقي بقوله (بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) ولم يقل بما عرّفك وأوحى إليك وسمّى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم للمسألة رؤية لأنه علمٌ يقيني لا ريب فيه ولا شك وكأن هذا العلم مُشاهَد له ولذلك أجراه مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا يقولنّ أحدٌ قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه وأما الواحد فينا فرأيه يكون ظنّاً ولا يكون علماً.
آية (١١) : (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
* معنى الاسثناء هنا أنهم صبروا على ما أصابهم من الضراء، وشكروا على ما آتاهم من النعم، هذا عمل صالح، وعملوا الصالحات في كل أحوالهم سواء في حال الضراء أو في حال النعمة، هؤلاء لهم مغفرة فالصبر والضراء قد تكفر السيئات، فلهم أجر كبير في كل الأحوال، يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب والشاكر أيضاً يوفى أجره فإذن الذين صبروا وعملوا الصالحات في كل أحوالهم لهم مغفرة وأجر كبير.
* ما مرّ من الآيات الكريمات فيها نسق:
هو بدأ بعموم المكلفين بعد الآية الأولى طلب منهم ألا يعبدوا إلا الله عندما قال (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (٢)) .
- خص بعدهم الكافرين بالذكر فقال (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ (٥)) .
- ثم ذكر ما هو أعم (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ ِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا (٦)) .
- ثم يأتي مرة أخرى إلى عموم المكلفين (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧)) .
- ثم خصّ الكافرين (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ (٧)) .
- ثم ما هو أعمّ (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً (٩)) الإنسان كله، عام.
- حتى أنه بدأ بالكتاب (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ (١)) وانتهى بالكتاب (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ (١٢)) هذا من الكتاب. فهناك نسق فني عجيب وترابط بالفعل قوي جدًا ، ليس فقط بين الكلمات والآية وإنما كنسق عام.
آية (١٢) : (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)
* مناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها:
(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) لماذا يترك بعض ما يوحى إليه؟ هذا مما يقتضي الصبر قال قبلها (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) وما يجد في نفسه من ضيق (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) هذا يقتضي الصبر أيضاً. فاصبر على ما تواجهه.
* (لعلّ) في اللغة للترجي لكن أحياناً يقصد بها التحذير وأحياناً الزجر، لعلك تقصر فيما أمرتك به فحذره من هذا الأمر.
* (تَارِكٌ) بالتنوين ولم تأت بالإضافة مثل قوله تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ (٩) آل عمران) :
عندنا قاعدة في النحو أن اسم الفاعل يعمل عمل فعله شرطه أن يدل على الحال والاستقبال، مثل (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، أما الإضافة عامة قد تدل على الماضي (ضاربُ زيدٍ) معناه ضربه إحتمال، وقد تدل على الاستقبال (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، إذن في الآية يعني الآن أو في المستقبل ليس في الماضي، فلو قال تاركُ كان احتمال أنه تركه فيحذره مما ترك في الماضي ولكن الرسول لم يترك شيئاً، فحتى لا يحتمل شيئاً.
* قال (بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) ولم يقل كل ما يوحى إليك إذن التحذير من ترك أي شيء من أمور الدين، ينبغي أن يبلّغه كله مهما كان موقف الكافرين واستهزاؤهم وضيق الصدر بهم، إياك أن تترك شيئاً مما يوحى إليك وإن كان قليلاً .
* قال ربنا (وَضَآئِقٌ) ولم يقل ضيّق فضائق إسم فاعل حتى يدل على أنه ضيق عارض بسبب معين ليست سمة أو صفة فالرسول كان أفسح الناس صدرًا، بينما ضيّق صفة مشبهة ثابتة تعني أن صفته ضيق الصدر وصف دائم.
* قدّم (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) على (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) مع أن القريب إلى العقل والمنطق أن يكون ضيق الصدر مقدّم على ترك بعض ما يوحى إليه فضيق الصدر سيؤدي إلى الترك، لكن أيُّ الأهم ضيق الصدر أو الترك؟ الترك أهم من ضيق الصدر فقدّم الأهم، أحياناً قد يضيق صدره بأمر لكن لا يتركه.
* قدّم (بِهِ) على(صَدْرُكَ) بينما في سورة الحجر قدّم الصدر (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)):
(به) هذا الأهم، عندنا ما يوحى للرسول وصدر الرسول فقدّم ما يوحى على الصدر لأنه الأهم، بينما الآية الأخرى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) أيُّ الأهم صدر الرسول أم ما يقوله هؤلاء؟ صدر الرسول، فقدّمه لأنه أهمّ.
* (أَن يَقُولُواْ) ولم يقل مثلاً (لقولهم) أو (أن قالوا) لأن صيغة (أَن يَقُولُواْ) يفيد الدوام والاستمرار لأنهم لن ينتهوا وإنما يستمرون في الكلام ليس فقط قالوا وانتهى، بينما (أن قالوا) ماضي و(لقولهم) يحتمل أن يكون ماضي.
* قال ربنا تبارك وتعالى (أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) مع أن الكنز يكن في الأرض:
هذا من التعجيز مثل (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) وقسم يقولون أُنزِل هنا بمعنى إعطاء.